أفرد رواد الفكر التنويري المعاصر صفوة أيامهم ولياليهم في تثوير التراث من أجل رؤية جديدة للفكر العربي، فنادى السوري الطيب تيزيني بإعادة قراءة وإنتاج الفكر العربي ما قبل الاسلام وبعده، وقال المغربي عبد الله العروي، أحد دعاة التحديث العميق تأثرا بالغرب، بعقلنة توظيف التراث بمناهج معاصرة، قريباً ممّا دعا إليه مواطنه محمد عابد الجابري في سبيل «إعادة ابتكار عقل عربي جديد»، أو ما جاء به المصري نصر حامد أبو زيد من ضرورة الانفتاح على التراث، على أساس معرفي محض، أو في مراجعة مظاهره كافة كلازمة فكرية لحل أزمة العقل العربي/ الإسلامي، انطلاقا من ضرورة نقد الذات كي لا ننقطع عن حركة التاريخ كليا، كما نادى الجزائري محمد أركون، إلى آخرين في مقارباتٍ وتآويل انطلق البحث فيها دائما من النصوص القرآنية، وأحاديث السنة النبوية، كأحد المداخل الإلزاميّة لمصنفاتهم الإبستمولوجية، التي تبنت كلها عناوين تجديد الفكر العربي، خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، وأوائل القرن الحالي.
من المؤسف طبعاً أنّ مشاريعهم النخبوية تلك، لم تصل إلى بلورة مشروع علمي منهجي موحد للنهوض بالأمة، وهي وإن كانت باجتهادات ونوايا محمودة، إلا أنها انزوت في الظل، وبعضها فتح باباً لمعارضات الدين الممجوجة والمستسهلة جدا، التي اشتبهت على العامة بمضامين برّاقة غير مقنعة ولا علمية مُثبتة بالشواهد، غلّبتْ الهوى على العقل، واحتجّ معظمها بمعارضته القرآن والسنة على سبيل «الموضة» لا التقدم بدعوات حضارية جريئة للنهوض بالأمة، كمسائل تحرير الأرض والسلوك الديمقراطي ومواجهة التطرف الفكري وامتلاك التكنولوجيا لا استهلاكها، وسبل التعامل مع الذكاء الاصطناعي، الذي لا نعلم ما يُراد لنا منه حتى الآن، مع ما يجب التنبه إليه دائماً وهو أن مفهوم أعداء الأمة لا يزال حاضراً بقوة، إذ يبدو أنهم ماضون في بناء استراتيجياتهم الفكرية والسياسية والعسكرية، ثم الاجتماعية الناجحة، على تمظهرات ووقائع تاريخية سابقة تقول بعداوة دائمة وأبدية بيننا وبينهم، قياساً على معظم التجارب التي احتكّ فيها أجدادهم، مُعتدين في الغالب الأعم، بأجدادنا، وحتى زمن قريب. إنّ وعياً أعمق للمسألة، يحيل إلى القول، إن أخطر ما في التعامل مع التراث سوء قراءته أوّلا، ثم بعد ذلك فوضوية تبنيه، جزئيتان حالّتان في مقارباتنا لمروحة واسعة من موروث الأنساق الثقافية الكتابية والشفاهية، الأدبية والفكرية والدينية، ومنها ما جاء في كتاب «ألف ليلة وليلة « أشهر كتب الحكايات الشعبية التي تنطلق من حكاية الملك شهريار الذي وبعد أن اكتشف خيانة زوجته قرر إعدام جميع النساء، فكل ليلة عذراء، حتى تصدت شهرزاد ابنة وزير الملك لمهمة إنقاذ النساء من بطشه بأن تلقمه حكاية كل يوم على امتداد ألف ليلة وليلة، تنتهي بتراجع شهريار عن قراره بقتل النساء. تُرجم الكتاب إلى أكثر لغات العالم، وتم تحقيقه عربياً وغربياً في طبعات كثيرة، أما أصل واضعه فهو غير معروف، والأرجح أنه أكثر من شخص، فرواية تقول إنه من أصول هندية وأخرى من أصول فارسية ترجمةً عن كتاب «هزار أفسانه» (ألف خرافة) بالفارسية، أُدخل عليها الكثير من التعديلات والإضافات لحكايات تاريخية، تجمع بين الواقع والخيال، ويتخللها الشعر والضحك والمآسي والحب والأسطورة، ثم الجنس الذي بدا فاقعاً في قصص كثيرة كغاية لعلية القوم وحاشيتهم في سيرورة تلك الحكايات. تراكم احتفاء الكتّاب والأدباء والباحثين العرب بهذا المصنف شاملاً كل