تحذيرات اقتصادية من كلفة تشريع «الإجازة الطويلة»


بغداد/أحمد كوكب

حذر متخصصون اقتصاديون من تبعات تشريع قانون “الإجازة الاعتيادية الطويلة” لكلفته التراكمية البالغة 12 تريليون دينار وتحوله إلى التزام دائم يُثقل الموازنة، في وقت أنهى فيه مجلس النواب القراءة الأولى للمقترح متجهاً ضمن مناقشات اللجان المختصة لتعديل نسبة الاستحقاق المالي لمنح الموظف المتمتع بالإجازة راتبه الاسمي كاملاً بنسبة 100%.

وقال المتخصص بالشأن الاقتصادي، جليل اللامي، في حديث خاص لـ(المدى)، إن مقترح منح الموظف إجازة طويلة مع تقاضي 50% من الراتب الاسمي يستوجب دراسة مالية دقيقة قبل إقراره، لأن حجم العبء على الموازنة يرتبط بعدد المستفيدين ومدة الإجازة ومستويات رواتبهم؛ فإذا اتسعت قاعدة المشمولين فقد تتحول الكلفة إلى التزام سنوي دائم يضاف إلى فاتورة الرواتب بدلاً من تخفيفها، خصوصاً أن بند الرواتب والتقاعد يستحوذ على ما يقارب 60 إلى 65% من إجمالي الإنفاق التشغيلي في الموازنة العامة.

وأوضح أنه إذا افترضنا أن عدد موظفي الدولة يقارب أربعة ملايين موظف وأن 5% فقط منهم سيلجؤون إلى هذا القانون، فإن عدد المستفيدين سيبلغ نحو 200 ألف موظف، وإذا ارتفعت النسبة إلى 10% فإن العدد سيصل إلى 400 ألف موظف، وهو احتمال ليس بعيداً في ظل انخفاض رواتب شريحة واسعة وإمكانية الجمع بين نصف الراتب والعمل في القطاع الخاص.

وبَيّن الاقتصادي التفاصيل الحسابية الدقيقة لتلك الكلف، مشيراً إلى أنه باحتساب متوسط راتب اسمي يبلغ مليون دينار شهرياً، فإن نصف الراتب سيكون بحدود 500 ألف دينار شهرياً لكل موظف، وهذا يعني أن كلفة 200 ألف موظف ستبلغ نحو 100 مليار دينار شهرياً (أي ما يقارب 1.2 تريليون دينار سنوياً)، بينما سترتفع الكلفة إلى نحو 200 مليار دينار شهرياً (أي 2.4 تريليون دينار سنوياً) إذا بلغ عدد المستفيدين 400 ألف موظف.

وأكد اللامي أن هذه الأرقام لا تشمل أي نفقات إضافية قد تتحملها الدولة لتعيين بدلاء أو التعاقد مع موظفين جدد لسد النقص في المؤسسات الخدمية والأمنية والصحية والتعليمية.

وأردف أنه من غير المتوقع أن يسهم المقترح تلقائياً في تقليل فاتورة الرواتب، لأن الدولة ستبقى ملتزمة بدفع جزء من راتب الموظف، وقد تضطر في الوقت نفسه إلى تعيين بديل أو التعاقد لسد النقص في الدوائر التي تعاني عجزاً في الملاكات، وبذلك تتحمل الخزينة كلفتين بدلاً من كلفة واحدة.

وشدد على أن السماح للموظف بالجمع بين نصف راتبه الحكومي والعمل في القطاع الخاص قد يخلق حالة من تضارب المصالح، ويؤدي إلى انتقال الخبرات الممولة من المال العام إلى القطاع الخاص مع استمرار استنزاف الموارد الحكومية، فضلاً عن احتمال توسع الإقبال على الإجازة إذا أصبحت أكثر جدوى مالياً من الاستمرار في الوظيفة.

ونبّه اللامي إلى كلفة التشريع المترتبة على المدى الطويل، موضحاً أنه ينبغي الانتباه إلى أن هذه الكلف ستصبح التزاماً ثابتاً لعدة سنوات؛ فإذا كانت مدة الإجازة خمس سنوات ووصل عدد المستفيدين إلى 200 ألف موظف، فإن إجمالي ما ستدفعه الدولة خلال مدة الإجازة سيقترب من 6 تريليونات دينار، أما إذا بلغ عددهم 400 ألف موظف فقد تتجاوز الكلفة التراكمية 12 تريليون دينار، وهو مبلغ يكفي لتمويل آلاف المدارس أو المستشفيات أو مشاريع البنى التحتية أو تشغيل عشرات المشاريع الاستثمارية المنتجة.

ولفت إلى الضوابط الكفيلة بالحد من هذه المخاطر، مؤكداً أن أي تشريع من هذا النوع ينبغي أن يتضمن سقفاً واضحاً لعدد المستفيدين بحيث لا يتجاوز 2 إلى 3% من ملاك كل مؤسسة، مع تحديد مدة الإجازة وضوابط العودة إلى الوظيفة ومنع الجمع بين نصف الراتب وأي وظيفة ممولة من المال العام، وإجراء تقييم سنوي للأثر المالي وإيقاف العمل بالقانون إذا تجاوزت كلفته الحدود المرسومة في الموازنة.

واختتم المتخصص بالشأن الاقتصادي حديثه بطرح المسار البديل، مشيراً إلى أن البديل الأكثر جدوى لمعالجة تضخم الجهاز الحكومي وفاتورة الرواتب يتمثل في إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، وإعادة توزيع الملاكات بين الدوائر التي تعاني فائضاً ونقصاً، والتوسع في التحول الرقمي وتحفيز الانتقال الطوعي إلى القطاع الخاص عبر برامج إنتاجية واستثمارية، لأن الإصلاح المالي المستدام يتحقق بزيادة كفاءة الإنفاق وتنشيط الاقتصاد الحقيقي وليس بإضافة التزامات جديدة على الموازنة العامة.

وفي إطار المسار التشريعي والتفاصيل النيابية المقترحة داخل أروقة البرلمان، أنهى مجلس النواب يوم الثلاثاء الماضي القراءة الأولى لمشروع القانون الصادر تحت مسمى “قانون منح الموظف إجازة اعتيادية طويلة”.

إذ اتفقت اللجنة القانونية في مجلس النواب على تعديل نسبة الراتب الاسمي ضمن مقترح القانون لتصبح 100% ليكون الراتب تاماً بدلاً من الاقتصار على نصفه.

ونشر عضو اللجنة القانونية النيابية، النائب محمد جاسم الخفاجي، نص المقترح التشريعي الذي يركز على منح المسؤولين صلاحية إعطاء الموظفين على الملاك الدائم والعقود إجازة اعتيادية لمدة خمس سنوات أو أكثر مع تقاضي الراتب الاسمي واحتساب المدة لخدمة التقاعد، فضلاً عن إجازة الموظف المتمتع بالإجازة بالعمل في القطاع الخاص، مع إتاحة خيار قطع الإجازة بعد انقضاء نصفها دون استرجاع المبالغ المصروفة، أو منح إجازات بدون راتب لمدد أقصر وفق ضوابط تنظيمية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *