عندما تتحول الضفائر إلى لغة… أفريقيا تنشر ذاكرتها في تسريحات على رؤوس النساء والرجال



عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في أفريقيا، لا تحتاج الذاكرة دائماً إلى كتبٍ أو أرشيفات كي تخلد وتبقى.. أحياناً يكفي رأسٌ مزيّن بالضفائر حتى تبدأ الحكاية.
فهنا، تتحول خصلات الشعر إلى خرائط للهوية، وتصبح التسريحات القديمة لغةً اجتماعية كاملة؛ تُخبر عن القبيلة والعمر والحالة الاجتماعية، بل وعن الفرح والحزن ومكانة الشخص داخل الجماعة.
ومن موريتانيا إلى السنغال، ومن نيجيريا إلى إثيوبيا، ظلّت الضفائر عبر قرون أشبه برسائل صامتة تمشي في الأسواق والقرى والاحتفالات؛ ليست مجرد زينة عابرة، بل هي تراث حيّ يحمل آثار الهجرة والأساطير وطقوس العبور وحتى مقاومة الاستعمار والعبودية.
واليوم، بينما يغزو العالمَ هوسُ الموضة السريعة، تعود أفريقيا لتقول شيئاً مختلفاً: إن الشعَر ليس تفصيلاً جمالياً فقط، بل دفتر ذاكرةٍ جماعي يُكتب فوق الرؤوس… خصلةً بعد أخرى.
في أفريقيا، لا تبدأ الأناقة من خزانة الملابس، بل أحياناً من خصلة شعر واحدة تعرف تماماً إلى أين تتجه.
فالضفائر والجدائل ليست مجرد تسريحة عابرة أمام المرآة، بل حكاية قارة كاملة نسجت الجمال بالخيوط والخرز والزيوت الطبيعية، حتى صار الشعر عند الأفارقة أقرب إلى لوحة فنية متنقلة… أو أرشيف اجتماعي يُحمل فوق الرؤوس بكل فخر.
ومنذ آلاف السنين، كانت الجدائل الأفريقية تتحدث قبل أن يتحدث أصحابها. وتكشف بعض النقوش والرسوم المصرية القديمة التي تعود إلى نحو 3500 سنة قبل الميلاد أن تصفيف الشعر لم يكن مجرد زينة، بل رمزاً للهوية والمكانة والانتماء.

قارة تمشط تراثها أمام العالم

ولأن القارة لا تكتفي بحفظ تراثها داخل الذاكرة الشعبية، فقد باتت عناصر كثيرة من ثقافاتها التقليدية تجد طريقها إلى قوائم التراث العالمي.
فخلال العام 2024، أدرجت منظمة يونيسكو مجموعة واسعة من الممارسات والتقاليد الأفريقية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، في اعتراف عالمي جديد بأن أفريقيا ليست فقط قارة إيقاعات ورقصات، بل أيضاً قارة ذوق وأناقة وهوية حيّة.
ومن ساحل العاج، دخل طبق «أتييكي» المصنوع من «الكسافا» المطهوة على البخار إلى القائمة، بينما احتفى العالم بقماش «كينتي» الغاني الشهير بألوانه الصاخبة التي جعلت الزعيم أكوامي أنكروما يبدو دائماً وكأنه خارج من عرض أزياء سياسي إفريقي فاخر.
وفي موريتانيا، حضرت ملحمة «سامبا غيلاديو» التراثية إلى القائمة، فيما سجّل الحناء مكانه كأحد أهم الطقوس الجمالية والاحتفالية المشتركة بين عدد من البلدان العربية والأفريقية، مؤكداً أن الجمال في الثقافة الأفريقية لا يقتصر على الشعر وحده، بل يمتد إلى الجسد والملابس والروائح والاحتفالات.
حتى «الملحفة» و«القندورة» التقليديتان في الجزائر نالتا اعترافاً دولياً، في تذكير أن الموضة الأفريقية لم تولد على منصات باريس وميلانو، بل في الأسواق القديمة، والواحات، والقرى الصحراوية، حيث كانت النساء يحولن الأقمشة البسيطة إلى أناقة عابرة للقرون.
وفي الثقافة الأفريقية، قد تخبرك التسريحة عن عمر الشخص، أو حالته الاجتماعية، أو حتى القبيلة التي ينتمي إليها. وكأن الشعر يقول: «دعوني أعرّفكم بنفسي».
الجدائل التقليدية، المعروفة ببساطتها وأناقتها الخالدة، تُصنع عبر تشابك ثلاث خصلات بطريقة دقيقة تمنح الشعر حماية طبيعية وتقلل الحاجة إلى العناية اليومية. وعندما تُثبت بمحاذاة فروة الرأس، تتحول إلى أشكال هندسية مذهلة تجعل الرأس يبدو كقطعة نحت أفريقية معاصرة.
أما الضفائر الحديثة، فهي ملعب مفتوح للإبداع: طول إضافي، ألوان جريئة، خرز، خيوط، وإكسسوارات تجعل من كل رأس «عرض أزياء مصغراً» يسير في الشارع.

