الطاقة والنفوذ الروسي يدفعان واشنطن وروما نحو مقاربة مشتركة


طرابلس – «القدس العربي»: عادت ليبيا مجدداً إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تصاعد التحركات الإيطالية والأمريكية المرتبطة بملفات الطاقة والأمن والنفوذ في منطقة المتوسط والساحل الإفريقي، وسط مؤشرات على بلورة مقاربة غربية أكثر تنسيقاً تجاه الأزمة الليبية، في وقت تتواصل فيه الجهود الأممية لدفع مسارات الحوار السياسي وتوحيد المؤسسات المنقسمة.
وفي أحدث المؤشرات على هذا التوجه، قال المحلل السياسي الإيطالي، دانييلي روفينيتي، إن ليبيا باتت تحتل موقعاً متقدماً ضمن الأجندة الدبلوماسية المشتركة بين روما وواشنطن، معتبراً أن التطورات الإقليمية الأخيرة، خاصة المرتبطة بالطاقة والنفوذ الروسي، أعادت الملف الليبي إلى قلب الحسابات الغربية من جديد.
وأوضح روفينيتي، في تقرير نشره موقع «بريما باجينا نيوز» الإيطالي، أن التحركات الإيطالية الأخيرة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية استقرار ليبيا بالنسبة لأمن الطاقة الأوروبي، مشيراً إلى أن النشاط الدبلوماسي المتسارع تزامن مع زيارة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة إلى روما، إلى جانب تحركات مرتبطة بقطاع الطاقة، بينها مغادرة محطة طاقة باتجاه ليبيا عبر ميناء رافينا الإيطالي.
ويأتي هذا الحراك في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة مرتبطة بمسارات الطاقة الدولية، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وما تبعه من اضطرابات في أسواق الشحن والطاقة، وهو ما أعاد خطوط الإمداد البديلة، وبينها ليبيا، إلى دائرة الاهتمام الأوروبي.
وأشار روفينيتي إلى أن خط أنابيب «غرين ستريم» الرابط بين ليبيا وإيطاليا اكتسب «أهمية استراتيجية متجددة» بالنسبة لروما، موضحاً أن الحكومة الإيطالية باتت تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءاً من أمن الطاقة الوطني والأوروبي، وليس مجرد ملف سياسي أو أمني مرتبط بالهجرة فقط.
وفي المقابل، رأى المحلل الإيطالي أن الولايات المتحدة بدأت تتحرك بصورة أكثر وضوحاً نحو دعم «توازن سياسي مستقر» في ليبيا، لافتاً إلى أن الأولوية الأمريكية الحالية لا تبدو مرتبطة فقط بالدفع نحو انتقال ديمقراطي سريع، وإنما أيضاً بحسابات أمن الطاقة واحتواء النفوذ الروسي والتوترات المتصاعدة في منطقة الساحل الإفريقي.
وقال روفينيتي إن واشنطن تسعى إلى «بناء وضع مستقر بما يكفي لضمان حماية مصالح الطاقة وتقليص النفوذ الروسي واحتواء عدم الاستقرار في الساحل»، معتبراً أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً في طريقة مقاربة الإدارة الأمريكية للملف الليبي بعد سنوات من الانخراط المحدود.
وتتقاطع هذه التقديرات مع نقاشات متزايدة داخل الأوساط الأمريكية بشأن مستقبل السياسة الأمريكية في ليبيا، في ظل وجود رؤيتين مختلفتين داخل واشنطن حول طبيعة الشركاء الذين ينبغي دعمهم في البلاد، وحدود التعامل مع القوى المسيطرة ميدانياً.
وكان الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز»، مايكل روبين، قد انتقد ما وصفه بـ»التناقض» في سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الجماعات المسلحة في المنطقة، معتبراً أن واشنطن تتعامل بصرامة مع الفصائل المدعومة من إيران في العراق، بينما تواصل دعم حكومة طرابلس رغم النفوذ الواسع للتشكيلات المسلحة في غرب ليبيا،حسب تعبيره. ورغم هذا الجدل، فإن التحركات الأمريكية الأخيرة أظهرت استمرار الاهتمام بالمشهد الأمني الليبي، خاصة مع عودة القوات الأمريكية للمشاركة في مناورات «فلينتلوك 26» قرب مدينة سرت، لأول مرة منذ سنوات، بمشاركة قوات أمريكية وإيطالية وتشكيلات ليبية من الشرق والغرب تحت إشراف القيادة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم».
ويُنظر إلى هذه المناورات باعتبارها إحدى أبرز الإشارات على تنامي التنسيق الأمني بين واشنطن وروما في ليبيا، خصوصاً في ظل المخاوف الغربية من توسع النفوذ الروسي في إفريقيا عبر ما يعرف بـ»فيلق إفريقيا»، إضافة إلى تصاعد التوترات الأمنية في منطقة الساحل.
وفي هذا السياق، تحدث روفينيتي عن أربعة أبعاد استراتيجية تحكم عودة ليبيا إلى مركز الاهتمام الغربي، تشمل أمن الطاقة، وأمن المتوسط، واحتواء النفوذ الروسي في إفريقيا، والتداعيات الأمنية المرتبطة بمنطقة الساحل والهجرة غير النظامية.
وأضاف أن إيطاليا لا تزال «الفاعل الغربي الأكثر حضوراً وتأثيراً في ليبيا»، بالنظر إلى عمق علاقاتها السياسية والاقتصادية، إضافة إلى كونها الأكثر تأثراً بتداعيات أي اضطرابات داخل ليبيا، سواء فيما يتعلق بالطاقة أو الهجرة أو الأمن الإقليمي.
وتأتي هذه التطورات بالتوازي مع تحركات سياسية وأممية متواصلة لإعادة تحريك المسار السياسي الليبي، عبر آليات الحوار والاجتماعات المصغرة التي تستضيفها روما بدعم من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
وبرزت خلال الأسابيع الماضية صيغة «4+4» أو «الاجتماع المصغر» كأحد المسارات التي تحظى بدعم أممي وإيطالي، في محاولة لتجاوز حالة الجمود السياسي المرتبطة بالخلافات بين مجلسي النواب والدولة، عبر الدفع نحو خطوات تدريجية تتعلق بتوحيد المؤسسات وإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وتزامن ذلك مع زيارة الدبيبة الأخيرة إلى روما، والتي اعتُبرت جزءاً من الحراك الدولي المتعلق بدفع التوافقات السياسية والاقتصادية، خاصة في ظل استمرار الحديث عن مقاربات دولية تقوم على تحقيق استقرار تدريجي بدلاً من انتظار تسوية شاملة للأزمة الليبية.
كما حضرت ملفات الطاقة بقوة ضمن هذا الحراك، خاصة مع سعي ليبيا لزيادة إنتاجها النفطي وجذب الاستثمارات الأجنبية، في وقت تتزايد فيه أهمية النفط والغاز الليبيين بالنسبة للأسواق الأوروبية بعد العقوبات الغربية على روسيا.
وفي هذا الإطار، كانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت أخيراً استكمال اتفاق إنهاء الشراكة مع شركة «تراستا» داخل مجمع رأس لانوف، بما يؤدي إلى انتقال الأسهم بالكامل إلى المؤسسة الليبية، وهو ما وصفه الدبيبة بأنه «إغلاق لملف معقد» وإعادة لأحد أهم الأصول الاستراتيجية إلى الإدارة الليبية الكاملة.

كما تحدثت تقارير غربية عن عودة اهتمام شركات طاقة عالمية بالسوق الليبية، بينها «شل» و»شيفرون» و»إيني» و»توتال إنيرجيز»، ضمن خطط تستهدف رفع إنتاج النفط الليبي إلى مليوني برميل يومياً بحلول عام 2030، رغم استمرار التحديات الأمنية والسياسية.
لكن رغم هذا الزخم الدولي، لا تزال المخاوف قائمة بشأن قدرة المسارات الحالية على تحقيق استقرار دائم، في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري، وتعدد مراكز النفوذ، وارتباط جزء كبير من التوازنات الليبية بالتنافس الدولي والإقليمي الأوسع في المتوسط وإفريقيا.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ليبيا لم يعد ينظر إليها فقط باعتبارها ساحة أزمة داخلية، بل باتت جزءاً من معادلة دولية أوسع تتداخل فيها حسابات الطاقة والهجرة والأمن والنفوذ الجيوسياسي، وسط محاولات غربية لإعادة ترتيب المشهد الليبي بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار ويحافظ على المصالح الاستراتيجية في المنطقة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *