خصص الأديب الراحل محمد شاهين (1938- 2025) في كتابه «الأدب والأسطورة» (1996) الفصل الثاني لدراسة رائدة في شعر محمود درويش، وتوظيفه للأسطورة. شأنه في ذلك شأن شعراء آخرين كعزرا باوند، وت. س. إليوت. وفي مقدمة الكتاب يشير مرارا إلى ما يتناساه كثيرون، وهو ما في الأسطورة من معنى مرجأ. صحيح أنها إذا أخِذَ بالحسبان ارتباطها بزمن معين مضى، ذات مدلول رمزي محدد، ومعيَّن، لكنها مع تكرار الاستعمال، وتراكم التوظيف، تغدو هذه الأسطورة كالنص الذي يوصف بتعَدُّد الدلالات، واختلاف المعاني، أي أن الأسطورة ليست ذات وجهين فحسب، على رأي درويش «للحقيقة وجهان»، وإنما هي حمّالة أوجه، لا وجهين.
والشيء اللافت للنظر أن محمد شاهين، وهو يهمّ بدراسة قصيدة «فرس للغريب» لدرويش، ينبه على شيء آخر مهم جدا، فالكثيرون ممن كتبوا، ويكتبون، عن محمود درويش وشعره، ينسون في الغالب الأعمّ، والأرجح، أنه شاعر، فيكثرون من الإشادة به، وبموقفه النضالي، والسياسي، ومقاومته للاحتلال، وتبنّيه الذَوْدَ عن شعبه الفلسطيني، وحريته في استعادة كيانه الوطني على أرضه المحرَّرة من النهر إلى البحر، فيجعلون منه بهذه المبالغات رجلا كغيره من المناضلين الذين لا ننكر أنهم مناضلون، وينسون أنه شاعر قبل أن يكون كهؤلاء مناضلا صُلبا عنيدا. ويؤكد شاهين أن الإنصاف يدعونا للتركيز على الشاعر في درويش، لا على السياسي. ففي هذا التركيز نسمو بمواقفه النضالية، والسياسية، إلى مراتب تخدم قضيتنا، وقضية الشعر معا، خدمة جُلى، خلافا للتركيز على ذلك الجانب الذي يتساوى فيه المناضلون من الناس طرّا أو يتفاوتون.
ومن عادة شاهين ألا يستبعد من مقالاته، ودراساته النقدية، الشؤون الشخصية التي تصله بالشاعر، أو الكاتب، الذي يكتب عنه، وعن أعماله، بعضها أو كلها، مما يخلق انطباعا خاطئا لدى بعض الدارسين، فيظنون واهمين أن هذه الحميمية تفسد النزاهة النقدية، وتنأى بالناقد عن الجهد الاحترافي الخالي من أيّ أثر شخصي. نجد هذا فيما كتبه عن الطيب صالح مثلا، وعن جبرا، وعن إميل حبيبي، وعن محمود درويش، فهو يشير لموقفه من إلقاء درويش لبعض أشعاره على جمهور من طلبة الجامعة في عام 1979 ويكثر من الثناء على طريقة درويش الجيدة جدا في إلقاء شعره، مشبّها هذا الإلقاء بالخطابة التي لها شروط عند الجاحظ (255هـ) متوافرة لدى درويش.
ومن هذا المنطلق نجد الناقد شاهين لا يفرق بين الخطابةِ، والشِعْر، مؤكدا أن الذين ينعتون الشعر بالخطابة بصفتها ذما، واهمون. إذ ثمة فرق بين الخطاب Discourse، والخطابةRhetoric . وقد كان كل من باوند، وإليوت، وأودن، ولاركن، خطباءَ في إلقائهم، ولهم أكبرُ الأثر في الجمهور. وما يقوله صاحب «الأدب والأسطورة»، في رأينا من باب الاستطراد، ولو شاء أن يواصل هذا لذكر لنا أن الشاعر سميح القاسم هو الآخر يتقن الخطابة في شعره، وأن الشاعر وليد سيف هو الآخر يتقن الخطابة في شعره. وثمة شعراء آخرون يتقمصون أداء الخطيب في إلقاء شعرهم، ومن هؤلاء الراحل ممدوح عدوان، والتونسي منصف المزغني. ولهذا أرى في استطرادِهِ هذا تزكية لدرويش، ولغيره، من الشعراء، على إلقائهم، مع أن الدراسة تتناول تأثير الأسطورة في النص، شكلا، ودلالة، ولا تتناول الإلقاء.
وفي رأي شاهين لا يكتفي محمود درويش بتوظيف الأسطورة في شعره، فهي تتجسَّد في ذهنه وفكره بوصفها وعيا، أي أنها إحساس أو شعور تتجمّع فيها المتناقضات وتمتزج، ولا تفارقه، إلا وقد اكتسبت إيقاعا جديدا، في مضمونه ومحتواه، ولعل هذا ما عناه في:
أيولدُ هومير مِنْ بعْدِنا
والأساطيرُ تفتحُ أبوابَها منْ جديد؟
علاوة على هذا لا يفتأ الناقد شاهين يشير لبعض الشعراء الغربيين أثناء الحديث عمّن يتناول قصيدته، أو روايتهُ، ولا يدري القارئ ـ في الواقع ـ إن كانت الإشارات المتكرّرة في هذا الفصل لكل من باوند Pound، أو وليم بتلر ييتس Yeats، أو إليوت Eliot، مما يعزِّز رأيه في قصيدة «فرسٌ للغريب»، وما فيها من الوعي الأسطوري، أم هي إشارات تنم عن شهوة المؤلف للمقارنة، وإن لم يكن السياقُ يتطلب ذلك. فهو، مثلا يحدّثنا في صفحات عن عبقرية ييتس، وأنها تفجَّرت لديه في سنّ الشيخوخة، لا الشباب. إلا أنَّ درويشا تفجَّرت عبقريته في سن العشرين حين كتب قصيدته التي يعُدها صلاح فضل شِهادةَ ميلادٍ لشاعرٍ كبير:
سجّلْ أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألفْ
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسِعُهم سيأتي بعد صيفْ
فهل تغضب؟
وثمة وجه اختلاف آخر بين ييتس ودرويش، وهو ترفُّع هذا الأخير عن المشاعر السلبية كالحقد، والكره، فيما كان ييتس يرى في الكراهية رمزا يتشتَّتُ في أفكارهِ، وآثاره. ويبتعد الناقد كثيرا عن موضوع الفصل الذي يعتزم أن يحدثنا فيه عن «فرس للغريب»، إذ انتقل بعد أن عقد هذه المقارنة بين محمود درويش وييتس، لأخرى بينه وبين شاعر عراقي لا يمقُت الكراهية، بل يمجِّدها بدليلِ قوله:
سنصنع من جماجمهم
منافِضَ للسجائر
وبحَذر، وسرعة خاطفة، يتناول الناقد «فرس للغريب». مبتدئا بالعنوان نافيا عن الفرس أن تكون مطية، وهنا تتجلى جدلية الظاهر، والخفي، من وجوه الحقيقة؛ فالوجهان؛ أحدهما خارجي، وهو الشكل الذي هي عليه، والآخر خفيٌ داخليٌ، وهو نسيج من العلاقات بين ما جرى في الماضي وما يجري الآن. فاللقطات الذكية في القصيدة تتوالى في تماثل تارة، وتارة في تنافر، معبرة في نهاية الأمر عن الوضع المأساوي. فما الذي يُذكـِـّرُ المتكلم في قصيدة درويش بالرصافة، وما الذي يذكره بالقمر الذي في الكرْخ ببَغْداد، لا شيء غير هذه النظرة الكونية التي تؤمن بأن للحقيقة وجهين بل وجوها.. بعضها ظاهر للعيان، وبعضها خفيٌ مستترٌ في الأذهان.
