ليس من المبالغة القول إن الحروب والتوترات التي تعصف بالشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تكشف إفلاساً متزايداً للنمط التقليدي الذي أُدير به أمن المنطقة طوال العقود الماضية. فبعد عقود من الاعتماد على المظلات الأمنية الأجنبية، ومن بناء الأحلاف والتحالفات الجزئية، ومن سباقات التسلح التي يفترض أن تؤدي إلى الردع والاستقرار، لا تزال المنطقة تعيش في قلب دائرة مفرغة من الصراعات والحروب والتهديدات المتبادلة. وما يجعل اللحظة الحالية أكثر خطورة هو أن المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية لم تعد مجرد أزمة بين دولتين، وإنما أصبحت اختباراً مباشراً لكل منظومة الأمن الإقليمي، من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن أمن الطاقة والتجارة إلى مستقبل العلاقات بين القوى الإقليمية.
والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها هي أن بناء المزيد من الأحلاف لن يحل هذه المعضلة. فكلما نشأ تحالف لمواجهة دولة أو تهديد محدد، نشأ في المقابل دافع لدى الطرف المستهدف لبناء قدراته وتحالفاته المضادة. وكلما اتسعت دائرة التعاون العسكري بين مجموعة من الدول، شعرت دول أخرى بأنها مستهدفة، فاندفعت إلى تعزيز قوتها العسكرية أو البحث عن حلفاء جدد. وهكذا يتحول الأمن من مفهوم جماعي إلى عملية تنافسية يصبح فيها أمن دولة ما مصدر قلق لدولة أخرى.
هذه هي المعضلة الأساسية في الشرق الأوسط. فالمنطقة لا تعاني نقصاً في التحالفات، وإنما تعاني غياب نظام أمني إقليمي قادر على استيعاب الخلافات بين دولها. الولايات المتحدة لديها تحالفات وشراكات عسكرية واسعة في الخليج والمنطقة، وإيران لديها شبكة من العلاقات والنفوذ والأذرع الإقليمية، وإسرائيل لديها تفوق عسكري وتكنولوجي وتحالف استراتيجي مع واشنطن، بينما تسعى القوى العربية الرئيسية وتركيا إلى حماية مصالحها عبر مزيج من القدرات الوطنية والعلاقات الدولية. ومع ذلك لم تنتج كل هذه الترتيبات أمناً مستداماً.
بل إن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الحالية تقدم الدليل الأكثر وضوحاً على حدود الاعتماد على التحالفات. فحين تنفجر المواجهة بين قوة دولية كبرى وقوة إقليمية كبرى، تصبح الدول المجاورة، حتى تلك التي لا تريد الحرب ولا تشارك فيها، جزءاً من مخاطرها وتداعياتها. الخليج يصبح معرضاً للتصعيد، والممرات البحرية تصبح مهددة، وأسواق الطاقة تتأثر، والموانئ والمطارات والمنشآت الحيوية تصبح أهدافاً محتملة، بينما يجد البحر الأحمر وباب المندب نفسيهما مرة أخرى داخل معادلة أمنية مرتبطة بصراعات تتجاوز حدودهما الجغرافية.
ومن هنا ينبغي التوقف طويلاً أمام فكرة شديدة الخطورة: أن قبول تحول أي ممر مائي دولي إلى ورقة تستخدمها دولة بعينها في صراعاتها مع الآخرين يهدد ليس فقط حرية الملاحة في ذلك الممر، وإنما القاعدة الأوسع التي يقوم عليها الأمن البحري الدولي. فإذا أصبح مضيق هرمز مجالاً لفرض إرادة طرف واحد، فما الذي يمنع مستقبلاً أن تُستخدم الممرات البحرية الأخرى بالطريقة نفسها؟ وماذا يبقى من مبدأ حرية الملاحة إذا أصبح الموقع الجغرافي للدولة وسيلة لفرض شروط سياسية على التجارة الدولية؟
لذلك فإن أمن هرمز لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره شأناً إيرانياً ـ خليجياً أو أمريكياً ـ إيرانياً فقط. وكذلك فإن أمن باب المندب والبحر الأحمر ليس قضية تخص دولاً بعينها دون غيرها. هذه ممرات حيوية للاقتصاد العالمي ولأمن دول المنطقة، ومن ثم فإن حمايتها ينبغي أن تصبح جزءاً من ترتيبات أمن جماعي إقليمية ودولية تقوم على قواعد واضحة تحترم القانون الدولي وحرية الملاحة وعدم استخدام الممرات البحرية كسلاح في النزاعات السياسية.
والأمر نفسه ينطبق على أمن الخليج. لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة أو على أي قوة خارجية أخرى لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء ترتيبات أمنية إقليمية. فالقوى الخارجية تتغير سياساتها وأولوياتها، وقد تنخرط في الحرب أو تنسحب منها، وقد تتغير إداراتها وحساباتها، بينما تبقى دول المنطقة وجهاً لوجه مع الجغرافيا نفسها والتهديدات نفسها. ومن ثم فإن المطلوب ليس القطيعة مع الولايات المتحدة أو إقصاء القوى الدولية من الشرق الأوسط، وإنما إنهاء فكرة أن الأمن الإقليمي يمكن أن يظل مسؤولية قوة خارجية بالدرجة الأولى.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى الأمن الجماعي إلى محاولة لبناء تحالف إقليمي جديد ضد إيران. فهذا سيكون تكراراً للمشكلة نفسها تحت اسم مختلف. إذا كان الهدف هو إنشاء نظام أمني مستدام، فلا بد أن تكون إيران جزءاً من العملية، كما ينبغي أن تكون دول الخليج ومصر وتركيا والأردن وغيرها من القوى الإقليمية الرئيسية أطرافاً فيها. وإشراك إيران لا يعني الثقة بسياساتها أو قبول سلوكها الإقليمي، تماماً كما أن إشراك إسرائيل لا يعني القبول بالاحتلال أو بالسياسات التي تنتهك حقوق الفلسطينيين. الأمن الجماعي لا يقوم على الثقة المسبقة بين الأطراف، وإنما على قواعد وإجراءات تجعل خرق الالتزامات أكثر كلفة، وتجعل الحوار وإدارة النزاعات أقل كلفة من الحرب.
وهنا تكمن إحدى أهم مزايا الأمن الجماعي مقارنة بمنطق الأحلاف. الحلف يحتاج إلى تحديد خصم، بينما يحتاج الأمن الجماعي إلى تحديد قواعد. الحلف يقول إننا نتعاون لأن هناك طرفاً نواجهه، بينما يقول الأمن الجماعي إننا نتعاون لأن الحرب بيننا جميعاً أصبحت غير مقبولة. الحلف يهدف إلى تعزيز قدرة مجموعة على مواجهة مجموعة أخرى، أما الأمن الجماعي فيهدف إلى تقليل احتمالات الحرب بين الجميع.
وهذا التحول في التفكير ضروري بصورة خاصة في الشرق الأوسط، حيث لم يعد ممكناً الفصل بين الصراعات المختلفة. فالحرب في غزة تتداخل مع التوتر الإسرائيلي ـ الإيراني، والأخير يتداخل مع أمن الخليج، وأمن الخليج يتداخل مع أمن هرمز والطاقة، بينما يرتبط أمن البحر الأحمر وباب المندب بالحرب في اليمن وبالتجارة العالمية. وهكذا أصبحت أزمات المنطقة أشبه بسلسلة واحدة؛ أي انفجار في حلقة منها يمكن أن يمتد سريعاً إلى الحلقات الأخرى.
ومن الخطأ، في ظل هذا التشابك، التعامل مع كل أزمة من خلال تحالف عسكري منفصل. فهذه السياسة قد تعطي نتائج تكتيكية، لكنها لا تنتج حلاً استراتيجياً. تستطيع قوة دولية أو تحالف معين أن يحمي سفناً في البحر الأحمر لفترة، أو يردع هجوماً في الخليج، أو يعزز دفاعات دولة معينة، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق بيئة سياسية تجعل الهجمات أقل احتمالاً. الردع يمكن أن يمنع بعض أشكال التصعيد، لكنه لا يعالج الأسباب التي تدفع الدول والجماعات إلى استخدام القوة.
لذلك تحتاج المنطقة إلى مسار سياسي جديد للأمن الإقليمي، وربما يكون من المفيد التفكير في عملية شبيهة، من حيث المبدأ لا من حيث التفاصيل، بمسار هلسنكي الذي ساعد أوروبا في مرحلة الحرب الباردة على بناء قواعد للحوار وتخفيف مخاطر الصدام. ويمكن أن تبدأ العملية الشرق أوسطية بمؤتمر إقليمي تشارك فيه القوى العربية الرئيسية وإيران وتركيا وإسرائيل، إلى جانب دعم دولي، على أن يناقش بصورة متوازية قضايا الأمن العسكري، والممرات البحرية، والصواريخ والطائرات المسيرة، ومنع الانتشار النووي، والتدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول، وآليات تسوية النزاعات.
الحلف يهدف إلى تعزيز قدرة مجموعة على مواجهة مجموعة أخرى، أما الأمن الجماعي فيهدف إلى تقليل احتمالات الحرب بين الجميع
ولن يكون مطلوباً من هذه العملية أن تحقق اتفاقاً شاملاً منذ البداية. يكفي أن تبدأ بإجراءات بناء الثقة. إنشاء قنوات اتصال عسكرية مباشرة، الاتفاق على قواعد لتجنب الاشتباك، تبادل المعلومات بشأن بعض التحركات العسكرية، ضمان أمن الممرات البحرية، والامتناع عن استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية. وبعد ذلك يمكن الانتقال تدريجياً إلى قضايا أكثر صعوبة.
ومن المهم هنا أن تلعب مصر دوراً رئيسياً. فمصر تمتلك ما يؤهلها للمساهمة في بناء مثل هذا الإطار: موقعها عند ملتقى الخليج والبحر الأحمر والمتوسط، ودورها التاريخي في النظام العربي، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وروسيا والصين، وصلاتها بدول الخليج وإيران وتركيا، فضلاً عن إدراكها المباشر لأهمية أمن البحر الأحمر وقناة السويس. ويمكن لمصر، بالتعاون مع السعودية وقطر والأردن والإمارات وغيرها، أن تدفع باتجاه عملية أمن إقليمي لا تقوم على استقطاب طرف ضد آخر.
والمسألة في جوهرها تتجاوز الحرب الحالية. فحتى إذا توقفت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية، أو جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فإن جذور الأزمة الأمنية ستظل قائمة ما لم يتغير النظام الذي أنتجها. ستظل إيران قلقة على أمنها، وستظل إسرائيل تبحث عن التفوق والردع، وستظل دول الخليج قلقة من الصواريخ والطائرات المسيرة ومن النفوذ الإيراني، وستظل الولايات المتحدة لاعباً عسكرياً رئيسياً، وستظل الممرات البحرية عرضة للتوظيف السياسي والعسكري. وبالتالي فإن انتهاء حرب واحدة لا يعني انتهاء الأزمة الأمنية.
ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب. المطلوب استخدام اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة بناء مفهوم الأمن في الشرق الأوسط. فالحروب، مهما بلغت كلفتها، تفرض أحياناً على الدول إعادة النظر في الافتراضات التي حكمت سياساتها. وأحد أهم هذه الافتراضات هو الاعتقاد بأن زيادة التحالفات والقوة العسكرية يمكن أن تنتج وحدها الأمن والاستقرار.
لقد أثبتت التجربة أن الأمن الذي يقوم على استبعاد طرف لا يمكن أن يكون دائماً، وأن الردع الذي لا يصاحبه حوار يمكن أن يتحول إلى سباق تسلح، وأن التحالف الذي يقوم على مواجهة خصم قد يصبح جزءاً من الصراع بدلاً من أن يكون وسيلة للخروج منه. أما الأمن الجماعي، فعلى الرغم من صعوبته، فإنه يضع المنطقة أمام خيار أكثر عقلانية: أن يصبح أمن الخليج مسؤولية خليجية وإقليمية ودولية مشتركة، وأن يصبح أمن هرمز وباب المندب والبحر الأحمر مصلحة جماعية، وأن تصبح معالجة الصراعات من خلال التفاوض قاعدة لا استثناء.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حلف جديد يضاف إلى أحلافه الكثيرة. إنه يحتاج إلى نظام جديد يخرج به من منطق الأحلاف أصلاً. وهذا لن يتحقق في يوم واحد، ولن يلغي الخلافات التاريخية أو المصالح المتعارضة، لكنه قد يضع لها حدوداً وقواعد تمنع تحولها إلى حروب. وفي منطقة دفعت ثمناً باهظاً نتيجة غياب مثل هذه القواعد، يصبح الأمن الجماعي ليس خياراً مثالياً فحسب، وإنما ربما يكون الخيار الواقعي الوحيد القادر على كسر الحلقة المفرغة التي تربط كل حرب بحرب أخرى، وكل تحالف بتحالف مضاد، وكل أزمة بأزمة جديدة.
٭ كاتب مصري