لندن- “القدس العربي”: أطلق الحراك الشبابي “عريضة وطنية لإنقاذ الجمهورية”، طالب فيها بـ”استقالة” الرئيس قيس سعيّد وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، فيما لم تبد المعارضة حماسا كبيرا تجاه هذه الخطوة، لكنها طالبت بتعديل بعض بنودها.
وأعلن منظمو العريضة، في بيان على موقع فيسبوك، “سحب الثقة من سعيّد”، وطالبوه بـ”الاستقالة السلمية من الحكم لتجنيب البلاد الانزلاق نحو المجهول والفوضى”.
وبرروا طلبهم بـ”احتكار سعيّد للسلطة وإهداره الفرصة التاريخية للإصلاح”، مؤكدين أنه “امتلك فرصة تاريخية لتفكيك منظومات الفساد وإرساء إصلاحات هيكلية عميقة؛ إلا أنه أهدر هذا الرصيد في تركيز حكم فردي غابت عنه الرؤية والبرامج التنموية، ولم يجن منه التونسيون سوى تفكيك مؤسسات الدولة واهتراء مرافقها”.
كما استنكروا “إدارة الدولة بخطاب المؤامرة وتبرير العجز، دون تقديم أدنى مواساة أو احترام لمعاناة الشعب التونسي العظيم في الكوارث والأزمات التي مر بها في الأشهر الأخيرة”.
وانتقدوا أيضا “إغلاق باب الحوار العام، وتكبيل المجتمع المدني والعمل النقابي، وتحويل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين وسجن أصحاب الرأي والتلاعب بشروط المنافسة السياسية، مما أعاد تونس إلى مربع الخوف والرقابة الذاتية”.
واعتبروا أن “المخرج من هذه الأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد لا يكون بالفوضى، ولا بالانتقال من حكم فردي إلى آخر، بل بعودة السلطة إلى القانون والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها. فكل يوم إضافي يستمر فيه هذا العبث بمقدرات الدولة هو أشهر وسنوات إضافية سنقطعها لإعادة البناء”.
ودعا منظمو العريضة إلى “تنحي رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن الحكم، ووقف مسار التدمير الذاتي للدولة ومؤسساتها، والعودة الفورية إلى صندوق الاقتراع عبر تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، تضمن شفافيتها ونزاهتها لتجديد الشرعية الوطنية”.
كما طالبوا بـ”فتح المجال أمام الكفاءات والشباب: تمكين الكفاءات الوطنية والشباب التونسي من أخذ زمام الأمور وقيادة إصلاح ما تم تدميره، بعيدا عن الشعبوية والولاءات الضيقة”.
وتداول عشرات النشطاء والصفحات الاجتماعية نص العريضة، لكنها لم تحظ سوى بـ”دعم خجول” من قادة المعارضة، حيث دعا بعضهم إلى تعديل بعض بنودها.
وكتب الوزير السابق كمال الجندوبي: “أحيي هذه المبادرة وأثمن الجهد المبذول في إطلاق هذه العريضة. وأتفهم الدوافع التي تقف وراءها، وأتفق مع جانب كبير من تشخيصها، كما أتفق مع هدفها المتمثل في إنهاء حكم قيس سعيّد. فتركيز السلطات، وإضعاف المؤسسات، والتراجع في مجال الحريات، والمس بمكتسبات الثورة والانتقال الديمقراطي، تمثل في نظري إشكاليات أساسية”.
واستدرك بقوله: “لكنني، في المقابل، لا أستطيع أن أتبنى العريضة بصيغتها الحالية وبكل مطالبها، وخاصة الدعوة إلى تنظيم انتخابات مبكرة في أقرب الآجال، وهي انتخابات رئاسية وتشريعية حسب عنوان العريضة، بينما تقتصر المطالب الواردة في نهايتها على انتخابات رئاسية مبكرة فقط”.
كما اعتبر أن المطالبة برحيل سعيّد تطرح إشكالا آخر لا يقل أهمية، ويتجلى بـ”كيفية ترجمة هذا الطلب سياسيا ودستوريا في ظل النظام الذي وضعه قيس سعيّد نفسه؟ فالدعوة إلى رحيله واضحة كموقف سياسي، لكن المسار المؤسساتي الذي يمكن أن يحول هذا المطلب إلى واقع، وما يترتب عن ذلك من ترتيبات انتقالية، يظلان غير واضحين في العريضة”.
كما حذر من أن أي انتخابات مبكرة في ظل الوضع الدستوري المؤسساتي والاستقطاب الكبير داخل البلاد ستفاقم أزمات البلاد، وقد “تفتح المجال أمام ظهور “منقذين” جدد (على غرار سعيّد)، يحملون الوعود السهلة والحلول الجاهزة، ويستثمرون في اليأس والغضب والحاجة الاجتماعية. وقد يكون لبعضهم من الإمكانيات المالية أو أشكال الدعم الخارجي ما يمنحهم تفوقا في ساحة سياسية ضعفت فيها الأحزاب والمؤسسات والضوابط القادرة على ضمان منافسة متوازنة وشفافة”.
وكتب الباحث والناشط السياسي حامد الماطري: “مع اختلافي مع بعض النقاط الإجرائية حول آليات التغيير، وقعت على العريضة وأشجع الجميع على الانخراط فيها وتوقيعها. آن لهذا العبث أن ينتهي، وآن لبلادنا أن تتنفس”.
واستدرك بالقول: “صحيح أن قيس سعيّد لن يخرج من الحكم بعريضة أو بعد سماع “ديقاج” (ارحل)، ولكن من المهم أن نكسر سردية الدعم الشعبي، وأن نبرز مدى رفض الشارع التونسي لهذا الحكم الأخرق والظالم”.
وكتب وسام الصغير، الناطق باسم الحزب الجمهوري: “المشهد كله يتكثف في مفارقتين سيحتفظ بهما التاريخ ولو بعد حين: من وقف إلى جانب شعبه في أحلك لحظات الاستبداد، ومن انحاز إلى السلطة ومغانمها. ومن رأى في القانون حصنا للحرية والكرامة، ومن حوله إلى أداة للسيطرة والإخضاع. ما عدا ذلك ليس سوى تفاصيل”.
ولم يعلق هشام العجبوني، الأمين العام لحزب التيار الديموقراطي، على عريضة “جيل زد”، لكنه دعا في وقت سابق إلى المحاسبة والمساءلة وتحميل المسؤولية وسحب الثقة من سعيّد، الذي قال إنه “جمع كل السلطات وأدخل البلاد في مغامرة غير محسوبة العواقب كانت نتائجها كارثية على البلاد والعباد”.
وأوضح بقوله: “بكل موضوعية وبدون أي استهداف شخصي، وبعد الوقوف على حصيلته طيلة فترة حكمه، كل يوم إضافي يقضيه قيس سعيّد على رأس الدولة ستخسر منه البلاد الكثير، وسيتردى وضع البلاد يوما بعد يوم، وستتفاقم الأزمات، فليس لديه ما يقدمه لتونس وللتونسيين إلا مزيدا من العزلة الدولية وتقسيم التونسيين ووضعهم في السجون”.
وتابع مخاطبا سعيّد: “فلترحل!”.