نواكشوط –«القدس العربي»: يتسع في موريتانيا تدريجياً نطاق المواجهة القضائية مع خطابات الكراهية المثيرة للجدل والمنشورة عبر وسائل التواصل، حيث تحول عدد من التدوينات والتصريحات إلى ملفات جنائية تثير نقاشاً سياسياً وحقوقياً متزايداً حول حدود حرية التعبير ومتطلبات حماية السلم الأهلي، في بلد لا تزال فيه قضايا الهوية والتمييز والانسجام الاجتماعي تحتل موقعاً حساساً في النقاش السياسي.
وفي هذا السياق، أمر قاضي التحقيق بالديوان الخامس بمحكمة ولاية نواكشوط الغربية، بإيداع خادجه محمد السالك سيدي المختار، في السجن بعد إحالتها من طرف النيابة العامة مع طلب وضعها تحت المراقبة القضائية وإصدار أمر بإيداعها، وذلك على خلفية نشرها لمحتوى مصور متداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وجاءت المتابعة القضائية بعد انتشار واسع لمقطع فيديو ظهرت فيه المعنية وهي تطلق عبارات وُصفت بالمسيئة والعنصرية ضد شريحة «الحراطين» (مستعربو أرقاء موريتانيا السابقين)، تضمنت أوصافاً اعتبرها متابعون مهينة وتمس بالكرامة الإنسانية والانسجام المجتمعي، من بينها وصف الحراطين بالجهل وتشبيههم بالحمير، وهو ما أثار موجة غضب واستنكار واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
ووجهت النيابة العامة للمعنية تهماً تتعلق بـ «التحريض على العنف ضد مجموعة عرقية»، و»إصدار عبارات عنصرية بهدف المساس بالسلم الأهلي واللحمة الاجتماعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي»، إضافة إلى تهم السب والشتم والنشر الإلكتروني، مستندة إلى المادة 11 من قانون تجريم التمييز، والمادة الثانية من قانون حماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن، فضلاً عن المادتين 348 و349 من القانون الجنائي، والمادتين 22 و23 من قانون الجريمة السيبرانية.
وكانت المعنية قد أوقفت قبل أيام من طرف مكتب مكافحة الجريمة السيبرانية، الذي تولى التحقيق الأولي معها قبل إحالتها إلى النيابة العامة ومنها إلى قاضي التحقيق، في مسار بات يتكرر بشكل متزايد في القضايا المرتبطة بالمحتوى الرقمي وخطابات التحريض والكراهية.
ويأتي هذا الملف ضمن سلسلة قضايا مشابهة تشهدها الساحة الموريتانية خلال الأشهر الأخيرة، من أبرزها قضية النائبتين البرلمانيتين مريم الشيخ وقامو عاشور، المنتميتين إلى حركة «إيرا»، والتي تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل السياسي والحقوقي في البلاد.
وأوقفت السلطات النائبتين المذكورتين على خلفية بثوث مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت، وفق توصيف النيابة العامة، عبارات تمس بالرموز الوطنية وتحرض على الكراهية وتخل بالسلم الاجتماعي.
وقد تمسكت النيابة بأن القضية تندرج ضمن «حالة تلبس قانونية»، معتبرة أن علنية البث الرقمي تجعل الحصانة البرلمانية غير مانعة لإجراءات المتابعة القضائية، استناداً إلى المادة 50 من الدستور والمادة 85 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية. وخلال جلسات المحاكمة، دفعت النيابة العامة باتجاه تشديد العقوبة، مطالبة بسجن النائبتين وتجريدهما من الحصانة البرلمانية، معتبرة أن ما صدر عنهما يتجاوز حدود التعبير السياسي إلى «المساس بالرموز الوطنية وبث الفرقة داخل المجتمع»، خصوصاً بالنظر إلى صفتهما البرلمانية وتأثير خطابهما على الرأي العام.
وفي المقابل، اعتبرت حركة «إيرا» وهيئة الدفاع عن النائبتين أن القضية ذات أبعاد سياسية وحقوقية، وأن المتابعة القضائية تمثل استهدافاً للعمل المعارض والخطاب الحقوقي المناهض للتمييز والعبودية، متهمة السلطات باستخدام قوانين «الرموز» و»الجريمة السيبرانية» لتقييد حرية التعبير وتضييق مساحة النقد السياسي.
كما شهدت جلسات المحاكمة توتراً واحتجاجات لأنصار الحركة أمام قصر العدالة، وسط إجراءات أمنية مشددة.
وتُعد حركة إيرا، التي يقودها بيرام الداه اعبيد، من أبرز الحركات الحقوقية المعارضة في موريتانيا، وقد ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بعدد من المواجهات مع السلطات على خلفية ملفات تتعلق بالعبودية والتمييز وحرية التعبير، ويتهمها البعض «بمعاداة البيظان» وهم مجموعة عرب موريتانيا.
وفي خضم أزمة النائبتين، دعا بيرام ولد اعبيد إلى تهدئة الخطاب وقدم اعتذاراً باسم النائبتين عن بعض العبارات المسيئة، مع تجديده انتقاد قانون الرموز الوطنية واعتباره قانوناً يُستخدم ضد المعارضين والضعفاء.
ولم تقتصر القضايا الأخيرة على النشطاء والسياسيين، بل شملت كذلك ناشطين ومدونين، من بينهم الناشطة وردة أحمد سليمان، التي أودعت السجن على خلفية محتويات منشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في قضية شكلت بدورها محطة جديدة في مسار تشديد المتابعة القضائية للخطاب الرقمي.
ويرى مراقبون لهذا الشأن أن السلطات الموريتانية تتجه بشكل متزايد نحو تفعيل النصوص القانونية المتعلقة بمكافحة الكراهية والتمييز والجريمة السيبرانية، في محاولة لضبط الفضاء الرقمي والحد من الخطابات التي قد تؤدي إلى توترات اجتماعية أو عرقية أو سياسية، خصوصاً في ظل تنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها إلى ساحة مركزية للصراع السياسي والتعبئة الشعبية.
في المقابل، تتصاعد داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية تساؤلات متزايدة حول حدود هذه المقاربة، وما إذا كانت تشكل حماية ضرورية للسلم الأهلي أم أنها قد تتحول إلى أداة لتقييد حرية التعبير والمعارضة السياسية، خاصة مع اتساع دائرة المتابعات القضائية المرتبطة بالمحتوى الرقمي خلال فترة زمنية متقاربة.
ويبدو أن القضاء الموريتاني يجد نفسه اليوم في قلب معادلة شديدة الحساسية، بين واجب حماية الوحدة الوطنية ومنع التحريض والكراهية، وبين ضرورة الحفاظ على الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والعمل السياسي والحقوقي.
وبين من يرى في هذه المحاكمات ضرورة قانونية لوقف الانفلات اللفظي وخطابات التمييز والتحريض، ومن يعتبرها مؤشراً على تضييق متنامٍ على المجال العام، تتجه الأنظار إلى القضاء باعتباره الجهة التي سترسم عملياً الحدود الفاصلة بين الرأي المباح والخطاب المجرَّم، في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي اللاعب الأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام وإشعال الجدل السياسي والاجتماعي في موريتانيا.