أسوأ أفضل مونديال في التاريخ!


كان من المفترض أن يكون كرنفالا عالمياً غير مسبوق، في بلد خبراء الترفيه والتسويق… كان من المفترض أن تكون كأس العالم 2026 فخر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فهي الأكبر والأوسع والأكثر دخلا للاموال… فللمرة الأولى ثلاثة بلدان مضيفة، بمشاركة 48 منتخبا، بينها 8 منتخبات عربية.
لكن لماذا تحدث المشاكل، ومن أين تأتي المتاعب؟ الجواب بكل بساطة لأن أبرز المضيفين الثلاثة، والذي ستستضيف ملاعبه 80% من مباريات البطولة، بينها المباراة الختامية، هو الولايات المتحدة.
ليس غريبا أن تتشكل الكثير من العواصف والزوابع التنظيمية في بلد مضيف لا يعشق كرة القدم، أو عند معظم دول العالم، «فوتبول»، إلا أنها عند الامريكيين تعني رياضة مختلفة كليا، رياضة يسمح فيها للاعبين برمي الكرة بأيديهم وارتداء خوذ حماية من الارتطامات القوية، أي انها الرياضة التي تعرف أوروبيا باسم «الرغبي». هذه الرغبة الجامحة لدى القطب الأكبر في العالم في الانسلاخ عنه، لخلق هوية وثقافة خاصة به، زعزعت الفهم والاستيعاب المطلوبين للترحيب بعشاق «السوكر» وجماهير المنتخبات المتنافسة.
في مونديال 1994 التي استضافته الولايات المتحدة، كان النهم مختلفاً، اذ كانت هناك رغبة حقيقية في المشاركة لاستيعاب اللعبة الأكثر شعبية في العالم، ومحاولة ترويجها محليا لكسر احتكار ألعاب مثل كرة القدم الأمريكية والسلة والبيسبول. لكن هذه المرة اصطدمت شخصيتان مؤثرتان، يجمعهما عشق السلطة والمال، في الشراكة في هذه الاستضافة، وهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الفيفا جاني انفانتينو، فالأول يعشق التوترات غير المنطقية في أوقات عبثية، على غرار حربه مع ايران، والتي من المفترض أن يكون تلقى نصائح من مستشاريه أن أي اضطراب أو توتر عسكري أو حرب، ستنعكس بكل تأكيد على الجماهير وجموع المشجعين، عدا عن تصريحاته المتناقضة كل يوم، فقبل أسابيع رحب بـ«الجميع» لحضور منافسات المونديال، لكن بعدها حرم 15 مسؤولا من بعثة المنتخب الإيراني في الحصول على تأشيرات دخول الولايات المتحدة، على غرار العشرات الآخرين من مختلف بعثات المنتخبات المشاركة، حتى اضطر المنتخب الإيراني الى استبدال مقر معسكره من ولاية أريزونا الأمريكية الى تيخوانا المكسيكية، عدا عن إهانة الكثير من اللاعبين من مختلف المنتخبات في طريقة التفتيش عند نقاط الدخول واجبار بعضهم للخضوع لاستجوابات تمتد ساعات طويلة على غرار نجم المنتخب العراقي أيمن حسين. فترامب شدد كثيرا سياسة الهجرة منذ عودته إلى البيت الأبيض، ما أثار قلق عدد كبير من المشجعين الراغبين في التوجه إلى الولايات المتحدة، حتى الحكم الصومالي عمر عرتن الذي اختير أفضل حكم إفريقي عام 2025، مُنع من دخول الولايات المتحدة رغم حصوله على تأشيرة، بحجة أنه «على صلة بأشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى منظمات إرهابية».
لكن ترامب ليس وحده الذي يعيث فسادا، انفانتينو أيضا يساهم في افساد تجربة الملايين من عشاق اللعبة، حيث أثارت الأسعار الخيالية لبعض التذاكر غضب المشجعين الذين تقدموا بشكاوى ضد الفيفا. حتى ترامب علق قائلا إنه لن «يدفع» ألف دولار، حتى لمشاهدة الولايات المتحدة. ودافع إنفانتينو عن هذا التسعير الديناميكي (كلما ارتفع الطلب ارتفع السعر)، معتبرا أنه يعكس سعر «السوق». وبسبب «الجشع» الذي انتاب رئيس الفيفا مع العائدات المالية الهائلة التي ستدرها 104 مباريات، يُنظر إلى مونديال 2026 كانتصار للنزعة التوسعية لإنفانتينو، الذي لم يتوقف عن العمل لتضخيم مسابقات الفيفا. ومن خلال الارتفاع الرهيب لعائدات التذاكر وحقوق البث التلفزيوني والرعاية، يعد بزيادة إيرادات الفيفا بنسبة 72% في دورة 2023-2026 مقارنة بالدورة السابقة. ولأسباب تتعلق بالسلطة وعلى الصعيد الانتخابي، يهدف إنفانتينو إلى إرضاء 16 اتحادا إضافيا من خلال محاولة ضم منتخباتها إلى النهائيات العالمية، مع احتمال إقامة مونديال 2030 بمشاركة 64 منتخبا. ومن المتوقع ان يحقق أرباحاً تصل 13 مليار دولار، يجنيها من حقوق البث والاعلانات وعقود الرعاية والشراكة وبيع تذاكر الحضور، مع شرط أساسي على الدول والمدن المضيفة، بألا تفرض على الفيفا أي ضرائب من المداخيل، وألا ينافسه في الإعلانات خلال فترة المونديال من ليس شريكا للفيفا، ما اضطر المدن المضيفة، خصوصا الأمريكية الى اعلان حالة عدم الرضا، فما الذي ستجنيه من تحمل نفقات استضافة المباريات ونقل المشجعين وارهاق البنى التحتية من دون عوائد، فاضطرت الى رفع أسعار المواصلات والفنادق وتلقائيا الأكل والشرب الى أسعار غير مسبوقة، ليس لتحقيق الأرباح بل لتفادي خسارات فادحة.
نعم هو أفضل مونديال في التاريخ، من جهة أعداد المنتخبات والمدن المضيفة والحضور الجماهيري، لكن ليس من جهة الروح والتنظيم. ولم نتحدث حتى عن دور حالات الطقس المتقلبة في ارباك المباريات من عواصف وزوابع، عدا عن الطقس الحار خلال مباريات النهار، وحالة أرضيات الملعب، والتي اشتكى منها كثر شاركوا في كأس العالم للأندية الصيف الماضي، وعدا عن توقيت المباريات التي لن تتلاءم مع عالمنا العربي، وبسبب كل هذا، قد يكون 2026 «أسوأ أفضل مونديال في التاريخ».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *