ربما لم يكن هناك ما يُسمى بحق الأداء العلني للعاملين في مهنة التمثيل قبل تفاقم أزمات المُمثلين المادية والاجتماعية في مصر، حيث برزت في الفترة الأخيرة بعض الحالات الإنسانية التي استدعت النظر بعين الاعتبار لظروف نجوم الفن القدامى، بعد تقدمهم في السن وعدم قدرتهم على العمل وفقدان الفرص.
وبتأثير الإلحاح الإعلامي وتعدد الحالات الإنسانية الحرجة، تم إدراج العاملين في مهنة التمثيل ضمن الفئات المُستحقة للأداء العلني مساواة بالملحنين والمؤلفين في نقابة الموسيقيين، الذين اقتصرت عليهم هذه الميزة دون غيرهم لسنوات طويلة.
وقد رحب الوسط الفني بالقرار، الذي يُعطي الحق للعاملين في مجال السينما والمسرح والتلفزيون في المُطالبة بنسبة من عائد الربح الذي تحققه الأعمال الفنية عند تسويقها في الفضائيات والمنصات الإلكترونية، وأوصى أشرف زكي نقيب المُمثلين، بأهمية إثبات ذلك في العقود الجديدة التي يتم توقيعها بين المُمثلين والفنيين وشركات الإنتاج، تجنبا لنشوب خلافات مُستقبلية حول هذا الاستحقاق، ولإعطائه الصيغة القانونية اللازمة التي تضمن الحقوق كافة، للمُشاركين في صناعة الفيلم السينمائي، أو المسلسل التلفزيوني، أو العمل المسرحي.
ولكن مع أول اختبار حقيقي لإمكانية تحويل القرار إلى واقع ملموس، بدأت الخلافات على أشدها بين المُنتجين، باعتبارهم أصحاب الكيانات الإنتاجية المُلزمة بسداد الحقوق العلنية لأصحابها، وبين المُستفيدين من تطبيق القرار، حيث رأى بعض المُنتجين غلواً في هذه المسألة، لأن هناك من لا يلتزم ببنود الاتفاق المالي المُتفق عليها نظير حق الاستغلال، سواء الفضائيات أو المنصات الإلكترونية، ما يُعرض المُنتج لأزمات مالية تحول دون استمرار عملية الإنتاج، بالإضافة لعبء سداد حق الأداء العلني الذي تزيد تكاليفه عن الطاقة المُحتملة.
أما الغالبية العُظمى من الفنانين والعاملين في مهنة التمثيل فقد دافعوا بالطبع عن مبدأ الاستحقاق المالي، المنصوص عليه في قرار حق الأداء العلني، الذي باركته الحكومة ووافقت علية المؤسسات القانونية والتشريعية، بعد مناقشته وإقراره في مجلس الشيوخ عندما تقدم به الفنان ياسر جلال عضو المجلس، وقام بتفعيلة والاعتراف به على الفور نقيب المُمثلين أشرف زكي، استناداً لقانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 واتفاقية برن الدولية.
الغريب في القضية هو ذلك الجدل الذي أثير خلال انعقاد الدورة 19 لمهرجان المسرح القومي، إذ بدأت نبرة الخلاف تتصاعد حول كيفية التطبيق في الظروف الإنتاجية المُتعثرة والضاغطة، وبرزت في هذا الخصوص تصريحات المُنتج محمد السُبكي المُتحفظة على فكرة استعجال التطبيق، بينما تمر حركة الإنتاج ذاتها بأزمة كبرى لا يُحيط بتفاصيلها سوى العاملين في الحقل الإنتاجي الذي تتضاعف مشكلاته وأزماته وأعباؤه يوماً بعد يوم.
ومن جانبها طالبت الفنانة والمُنتجة إسعاد يونس بالتريث قليلاً في تطبيق قرار حق الأداء العلني، لحين مرور الأزمة الإنتاجية، مُعربة عن عدم رفضها لبنوده ومحتواه، وتعاطفها الكامل مع المُستفيدين منه.
كما أوضحت الفنانة شهيرة المُكرمة هذا العام من المهرجان القومي للمسرح، الذي يترأسه زوج ابنتها محمد رياض، أن سداد حق الأداء العلني للفنانين أمر مهم للغاية، خاصة بالنسبة لغالبية المُمثلين الذين لا يتساوون مع كبار النجوم في الأجور الضخمة، التي تبلغ ملايين الجنيهات، في إلماح إلى الهوة التي تفصل بين فئة وفئة أخرى في الوسط ذاته والمهنة نفسها. ومن جانبه دافع يحيى الفخراني عن حق المُمثلين والعاملين والفنيين في الحصول على قيمة الأداء العلني المُستحقة لكل منهم، مُعتبراً ذلك تعويضاً مُناسباً لهم عن سنوات العمل والإبداع وحصانة ضرورية من العوز والفقر والمرض والوحدة، وقد وافقته وفاء عامر في وجهة النظر هذه، دفاعاً عن حق المُمثل والمخرج والكاتب والفني، وكل من له صلة بالمهنة الإبداعية التي تُشكل الوعي الجماهيري وتحافظ على الذائقة الفنية.
على صعيد آخر انتقدت بعض صفحات السوشيال ميديا الدورة التاسعة عشرة لمهرجان المسرح القومي، ووصفت ما حدث من مشكلات وخلافات وخلل في عملية التنظيم ونفاد التذاكر، وإغلاق منافذ الحجز الإلكتروني بعد فتحها بوقت قصير، بأنه نوع من الفوضى وعدم قُدرة رئيس المهرجان على التحكم في خُطة سير العمل بالشكل الحازم، ما أدى إلى زيادة المعوقات والعراقيل وفتح الباب لمناقشة قضايا وموضوعات خارج سياقها الطبيعي وفي غير موعدها.
وقد رد رئيس المهرجان محمد رياض على الانتقادات الموجهة له، بأن هناك ظروفا حتمية اضطرته لغلق نوافذ حجز التذاكر نتيجة لضيق بعض القاعات وعدم إمكانية استيعاب الأعداد الكبيرة من الجمهور، وعن مسألة التنظيم أكد رياض، أن كل شيء تم بالتنسيق مع فريق العمل والجهات المعنية، وأن ما تم طرحة للمناقشة خلال الندوات وثيق الصلة بقضايا الفنانين ومصالحهم ومستقبل الحركة المسرحية وتطورها واتصالها بالإبداع العربي المُماثل في الدول الشقيقة والدول المُنافسة، داخل المحيط الإقليمي والدولي.
ورغم التصريحات ومحاولة التوضيح، لا تزال المعركة الكلامية دائرة والاتهام بالتقصير مستمراً، بيد أن القضية الرئيسية الطافية على السطح هي قضية حق الأداء العلني وكيفية الحصول على حقوق الشريحة الأكبر من العاملين في السينما والمسرح والتلفزيون في ظل اعتراض المُنتجين المنوط بهم دفع المُستحقات.. المسألة إذن تحتاج إلى الإلزام القانوني وتشديد التوصية على المضطلعين بتنفيذ القرار لمُراعاة حق المُبدعين.
كاتب مصري