من الماساي إلى الهيمبا

في كينيا وتنزانيا، يميز شعب الماساي الرجال بضفائر رفيعة مطلية بالمغرة الحمراء، في إشارة إلى العمر والمكانة الاجتماعية، بينما تتزين النساء بخرز ملون يجعل التسريحة أقرب إلى حفل متنقل.
أما نساء قبائل الهيمبا في ناميبيا، فيستخدمن مزيجاً من الزبدة والطين الأحمر لتغطية الضفائر، في طقس جمالي يحمل دلالات ترتبط بالأمومة والزواج والنضج.
وفي جنوب أفريقيا، يحول الزولو تسريحات الشعر إلى أشكال هندسية منحوتة تستعمل خلال الاحتفالات والمناسبات التقليدية، وكأن الرؤوس أصبحت منصات معمارية صغيرة.
وفي رواندا، لا تكتمل المناسبات التراثية من دون رقصة «إينتوري» الشهيرة، حيث تتحرك الأجساد بتناسق عسكري قديم بينما تتمايل تسريحات الشعر التقليدية كأنها جزء من العرض نفسه، في مشهد يختلط فيه الجمال بالفخر الجماعي.
اليوم، لم تعد الضفائر الأفريقية حبيسة القارة السمراء، بل أصبحت نجمة عالمية تتصدر عروض الأزياء والسجاد الأحمر وحسابات المشاهير على إنستغرام وتيك توك.
تسريحات «الكورنروز» بخطوطها الدقيقة الملتصقة بفروة الرأس تمنح إمكانيات لا نهائية: خطوط مستقيمة، منحنيات حلزونية، أو زخارف متشابكة تجعل الرأس يبدو كخريطة فنية معقدة.
أما «البوكس برايدز»، فقد تحولت إلى أيقونة عالمية بفضل نجمات مثل ريهانا وكيم كارداشياه وزندايا، اللواتي ساهمن في نقل الضفائر الأفريقية من الأزقة الشعبية إلى أغلفة المجلات العالمية.
وهكذا، صار بإمكان تسريحة شعر واحدة أن تجمع بين جذور القبيلة وأضواء هوليوود في الوقت نفسه.

الضفائر في المهجر

مع انتشار الجاليات الأفريقية حول العالم، تطورت الضفائر واختلطت بثقافات جديدة، لكنها احتفظت بروحها الأصلية.
في باريس ولندن ونيويورك، لم تعد الضفائر مجرد موضة، بل أصبحت إعلاناً ناعماً عن الهوية والانتماء. إنها طريقة تقول بها الأجيال الجديدة: «نحن عصريون… لكننا لا ننسى جذورنا».
وربما لهذا السبب تحديداً، لا تموت الضفائر الأفريقية أبداً. فهي ليست مجرد خصلات متشابكة، بل ذاكرة حيّة تعرف جيداً كيف تبدو أنيقة في كل عصر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *