ماذا يتوقع المرء عندما يذهب إلى موسيقى ألفها نيتشه؟ لا شك أنه يتوقع سماع موسيقى جبارة كعقل صاحبها، حيث تتصارع الأنغام المنضبطة شديدة الدقة، وتتصادم وتتغير وتتبدل في درامية لا تنتهي. ويتوقع كذلك سماع الألحان السامية التي تمثل الإنسان الأعلى وقوة الإرادة وعشق القدر، والإيقاعات الهادرة المتمردة التي تمقت الضعف والاستكانة وتمجد القسوة. وينتظر تجسد الروح الديونيسية التي تعيد تشكيل العالم وتكسر أغلال الوجود، فهي موسيقى نابعة من أعمال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي يعد من أقوى وأهم الفلاسفة في تاريخ الفكر الإنساني، لكن هل هذا ما يجده السامع حقاً عندما يصغي إلى مؤلفاته؟
تتسع علاقة نيتشه بالموسيقى وتتشعب جوانبها، من الكتابة عنها إلى تأليفها إلى تمجيدها بدرجة ربما تفوق أي فيلسوف آخر، فكان يرى أن الحياة من غير موسيقى لن تكون سوى غلطة. تحظى كتاباته عن الموسيقى بشهرة واسعة كغيرها من كتاباته بشكل عام، ونجد أنه كان يتطلع عالياً إلى الموسيقى وينزلها منزلة رفيعة للغاية، يتواضع أمامها وهو يرفض التواضع، يسلم إليها العاطفة وهو يفخر بقلب قاس وضع في صدره، يتوق إليها كحب بعيد لن يناله كلياً. ارتضى وهو الفيلسوف العظيم أن يقف على هامش الموسيقى، وأن تسمع موسيقاه وتعرض وتفحص على ما فيها من وهن، وأن يتلقى النقد اللاذع والسخرية أحياناً، وأن يتركها تخوض معركة البقاء والفناء وفق قانون الانتخاب، حيث يجب أن يباد الضعيف ويفني كما كان يرى ويحبذ. بالطبع نجت موسيقى نيتشه وفازت بالبقاء، وقد أنقذها اسم صاحبها بلا شك، لكنها توارت خلف إنتاجه الفكري والفلسفي الهائل، ولا يمكن القول إنها انضمت إلى ريبرتوار الموسيقى الكلاسيكية، أو إنه يتم برمجتها بانتظام ضمن العروض الأوركسترالية الكبرى، أو حتى إنها تحظى بسماع كبير وجماهيرية ما. بلا شك سيلعب الفضول دوره عندما يعلم المرء أن هناك موسيقى من تأليف نيتشه شخصياً، وسيذهب ليكتشف مقطوعة أو مقطوعتين، لكن هل سيقع في غرام تلك الموسيقى؟ وهل سيعود إليها مرات ومرات؟
في أرض الموسيقى والفلسفة
بدأت علاقة نيتشه بالموسيقى في عهد الطفولة والصبا، واستمرت طوال حياته تقريباً إلى أن جاءت سنوات المرض والانهيار العقلي التام. وقد أخذ يؤلف مقطوعاته منذ أن كان طالباً في مدرسة بفورتا الداخلية المرموقة، التي تقع بالقرب من مدينة ناومبورغ، حيث كانت تقيم عائلته في ذلك الوقت، هناك كان ينظم الشعر أيضاً، وأخذت تعتمل في نفسه بدايات تشككه الفكري والديني. ألف على مدى حياته ما يزيد على سبعين مؤلفاً موسيقياً، ما بين المقطوعات الموسيقية البحتة سواء للبيانو أو للبيانو والكمان، وملحنات للصوت الفردي والبيانو، وأعمال للكورال والأوركسترا، حيث لحن مجموعة من القصائد التي نظمها هو بنفسه ولغيره من الشعراء أيضاً.
كم قدمت ألمانيا للبشرية من موسيقى وفلسفة، فسوف يتوجه المرء حتماً بقدر كبير نحو ذلك البلد إذا أراد البحث عن أي من هذين المجالين، وداخل الألماني نيتشه اجتمعت الموسيقى والفلسفة، إلى جانب مواهبه الأخرى ومباحثه الفكرية ودراساته المتعددة سواء في فقه اللغة أو غيره من العلوم. حسمت المنافسة لصالح الفلسفة بطبيعة الحال، لكن الموسيقى ظلت طيفاً يراود نيتشه يتشبث به ويتعلق بأهدابه، وكان هناك دائماً ما يتطلب التعبير عنه موسيقياً، يكتب ويدون بحروف الموسيقى، ويجلس إلى البيانو يبثه أفكاره ومشاعره وإلهامه. يمكن اعتبار ما تركه نيتشه من مؤلفات موسيقية مدخلاً مختلفاً ومدهشاً، للتعرف على جانب خاص من جوانب نفس وفكر هذا الفيلسوف العظيم، فإنه يعبر بالموسيقى عن ما لم يستطع أن يعبر عنه بالكلمات. ظل نيتشه محتفظاً بعلاقته العاطفية مع الموسيقى، التي كانت شغفاً مبكراً وموهبة كامنة ووسيلة تعبير شخصية يبدو أنه كان حريصاً عليها، لكن الموسيقى لم تتحول إلى مهنة احترافية، ولم يستطع نيتشه أن يضع اسمه في قائمة عظماء الموسيقيين الألمان، بل إن مؤلفاته الموسيقية قوبلت بالسخرية والاستخفاف أثناء حياته، فيقال إن فاغنر سخر من مقطوعة موسيقية للبيانو، أهداها نيتشه إلى كوزيما زوجة فاغنر في عيد ميلادها، وإن المايسترو وعازف البيانو الألماني هانز فون بولو، وصف إحدى مقطوعاته الأخرى بأنها تخلو تماماً من المتعة، بل إنها ضد الموسيقى.
من يستمع إلى موسيقى نيتشه للمرة الأولى، ربما يفاجأ بأن تلك الموسيقى التي ألفها الفيلسوف الأشد شراسة، لا تضرب بالمطرقة على أذنيه، فإنها موسيقى تحمل في جوهرها رقة ورومانسية شفيفة، ووداعة لحنية قد تبدو حائرة، أو مستسلمة لشجن كلاسيكي هادئ. فمن يقبل على سماع ألحانه مستحضراً أفكاره وكتاباته ومقولاته السائدة، يجد نفسه في أجواء مختلفة مغايرة بشكل كبير، أنغام بيانو خافتة، وألحان تلتمس الهارموني بحذر وحياء، فالأصابع التي كانت تمسك بالقلم بقوة لتخط فلسفة جريئة تربك وتحطم المفاهيم القائمة، كانت هي التي ترتجف على مفاتيح البيانو، وشتان بين جموح الفكرة الفلسفية وهدوء النغمة الموسيقية.
هاجس فاغنر
كانت الموسيقى حاضرة بقوة في فلسفة نيتشه منذ كتابه الأول نشأة المأساة من روح الموسيقى أو مولد التراجيديا، ولم تكن بالنسبة إليه مجرد مفهوم فني أو نشاط جمالي، وإنما كانت معنى وجودياً وعقيدة حياة، واتصالاً حسياً مباشراً بالعالم. وكان يرى أن الروح الديونيسية التي يجب أن تجسدها الموسيقى، هي الصوت الحر للإرادة الإنسانية، والتعبير عن الجوهر الباطني للعالم. وأن اندماج تلك الروح مع الروح الأبولونية التي تجسدها فنون الشعر والدراما، هي الشكل والنظام والحدود الظاهرة، وأن أعظم مراحل الفن كانت عندما توحدت الموسيقى مع الشعر في المآسي الإغريقية.
من البديهي أن يذكر اسم فاغنر عندما نتحدث عن علاقة نيتشه بالموسيقى، فقد التقى نيتشه بفاغنر منذ أن كان فيلسوفاً شاباً واعداً، مسكوناً بموهبة موسيقية وشغف جارف للموسيقى، وجمعته صداقة بالموسيقار الألماني الذي كان يكبره بثلاثين عاماً تقريباً، كان الفيلسوف الشاب يتطلع إلى الموسيقار العظيم كمثل أسمى، وكان الاقتراب منه حلماً كبيراً وغاية الغايات. لم يكن ريتشارد فاغنر موسيقياً وحسب، بل كان شاعراً وكاتب دراما ومسرحياً وصاحب فلسفة أيضاً تتجلى في أعماله، وكان نيتشه يتبتل في محرابه بإخلاص شديد، ويرى فيه أمل إحياء الثقافة الأوروبية الغارقة في الجمود، وانطلق قلمه يمجد موسيقى فاغنر باعتبارها التجسيد الديونيسي الذي سيبث روح المأساة الإغريقية في قلب الأمة الألمانية. رفع نيتشه موسيقاره ومثله الأعلى إلى عنان السماء، ثم قال في النهاية إن فاغنر أصاب الموسيقى بمرض لا شفاء منه.
يظهر أن هناك تطرفا لدى نيتشه، سواء في مشاعر الحب أو الكراهية تجاه فاغنر، ويقال إن نيتشه كان يحب كوزيما زوجة فاغنر وابنة الموسيقار فرانز ليست، أو يكن لها إعجاباً شديداً على الأقل، وإن أسباب القطيعة بينهما وانقلاب نيتشه الحاد عليه، لا يخلو من الأمور العاطفية ومسائل القلوب. أما إذا نظرنا في ما يجمع بين نيتشه وفاغنر غير الموسيقى والصداقة، نجد أنهما كانا ملهمين لهتلر والنازية بشكل أو بآخر، ولا يخفى ما تنطوي عليه موسيقى فاغنر وأفكاره من معاداة للسامية، وتصويره للشخصية اليهودية بشكل سيئ في أعماله، خصوصاً أوبرا بارسيفال، وكذلك مقاله «اليهودية في الموسيقى»، الذي يحمل كراهية شديدة ونفورا بالغا. كذلك كانت أفكار نيتشه مرجعاً مهماً للنازية، فهو فيلسوف الإرادة وداعية دين القوة والمبشر بالقسوة التي لا يرضى سواها، أما الرحمة فهي من أخلاق العبيد لا السادة، فالقسوة هي السبيل الوحيد لكي يسمو الإنسان، وهي ما تقويه وتجعله قادراً على مواجهة الأخطار. والسلام أنشودة الضعفاء، أما الحرب فهي سبيل نهضة الأمم. والشفقة على الضعفاء والعاجزين أخطر شيء على المجتمع، إذ تعطل قانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، بل إنه أشار إلى ما تقوم به الطبيعة من إبادة ضعاف المخلوقات وإفناء وجودها، وكان يرى أن الشفقة تحول العالم إلى ملجأ للعاجزين والضعفاء، بالإضافة إلى حربه الشعواء على المسيحية، التي أصابت أوروبا بالضعف حسب رأيه، واليهود عنده هم الذين نشروا أخلاق العبيد من ضعف وجبن وعجز، فجاءت النازية نقية مصفاة تماماً من شوائب الرحمة والشفقة.
مثلت أوبرا بارسيفال نقطة النهاية لعلاقة نيتشه بفاغنر، وحدث الانقلاب الكبير وانطلق القلم الذي كان يكيل أسمى آيات المديح والتبجيل، ينقض ويهجم ويصرخ مردداً: الانحطاط، الانحطاط، الانحطاط. رأى نيتشه في أوبرا بارسيفال خيانة عظمى، وتراجعاً فنياً وفكرياً وأخلاقياً لا يغتفر من وجهة نظره، فقد توجه فاغنر إلى النزعة الخلاصية المسيحية، وبالطبع لم يكن نيتشه ليرضى، إلا إذا حطم فاغنر الصليب. كما رأى في ذلك تخلياً عن الروح الديونيسية وتمسكاً بالعدمية والضعف، وأخذ يفرغ غضبه الهائل في كتابيه «قضية فاغنر» و»نيتشه ضد فاغنر». أعلن نيتشه أن موسيقى فاغنر ليست سوى مرض عصبي، ونوع من أنواع الخداع السمعي الذي يخدر الإرادة ويضعف الجسد والروح، وأخذ يمدح الموسيقى المتوسطية المشمسة التي وجدها في أوبرا «كارمن» لجورج بيزيه، واصفاً إياها بالعلاج الشافي الذي يحث الأقدام على الرقص، بدلاً من الاستغراق في ضبابية فاغنر.
لم يكن نيتشه يعتبر الموسيقى ترفاً جمالياً أو فناً مستقلاً عن الفكر، وإنما كان يرى فيها الامتداد الوجداني للفلسفة، ولعله حاول أن يحقق ذلك المعنى من خلال هذه القطعة، وأن يجعلها مكملاً لفلسفته أو مرادفاً موسيقياً لها.
تجربة السماع
من أجمل ما نسمعه من مؤلفات نيتشه مقطوعة بعنوان «ليلة رأس السنة»، ألفها عام 1863عندما كان في التاسعة عشرة من عمره، وهي مقطوعة للبيانو والكمان يستغرق عزفها 11 دقيقة تقريباً. تقيم المقطوعة حواراً جميلاً بين البيانو والكمان، خصوصاً في القسم الأول، لكنها لا تسير على ذلك النحو الرائع في ما بعد. تحمل الموسيقى نزعة رومانسية واضحة، وربما نزعة دينية خفية، فنغمات البداية تحاكي دقات أجراس الكنيسة، ثم يدخل الكمان بخط ميلودي بديع، سرعان ما يضيع وسط بناء غير متماسك، وأفكار موسيقية مشتتة، وانتقالات غير مبررة تقنياً، كما نجد محاولة غير ناجحة إلى حد ما، عندما حاول خلق بعض التصاعد الدرامي في القسم الأوسط من المقطوعة، فكانت مربكة للسامع إذ تركها معلقة دون حل هارموني ناضج. تعتمد المقطوعة على التعبير الوجداني المباشر، وتكشف عن تأثر نيتشه في شبابه بالرومانسية الألمانية في القرن التاسع عشر، وهي أقرب إلى موسيقى الحجرة. أعاد نيتشه توظيف بعض أفكار هذه المقطوعة في مقطوعة أخرى بعنوان «أصداء ليلة رأس السنة»، حيث رأى أن القطعة الأصلية ربما كانت تفتقر إلى التوزيع الأوركسترالي، وهكذا نجد أنه كان يتشبث بأحلامه الموسيقية.
كما تعد «ترنيمة للحياة» من أهم أعمال نيتشه، وربما ذروة اكتمال تجربته الموسيقية، وهي مقطوعة مؤلفة للكورال والأوركسترا تمتد إلى 6 دقائق تقريباً، ظهر هذا العمل عام 1887، ويمكن القول إنه التعبير الموسيقي والشعري الأقرب إلى وجدانه الفلسفي. القصيدة التي لحنها نيتشه تعود إلى صديقته الكاتبة والمفكرة الروسية لو أندرياس سالومي، وعنوانها الأصلي «إلى الألم»، أحب نيتشه القصيدة كما أحب الشاعرة، سعى للزواج من سالومي لكنها رفضت، فلم يبق له سوى القصيدة، التي لم يكتف بقراءتها، وأخذ يلحنها وهو مؤمن برؤيتها القائمة على قبول كل ما في الحياة من فرح وألم. عمل نيتشه على أكثر من نسخة لهذا العمل، فمن التلحين للصوت المنفرد والبيانو في البداية، إلى الرغبة في تضخيم العمل ومنحه القوة وعناصر الاكتمال الفني التي تؤهله للعزف على المسارح أمام الجمهور، فاستعان بأحد أصدقائه الموسيقيين من أجل التوزيع الأوركسترالي، ويقال إن «ترنيمة للحياة» هي القطعة الوحيدة التي أوصى نيتشه بعزفها ونشرها.
لم يكن نيتشه يعتبر الموسيقى ترفاً جمالياً أو فناً مستقلاً عن الفكر، وإنما كان يرى فيها الامتداد الوجداني للفلسفة، ولعله حاول أن يحقق ذلك المعنى من خلال هذه القطعة، وأن يجعلها مكملاً لفلسفته أو مرادفاً موسيقياً لها. وبالفعل تعبر «ترنيمة للحياة» بشكل أو بآخر عن حب القدر وعشق المصير، وتقبل الحياة قبولاً يصدر عن قوة لا عن ضعف. كان التحول من الصوت المنفرد إلى الكورال قراراً صائباً بلا شك، فالغناء الجماعي منح العمل بعداً إنسانياً أعمق يتجاوز حدود الاعتراف الفردي، أما الموسيقى فتكشف عن استمرار تأثره بالرومانسية الألمانية التي شكلت وعيه الموسيقي منذ الصغر، ولا نجد تعقيداً هارمونياً، أو تلويناً مميزاً يثير الإعجاب، ويجعلنا ننظر إلى هذه القطعة باعتبارها عملاً موسيقياً مهماً. لكننا ننظر إليه كوثيقة فنية تركها فيلسوف عظيم، تخبرنا، أنه لم يتخل عن حلمه في أن يكون مؤلفاً موسيقياً، حتى بعد أن كرس حياته للفلسفة، وحاول أن يجعل من هذه القطعة نقطة تلتقي عندها الموسيقى والفلسفة، من أجل التعبير عن رؤية واحدة تؤمن بأن أعظم انتصار للإنسان لا يكمن في الهروب من الألم، بل في القدرة على الصمود والمواجهة، والإنشاد للحياة بكل ما تحمله من تناقضات.
ألف نيتشه مقطوعة مازوركا للبيانو، وبعض الافتتاحيات والفانتازيا وأكثر من سوناتا، ولحن بعض قصائده الخاصة، كما لحن قصائد لشعراء آخرين مثل بوشكين وغوته. وألف كذلك «تأملات مانفريد» من وحي قصيدة مانفريد لبايرون، وهي مقطوعة للبيانو وتعد من أطول أعماله وأكثرها طموحاً، إذ حاول التعبير عن آلام البطل البايروني المعذب، لكن هذا العمل الطموح جاء مخيباً لآمال السامع والمؤلف على حد سواء. فقد كان هذا العمل من المقطوعات التي جلبت لصاحبه نقداً لاذعاً مريراً من هانز فون بولو، حيث أظهر العمل الهشاشة التقنية عند نيتشه بشكل كبير، أما السامع فيضيع وسط بناء درامي مضطرب، في محاولة بائسة لمحاكاة الصراع النفسي الرهيب للبطل، بالإضافة إلى تشتت الأفكار الموسيقية والانتقالات غير المنطقية، وغياب الربط بين الثيمات، ما جعل العمل أشبه بالشظايا الموسيقية من دون إطار متماسك. ولا مجال للمقارنة بين مانفريد نيتشه ومانفريد تشايكوفسكي، تلك السيمفونية الرائعة التي منحتنا أقوى ترجمة موسيقية لمعاناة البطل البايروني، الذي يشقى وحيداً فوق جبال الألب معذباً بآثامه، وبما جنته يداه، يتمنى النوم ولا ينعم به، وينشد النسيان ولا يطاله، ويسعى إلى الموت ولا يصل إليه بسهولة. هي قصيدة من أهم قصائد بايرون بلا شك، حيث أضاف بايرون إلى الدراما نوعاً جديداً من الأبطال هو البطل البايروني، الذي يختلف عن البطل التراجيدي في بعض الأمور. حول تشايكوفسكي قصيدة بايرون إلى موسيقى مذهلة بفهم عميق لمأساة مانفريد، يجعل من نيتشه متلقياً عادياً وربما أقل من العادي للمأساة نفسها.
ربما تعد موسيقى نيتشه الأكثر احترافية بين محاولات فلاسفة آخرين كجان جاك روسو على سبيل المثال، إلا أنها لا تخلو من ضعف واضح في البناء والهارموني رغم وجود الموهبة، فقد تكون الفكرة الموسيقية رائعة في بدايتها، لكن هذه الفكرة لا يتم تطويرها بشكل جيد، بالإضافة إلى عدم التمكن الكبير من التكنيك، وعدم القدرة على خلق الأثر الذي لا ينسى في نفس السامع، فهي حلم لم يتحقق كما ينبغي في ظل عبقريته الفلسفية.
كاتبة مصرية