العهود السياسية والحواضر التي تعاقبت على الأمّة منذ دولة الخلافة الأموية، وحتى اليوم، ما شكّل أرضيةً تاريخيةً لمعقولية قبوله بين الناس، على الرغم مما استقر من الضوابط الشرعية لعلاقة الرجل بالمرأة، عطفاً على دخول المستشرقين على خط استثماره بالترويج لبعض مكوناته التي تتعارض ومبادئنا، مع التنبه إلى أن تعاملهم مع تراثنا مختلف تماماً عن تعاملهم مع تراثهم في الغرب، حيث يتضح ما يمكن عدُّهُ سوء نوايا في كون القيمة العلمية لنصوص الاستشراق غير وافية الإفادة، ومعظم أصحابها دخلوا باحثين في قضايا عربية شرقية بروح غربية مادية شوهت حقيقة الإسلام وتاريخ المسلمين، وهو ما تعمّق فيه إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق المعرفة – السلطة – الانشاء» (ترجمة كمال أبو ديب 1981 عن مؤسسة الأبحاث العربية)، الذي هو كتاب مفاجآت عديدة، منها أنه يحدد وظيفة المستشرق المستند إلى خلفية فوقية تتملكه بوصفه كائناً متفوقاً، قبل خوضه أي موضوعات أو فرضيات تتعلق بإثبات، أو بطلان حقائق متعلقة بأمتنا من التنظير إلى التطبيق، حيث يمكن الجزم، بأن التصور العام الذي رسمه المستشرقون لأهل الشرق العربي، قبل أي دراسة، هو البدائية والانفعال ولا سبيل إلى خروجهم مما هم فيه إلا بالانقلاب على قيمهم، أما المفاجأة الأهم فتكمن في سعيد نفسه الذي خرج بهذا الكتاب ليُدين الغرب، رغم أنه عاش فيه دهراً من الزمن فعلا وتفاعلا، وفي أعلى منظومات أكاديميا الفكر والعلوم والتمازج الحضاري.
في العودة إلى «ألف ليلة وليلة «، من المفارقات أن الكتاب في الأصل هو قصة ملك تخونه زوجته مع عبده كما فعلت زوجة أخيه بأخيه، حتى أصابته فوبيا النساء فقرر قتلهن، وأنّ الحل هو في يد شهرزاد التي قدّمت نفسها « لتنقذ بنات المسلمين « مع ما تشي به هذه العبارة بدلالات فاقعة ومستفزة تهينهن وتجعل منهن مجموعات متخلفة متأخرة لا حول لهن ولا قوة ولا عقل ولا تدبير. هذا التعمق في حساسيات التعاطي مع المجتمع الإسلامي يؤكد وجود شعوبية واضحة ذات مظاهر مختلفة، أهمها هنا ما يشي بعجز الحاكم المسلم عن إقامة العدل الذي يشمل الجميع، والانتقاص منه كسلطة دينية حتى تأتي امرأة بارعة الذكاء لتوقفه عما هو فيه من قتل وإعدام بحق النساء! إلى أمر خطير آخر يكمن في تصدُّر مصنف كهذا المشهد التراثي للأمة، التي ترامت أطرافها في بعض مراحل التاريخ بين مجتمعات مختلفة الأعراق والإثنيات من المشرق إلى المغرب، وإعطائه بعداً فلسفياً، كأن يرى توفيق الحكيم في مسرحية «شهرزاد» (1934) صراعاً بين العقل والقلب، شهرزاد العقل وشهريار القلب والعاطفة، فيجعل في جمال شهرزاد عقلاً لا غريزة ومواجهة التسلط بالذكاء والحكمة والفطنة، إلى مؤلفات غيره التي أشاعت رؤى وقدمت مفاهيم هضمها الجمهور في جانبها النظري، من حيث هي مبادئ إنسانية ذات بُعد رسالي وليس فنّيا فحسب، ولكنّ هذا البُعد ظلّ في واقع الحياة العملية للناس حبراً على ورق وبعيداً من وعيهم بمقاصد أولئك الكُتّاب في تناول هذا الكِتاب، بل هو مما يجب المحاذرة منه، نعني تمركزه الخفي في لاوعي أجيال الأمة بالتعاقب والتراكم والتكرار بما هو خيال غرامي جعل من الخيانة الزوجية، مثلاً، عملاً مقبولا، يحدث كل يوم وكأنه وجهة نظر ويمر عليه القارئ العربي مرور الكرام ، مع ما رافق ذلك من ترسُّب الصورة المشوّهة لأحد وجوه تراثنا في الذاكرة الجمعية لقرون طويلة، ما يحيلنا إلى السؤال الخطير: هل ضاعت جهود التنوير إلى الأبد؟
ناقد لبناني