منذ غابر الأزمنة، يتناحر الشرق والغرب على كل شيء وأتفه الأسباب. وفجأة ودون أي تفسير منطقي، صمتت الألسنة وانحنى كلا الفريقين إجلالًا وتعظيمًا لطائفة اعتقدوا أنها تفوقهم علمًا ورفعة، بالرغم من أنَّ عقولها ولَّت وثيابها بُليت إلى أن تمزَّقت، أو حتى اختفت من على أجسادهم. وأفراد تلك الطائفة هم ما أطلق عليهم الغرب «المعاتيه المقدَّسين»، في حين نعتهم الشرق بـ «المجذوبين».
ولو كان لفظ «معتوه» وحده يعني شخصاً ذهب عقله، فبالتأكيد كلمة «مقدَّس» تنفي خطورته على المجتمع، وتجعله يرتقي لمرتبة القدِّيسين، وإن كان يُعدّ أعلى منهم شأنًا؛ لأنه صاحب «كرامات» ويجب احترامه حتى ولو كان يهذي ويتمتم بكلمات غير مفهومة. وأمَّا لفظ «المجذوب» المُستخدم في الشرق، فهو يعني أن هذا الشخص قد انجذب للخالق ووهبه نفسه، وأغلى ما يملك من متاع الدنيا الفانية من ممتلكات مادية وحسيَّة، بما في ذلك عقله. الطريف حقًّا أنه عند ذكر المعاتيه المقدَّسين/المجاذيب تختفي جميع ألوان التنمُّر والعصيان والعناد، ويحلّ محلَّها التسامح التَّام حتى ولو كان المعتوه/المجذوب يسبّ فردًا أو حتى يضربه؛ خشية أن تصيب الشخص المضرور لعنة، لاعتقاده أن هؤلاء على صلة وثيقة بالخالق الذي يكشف لهم الغيب المحجوب، فجعل أتفه كلماتهم معجزة، وأفعالهم الغريبة درسًا أخلاقيًا. ولهذا، تقرَّب النَّاس على اختلافهم من المجاذيب طمعًا في نيل البركة والدعوة المُستجابة.
وسجَّلت طائفة «المعاتيه المقدَّسين»، المعروفين أيضًا باسم «معاتيه من أجل المسيح»، أوَّل ظهور لها في الشرق المسيحي فيما بين القرنين الرابع والخامس الميلادي بين ما يُعرف بـ «آباء الصحراء» في صحاري مصر، ومنها انتقل هذا التقليد إلى سوريا. و»المعاتيه المقدَّسين» طائفة من المسيحيين الناسكين الزاهدين الذين اتّخذوا من الصحراء الشرقية ووادي النطرون مسكنًا لهم. ومن الجدير بالذكر، أنه لا تزال أديرة الرهبان تتواجد في وادي النطرون، وتعدّ زيارتهم رحلة مقدَّسة للمسيحيين الأرثوذوكس على وجه الخصوص. وعلى هذا، انتشر هذا التقليد في أوروبا عبر الدولة البيزنطية، وازداد عدد «المعاتيه المقدَّسين» عبر العالم المسيحي في جميع أرجائها. وتجدر الإشارة أن هذا المصطلح ظهر في إنجيل «القديس بولس» في العهد الجديد.
وظهر الشكل الجديد «للمعاتيه المقدَّسين» الذين يرتدون الملابس الغريبة أو يتجرَّدون من ملابسهم تمامًا في القرن السادس الميلادي في سوريا، مع انتقال الزَّاهد «سمعان الحمصي» من العيش في الصحراء إلى غزو المدينة في سوريا، وحينها تجرَّد من ملابسه تمامًا وبدأ يقذف المارَّة بالجوز. وبالرغم من أفعال «المعاتيه المقدَّسين» التي ترقى إلى الجنون، قابلها الآخرون بالتسامح وأغدقوا عليهم الأموال والصدقات، لدرجة أزعجت آباء الكنيسة الغربية، الذين وجدوا أنّ تزلَّف الناس لهم قد تراجع كثيرًا. أضف إلى هذا، خلت تقريبًا الكنيسة من العطايا والهبات التي أصبح موئلها الجديد «المعاتيه»، الذين اعتقد العامة أنهم قادرون على تحقيق معجزات ومنح البركات بدعائهم النَّافذ وقدرتهم على استبصار الغيب. ومن ثمَّ، اعتقدوا في وجوب التقرُّب لهم واسترضائهم بالعطايا. ومن ناحية أخرى، ادَّعى آخرون العته إمَّا لنيل الشهرة، أو لجمع الأموال، أو لكليهما.
ونكاية في «المعاتيه» ولاستعادة السطوة المفقودة، أصدرت الكنيسة مرسومًا كنسيًا في نهاية القرن السَّابع الميلادي تشجب فيه بشدَّة ما يدَّعيه هؤلاء المعاتيه من جنون متعمَّد، واعتبرت أن تصرُّفاتهم غير مقبولة وتعدّ جُرمًا فعليًا وأخلاقيًا خطيرًا يعرّض حياة الآخرين للخطر، ناهيك عن إثارته للاضطرابات والشغب.
وعلى إثر هذا، اختفت طائفة «المعاتيه المقدَّسين» تدريجيًا من أوروبا، لكنها انتقلت سريعًا إلى روسيا؛ فرحَّبت بها جميع طوائف الشعب، ولاقت قبولًا واستحسانًا لدى القياصرة. ويذكر التَّاريخ أحدهم «سانت بازيل»، الذي كان ذا شأن كبير في روسيا وتمّ بناء كنيسة على اسمه في موسكو. والغريب أنه كان مسموحًا لتلك الطائفة انتقاد القياصرة الذين تميَّزوا بالعنف الشديد، ومنهم «إيفان الرهيب»؛ فلقد كان جنونهم يحميهم.
وأمَّا في العالم الإسلامي، فقد ظهرت طائفة المجاذيب لأسباب سياسية بحتة؛ لمحاربة المذهب الشيعي. فعندما انتزع «صلاح الدِّين الأيُّوبي» حكم مصر من الفاطميين، رغب في وضع حدّ لولاء الشعب للفاطميين، فأصبحت معركته القضاء على المذهب الشيعي واستبداله بالسنِّي. ولهذا، كان لا بد من وجود مُعلِّمين مخضرمين للمذهب الجديد، فكان خياره الأمثل اللجوء إلى أشاوسة المذهب السنِّي المتمركزين في فارس وجلبهم إلى مصر. فتواجد هؤلاء في الخانقاوات (جمع خانقاه)، أجبر العامة على الذهاب إليهم لتعلُّم المذهب السني.
وكان معلِّمو المذهب السنِّي الفرس يرتدون رداء أخضر اللون تعلوه عباءة مزركشة، وعمامة خضراء؛ علمًا بأن الخليفة «المأمون» كان يرتدي لسنوات طويلة نفس هذه الملابس. وكان بين المعلِّمين أيضًا طوائف أخرى بلغ بها العلم والزهد أنها اعتزلت الحياة المادية، وكان هؤلاء هم المتصوِّفين. وغالى بعض المتصوِّفين في اعتزال العالم الخارجي إلى أن ذهب عقلهم، وقيل حينها إن الخالق اصطفاهم دون عباده الآخرين ليكونوا في حضرته، فغاب عقلهم الظاهري عن إدراك المألوف؛ لأن الشوق الإلهي استولى على أرواحهم. وعلى هذا، أُطلق عليهم لقب «المجاذيب»، الذين أيضًا اشتهروا بقدرة على استشراف الغيب ومنح البركات لمن يُحسن لهم. وكما حدث في أوروبا، انبرى العامة يغدقون عليهم بالعطايا والهبات، ولم ينتقدوا غرابة ملابسهم، التي كانت تشابه ملابس معلِّمي السنَّة، وإن أزادوا عليها «الأعقاد» التي هي بالأساس مسابح، وكذلك أبقوا على اكتحال العين.
وقد امتدح العديد من كبار الشيوخ المتصوِّفين طائفة «المجاذيب» ومنهم «ابن عجيبة الشاذلي»، و»أبو الحسن الشاذلي» و»ابن عطاء السكندري» و»كمال الدِّين القاشاتي» و»عبد الوهاب الشعراني»، بل وذكرهم بإجلال «ابن خلدون» والعديد من الكتَّاب في مراجعهم.
وإبَّان العصر المملوكي، أرسى أرباب الصوفية عقيدة تقديس المجذوب؛ لأنه يعيش في عالم آخر. ويؤكِّد «ابن عنان» أن من شأن المجذوب أن تراه ماشيًا، لكنه في الحقيقة راكب؛ وقد تراه عاريًا لكنه يرتدي ما لا تراه. وإذا رأيته يفطر في رمضان، لا تصدِّق عينيك؛ لأنه صائم.
وعلى عكس المتصوِّفين، كان أغلب العامة في مصر يعتقدون أنهم معاتيه، والعديد منهم مدَّعين إمَّا من أجل الشهرة، أو لكسب منزلة اجتماعية مقدَّسة، أو للتهرُّب من الديون والمُساءلة القانونية عند اقتراف الجرائم، أو ليحظوا بحياة سهلة يطْعمون فيها مجَّانًا، وأكثر من ذلك يكتنزون أموالاً طائلة. وعندما خفف المصريون لفظ «خانقاه» ونطقوه «خانكة» أُطلق فيما بعد على المستشفى الذي يعالج المجانين لفظ «الخانكة». وعندما زاد عدد المجاذيب في مصر من المرضى النفسيين والمدَّعين، عمد الأطبَّاء إلى علاجهم في المستشفيات، التي كان يُطلق عليها حينئذٍ «البيمارستان»، وأيضًا، لصعوبة نطق هذا المصطلح، خففه العامة إلى «مورستان».
لقد تقدَّم الأطبَّاء المصريون في علاج الأمراض النفسية والعصبية، وحققوا في هذا العلم قفزات مذهلة، لا تزال آثارها عماد الطبّ النفسي الحديث. وبهذا، سعد العامة لخلاصهم من هؤلاء «المجاذيب» مثيري الاضطراب المجتمعي ساكني «الخانقاوات» بعلاجهم في «البيمارستان». ولهذا السبب، لا يزال العموم في مصر يطلقون إلى وقتنا هذا على أي مستشفى أمراض نفسية وعصبية لفظ «الخانكة» و»المورستان».