وتنتهي القصيدة، على الرغم من أنها تبدأ بالحنين، على عادة محمود درويش في معظم شِعره، بما يشبه قفلة الموشح الأندلسي، أو خَرْجتَهُ بالمصطلح القديم. وهذا ما يشجّع شاهين على التذكير بقصيدة جيرونشن Geronsion لإليوت. وها هنا يستطرد – كعادته – فيتحدَّث بغير قليل من التفصيل عن Geron الذي عاد من حروبه في طرواده. وجيرونشن هو الرجل الأوروبي الذي يبدو عليه الإنهاكُ، والتعبُ، ولم يشارك في الحرب العالمية، وتبعا لذلك يمثل نموذجا مهزوما. ولا نعرف كيف انتقل شاهين من هذه المتقابلات إلى حجر الشمس في نينوى، وجلجامش، ونيروز بابل، وأساطير النبات والشمس. مما يعيد لذاكرتنا قصيدة إليوت المشهورة « أغنية العاشق الفرد بروفروك « والإحساس بالنفي الذي نجدُهُ عند محمود درويش.
والملاحظ أن قراءة شاهين النقدية لقصيدة درويش، يُعدُّ بمعنى ما خروجا على النص أو توطئة له وتمهيدا. ولا يخفي الناقدُ حبه وإعجابه بدرويش، وبشعره. بدليل أنَّ علاقة الفرَسِ بالفارس تمثل لديه صلة عريقة يفخر بها كل من كانت لديه مُسْكةٌ من نبل، ونخْوة. وعنوان القصيدة يَسْتبعد أن تكون الفرس مطية لراكب، وإنما هي سلاح والدليل على ذلك ربط الشاعر بينها وبين امرئ القيس، وسعيهِ الموصول لاستعادة ملك أبيه ابن حجر، في ما يمكن أن يكون رمزا لاستعادة الحق العربي في فلسطين:
لا بدّ من فرسٍ للغريب ليتبَعَ قيصر
أو ليرجع من لسعة الناي
لا بدّ من فَرَس للغريب
ويشير الناقدُ لما ورد عن التتار: تتار العصر القديم، وتتار هذه الأيام الذين هجموا على العراق منكرين ما يمثله من حضارة سومر، وأكد، وبابل، وبلاد ما بين النهرين:
وللقمر البابلي
على شجر الليل مملكة لم تعُدْ
لنا منذ عاد التتارُ على خيلنا
والتتارُ الجدُد،
يجرّون أسماءَنا خلفَهم في شعابِ الجبال
وينسونَنا
وينسونَ فينا نخيلا ونهْرين،
ينسون فينا العراق.
وينتهي صاحب «الأدب والأسطورة» إلى تقرير حقيقة، أو ما يشبه الحقيقة التي لا تسر كثيرين ممن يأخذون على درويش المآخذ، ويُعَدِّدونَ عليه، وعلى شعره، المثالب، لا المناقب. فهو» أسطورة شعبه، وأمته، مجسِّما بإخلاص، وبشجاعة، روحَها، ولم يكن ظهوره صدفة، بل هو امتدادٌ تركيبيٌ وشعوريٌ لهذا الشعب بأكمله» وهو بعبارة رايموند وليامز Williams صانع المبنى الشعوريِّ الذي يقال له: محمود درويش. فهو شاعرٌ تتكامل لديه الصورةُ في نظرة تتسم بالشمول، والتجاوز، يجتمع فيها المحسوسُ، والمجرّد، الواقع والمتخل، الماضي والحاضر، والمستقبل، إلى آخر هاتيك المتوازيات. وهذا ما عبّرَتْ عنه نهاية القصيدة التي تتضمن في العادة مرامي القول، ومغزى النظم:
سأولدُ منكَ وتولدُ مني
رويدا رويدا
سأخلعُ عنكَ أصابعَ موْتايَ
أزرارَ قمصانهم
وبطاقاتِ ميلادِهم
وهو بهذه القفْلة – إذا جاز التعبير – يتوّج رؤيته بصورة مؤثرة لأسطورة الانبعاث، مكررا صياغة البداية في قصيدة إليوت « الأرض اليباب».
كاتب أردني