في العراق، يعلم الجميع أن سلاح الميليشيات هو سلاح وفرته الدولة العراقية، وأنها هذه الميليشيات تمول من المال العام، وأن المسلحين فيها يستلمون رواتبهم من الدولة التي توفر لهم الحصانة الكاملة من أي ملاحقة عن الجرائم التي مارسوها ويمارسونها، وهي جرائم ضد الإنسانية ترقى إلى جرائم حرب. وكثير منها موثق بالصورة والصوت، وبعض تلك الجرائم لايزال مستمرا إلى اليوم مثل جريمة التغيير الديمغرافي القسري، ومنع النازحين من العودة إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم وبيوتهم وأراضيهم الزراعية (جرف الصخو نموذجا)!
والجميع يعلم، أيضا، أنه باستثناء الميليشيا التابعة لمقتدى الصدر (سرايا السلام)، والميليشيات التابعة للعتبتين الحسينية والعباسية (تسمى حشد العتبات)، فإن الغلبية العظمى من الميليشيات العاملة في العراق، تتبع الحرس الثوري الإيراني/ جيش القدس نسختها الإيرانية التي أنتجها الخميني، وتؤمن بولاية الفقيه وتعدُّ طاعته مقدسة، وبالتالي فهي تتبع، عقائديا، الولي الفقيه، وتُجاهرُ بالتبعية لإيران علنا!
ومحاولة التمييز بين ما يسمى الحشد الشعبي والميليشيات، هي كذبة واضحة، الغرض منها الاستمرار في الاستفادة من تمويل الدولة لتلك الميليشيات، وهذا يفسر وجود ألوية كاملة رسمية لكل ميليشيا ضمن ما يسمى بالحشد الشعبي!
وكما نؤكد دائما، فإن هذه الميليشيات قد شكلت دولة موازية للدولة في العراق، فهي فوق القانون، ومحصنة، ومتغولة اقتصاديا كونها قادرة على الوصول إلى عقود ومقاولات وزارات الدولة ومؤسساتها جميعها بسلاسة، وهو ما يوفر لها «ريوعا» مليارية، وهي إلى ذلك، تسيطر سياسيا واقتصاديا على المحافظات السنية (محافظ ورئيس مجلس محافظة نينوى وصلا إلى موقعهما من خلال هذه الميليشيات وهما مثال واحد على هذه السيطرة). ولا ينتهي الأمر عند حدود المؤسسات الرسمية، بل يتجاوزها إلى ابتزاز المواطنين ومشاركتهم تجارتهم وصناعتهم وزراعتهم بالقوة!
لا تمتلك هذه الميليشيات قوة ذاتية حقيقية، بل تستمد قوتها من التغول الإيراني في العراق من جهة، ومن تواطؤ الفاعلين السياسيين الشيعة وصمت الفاعلين السياسييين السنة، وشعور الفاعلين السياسيين الكرد بأنهم غير معنيين بمشاكل بغداد وإصرارهم على النظر إلى بغداد من خلال أربيل والسليمانية، من جهة ثانية!
ولا يخفى على أحد في العراق اليوم، أن هذه الميليشيات كانت خيارا للفاعل السياسي الشيعي قبل لحظة داعش، وأنها شاركت في دعم نظام بشار الأسد، وفي القيام بعمليات عسكرية داخل العراق نفسه، قبل سيطرة داعش على الموصل. وأن الفاعل السياسي الشيعي، وبتوصية إيرانية، لايزال مصرا على فكرة أن هذه الميليشيات هي الضمانة الوحيدة لاستمرار احتكاره للسلطة والدولة، وتثبيت أركان وهم «الحاكمية الشيعية» الذي يتلبسه منذ أن قرر أن يحول العراق إلى دولة طائفية!
والجميع يعرف أن هناك «تضخيما» متعمدا لأعداد هذه الميليشيات، فهي تضم عشرات آلاف الأسماء الوهمية، أو الفضائية (وهم مصطلح يطلق على الأعضاء المسجلين في السجلات دون أن يكون لديهم حضور مادي) وهو جزء من تلاعب زعماء هذه الميليشيات بالأرقام لغرض الحصول على تمويل أكبر خصوصا أنهم رفضوا تنفيذ مادة وردت في قانون الانتخابات، يُلزمهم بتقديم قوائم بأسماء وأعداد العناصر والمقرات ولايزالون يصرون على عدم الكشف عنها (أعلنت وزارة الداخلية قبل يومين اكتشاف 71 مقرا وهميا لميليشيات يفترض أنها جزء من الحشد الشعبي، ولا يمكن التعاطي مع هذا الخبر سوى على أنه محاولة للإيهام في سياق الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة)!
وقد حصلت هذه الميليشيات على مسيرّات وصواريخ إيرانية، واستخدمتها في قصف أهداف داخل الأراضي العراقية، بينها مبنى جهاز المخابرات، وأهداف خارج العراق في قصف الدول العربية المجاورة للعراق (السعودية والكويت والإمارات والأردن وسوريا)، ولم يسأل أحد في الدولة العراقية، بطبيعة الحال، كيف دخلت هذه الأسلحة؟ وكيف نقلت داخل العراق مع وجود مئات من نقاط التفتيش؟ وكيف خزنت في معسكرات رسمية، أو يفترض أنها رسمية؟
سلاح الميليشيات هو سلاح وفرته الدولة العراقية، وأنها هذه الميليشيات تمول من المال العام، وأن المسلحين فيها يستلمون رواتبهم من الدولة التي توفر لهم الحصانة
وطوال السنوات السبع الماضية، وتحديدا بعد أول قصف للسفارة الأمريكية في بغداد عام 2019، وحتى آخر قصف لأربيل والسليمانية داخليا، والعربية السعودية خارجيا، لم يُلاحق أو يساءل أحدٌ من أعضاء تلك الميليشيات ما عدا في عهدة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي حين أُلقي القبض على مجموعة مكونة من 13 شخصا ينتمون لكتائب حزب الله بحوزتهم قاعدة صواريخ كانوا قد استخدموها لقصف السفارة الأمريكية! لكن القضاء العراقي أطلق سراحهم بعد أربعة أيام! وظهروا فيما بعد في فيديو وهم يهينون صورة القائد العام للقوات المسلحة أمام الكاميرات، بل وأصدروا بيانا جاء فيه: «سلاح المقاومة الإسلامية هو أصل أصول الشرع والشرعية، ولن يسلم إلا بيد مولانا ابن الحسن سلام الله عليه» (المقصود هنا المهدي ابن الحسن العسكري)!
والجميع في العراق يدرك تماما أن قرار نزع سلاح هذه الميليشيات، أو تفكيكها، ليس قرارا عراقيا، بل هو قرار إيراني يملكه مجتبى الخامنئي وحده. وأن أي حديث عن نزع ذلك السلاح، أو حتى تحجيمه دون إيعاز من إيران، هو محض خرافة! وأن رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، لا يملك أي قوة سياسية حقيقية خارج إرادة الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية الداعمة للميليشيات (الميليشيات نفسها تحضر اجتماعات الإطار التنسيقي وتتحالف مع إدارة الدولة من خلال ممثلها أبو آلاء الولائي زعيم ميليشيا كتائب سيد الشهداء، وهي ميليشيا تعلن رسميا أنها لن تسلم سلاحها). ومن ثم فهو لا يملك أي قدرة على اتخاذ أي قرار، ليس بشأن سلاح الميليشيات فقط، بل أي قرارسياسي آخر، دون موافقة الإطار التنسيقي، وبالتالي فإن أي حديث عن إرادة منفردة له تجاه هذا السلاح هو دعاية لا غير!
أخيرا فإن المرجع الشيعي السيد علي السيستاني يملك وحده إمكانية رفع الغطاء عن هذه الميليشيات، بما أن فتواه استخدمت لشرعنة وجودها. فرفع الغطاء الشرعي عنها، وحده من سيجعل وجودها غير شرعي دينيا وسياسيا ومجتمعيا على الأقل، وهو ما سيحرج الفاعلين السياسيين الشيعة، ويجبر تلك الميليشيات، ومن خلفهم الإيرانيون، على التعاطي مع موضوع نزع السلاح بجدية!
بناء على هذه البديهيات كلها، التي يعرفها العراقيون جميعا، يبدو الحديث عن تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر بوصفه تاريخا نهائيا لما يسمى «حصر السلاح بيد الدولة»، مجرد عبث. غايته الرئيسية محاولة إقناع الأمريكيين بأن العراق يسعى فعليا لتنفيذ الشروط الأمريكية المتعلقة بوكلاء إيران فيه، ومنع الإبقاء على فاعلين مسلحين بالصواريخ والمسيرات ما دون الدولة، في منطقة الشرق الأوسط، تجنبا لأي عقوبات مالية أو اقتصادية أو حتى سياسية ضد العراق، لكنه لن يتحقق على الأرض ما دامت إيران لاتزال مصرة على مشروعها الشيعي العابر للحدود في المنطقة، وما دامت لم تخسر حربها الإيديولوجية، وليست العسكرية، بعد!
٭ كاتب عراقي