هل السياسة «فن تحقيق الممكن»، أم «فن رفض كل ما هو ممكن»؟
بهذا السؤال المهم، يمكن تسليط الضوء على الصراع الأمريكي الإسرائيلي من جهة، والإيراني من جهة أخرى حول الملابسات والالتباسات بصدقية التصريحات من عدمها، ذلك أن منطقة الشرق الأوسط تراقب وتتابع التصريحات والأحداث بأعصاب مشدودة، لأن تداعيات الأزمة تؤثر كثيراً بالأمن والاقتصاد لكل دولة على حدة.
يخيل للمرء من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن المسألة قاب قوسين أو أدنى لجهة نهاية الحرب والاتفاق السريع متجاهلاً أكثر من خمسة أشهر فيها الحروب المتقطعة والهدن ومذكرة الاتفاق، حتى المفاوضات التي تجريها إيران مع سلطنة عُمان هي في حقيقة الأمر مع واشنطن ولكن بشكل غير مباشر، وطهران تعلم ذلك وتحاول الهروب إلى الأمام، وتصر على أنها ماضية قدماً بالمفاوضات، وكأن سلطنة عمان هي من تصارعها عسكريًا وسياسيًا وتنافسها في السيطرة على مضيق هرمز، وهذه الكذبة المكشوفة والمفضوحة.
عملية تدوير الأزمة وتبادل الأولويات، عقدّ المشهد السياسي. كان الحديث عن المشروع النووي الإيراني وخطورته على المنطقة وإسرائيل بما فيها المصالح الأمريكية، حتى اللحظة المضائق والممرات تتصدر المشهد وتدور حولها المفاوضات، ففي كل مرة يصرح ترامب بأن المضيق سيفتح قريباً، بينما تُصعّد طهران متجاهلة كل تغريداته على موقع «تروث سوشيال»، وبالتالي يغير من اللهجة بالتهديد والوعيد، ويقفز بالقول الإيرانيون هم من اتصلوا وقالوا نريد اتفاقا بشكل سريع، ويمكن حساب مراّت التراجع الذي قام بها لأكثر من عشر مرات في أقل من شهر. هل هذا كذب أم فن تحقيق الممكن بوسائل أخرى؟
تكذب إيران عندما تقول إنها توجه صواريخها ومسيرّاتها نحو القواعد الأمريكية المتواجدة في الدول الخليجية والأردن، حيث تبين أن المناطق التي أصابتها الصواريخ والمسيرّات مناطق مدنية ومنشآت خدمية لا علاقة لها بالقواعد العسكرية الأمريكية، وبالتالي إذا كانت هذه الصواريخ والمسيرّات دقيقة حسب زعمها، لماذا لا توجه هذه الصواريخ والمسيرّات نحو القواعد الأمريكية المتواجدة في تركيا ( قاعدة إنجرليك ) والقاعدة المتقدمة في الشرق الأوسط ( إسرائيل) ناهيك عن الغواصات والبوارج والكاسحات المتواجدة في قاع المحيط الهندي وبحر عمان وبحر العرب ومواقع قريبة في دول مجاورة ؟
كان الحديث عن المشروع النووي الإيراني وخطورته على المنطقة وإسرائيل بما فيها المصالح الأمريكية، حتى اللحظة المضائق والممرات تتصدر المشهد
تستفز طهران بتصريحاتها الدول العربية والتي لها علاقات قوية مثل قطر وعُمان، وحتى المملكة العربية السعودية التي وقعت معها معاهدة تاريخية بوساطة الصين وعودة المياه لمجاريها لم تسلم منها أيضاً، مع كل تهديد أمريكي تقول بأن المصالح الأمريكية في الدول العربية الهدف الأول.. أذكر أن هناك مثلا عربيا يقول: إذا أطعمت شبّع، وإذا ضربت أوجع. أعتقد إلى هذه اللحظة إيران لم توجه ضربة موجعة إلى الولايات المتحدة ولا الكيان الصهيوني.
سياسة الكذب والقفز فوق الحقائق، تعزز مفهوم الفوضى وعدم التخطيط والتنظيم، وبالتالي غياب الاستراتيجية في هذه الحالة تنذر بالمخاطر، الجهة التي تحكم وتهيمن في إيران هي جهة مفصولة عن مصلحة الشعب الإيراني تعمل وفق رؤية أنانية، وأعتقد أن الولايات المتحدة تدرك هذه الحالة، وبالتالي تستثمر بالأزمة إلى مدى تكون فيها قادرة على الحسم وإعلان انتهاء الاستثمار وجني الأرباح والمكتسبات.
تتوازن واشنطن بصراعاتها مع روسيا والصين، حسب سياسة التنافس والقدرة على الحفاظ على العلاقات، مع العلم أن واشنطن تحاول أن تخلق فجوة بين الحليفين، أو تتجه نحو تفتيت الحدائق الخلفية لهما. فواشنطن صداقتها أخطر من عداوتها وهذا الكلام لمسؤولين أمريكيين سابقين، فواشنطن ترفض إمكانية حسم الصراع مع طهران وذلك حسب دراسة المقدرات والإمكانيات، وحتى قدرة تحرك الحلفاء إذا اقتضت الضرورة. إلا أنها ماضية بسياسة الكذب والمراوغة.. لذلك أعتقد أن سيناريو النهاية موجود أمام الرئيس الأمريكي، وتأجيله يأتي في سياق دراسة واقع حلفاء طهران ومدى تحركهم ومحاولة تقديم الدعم، والأهم دراسة ما بعد نهاية النظام الإيراني واليوم التالي.
إن الذي يكشف هذه السياسة التي تعتمد الكذب والمراوغة، «إسرائيل» وتغولها بالضفة الغربية، واستمرار سياسة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتصميم على إبقاء قواتها في الجنوب اللبناني مع إمكانية التوسع، وتدخلها بالجنوب السوري ومحاولة فرض واقع جديد ضمن مرتسمات وخيال نتنياهو وحكومته الفاشية، وأيضاً مراقبة النفوذ التركي في سوريا وتهديده بشكل مباشر.
اليوتيرن: مصطلح يستخدمونه الإنكليز لوصف حالة اللف وتغير الاتجاه. الاعتماد على السياسة بوصفها أكثر فوضى وانفلاتاً من الحرب، الحرب تحكمها مبادئ وقوانين، بينما السياسة لا مبادئ ولا قوانين، لذلك من نتائج الحالة الأمريكية – الإيرانية، التحالف الأمني الدفاعي السعودي التركي الباكستاني الذي يشكل نقطة الارتكاز واستباق لما ستؤول إليه الأمور.
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي