من المعروف عن عباس محمود العقاد أنه رجل وهب عمره للقراءة والكتابة، عازفا عن كثير مما يتهافت عليه الناس، خاصة التقرب من أولي السلطان أو الغنى واليسار، غير أن العقاد شاءت له تدابير الأيام أن يلتقي لأيام معدودة بالملك عبد العزيز آل سعود وأن يكتب عقب ذلك اللقاء مقالات عديدة عن حياة وشخصية ونضال الملك الراحل عبد العزيز آل سعود ملك السعودية.
ففي 2 يناير/كانون الثاني 1946 أبحر مع جماعة من المرافقين أشهرهم الصحافي كريم ثابت من ميناء السويس على ظهر اليخت الملكي المسمى «المحروسة» إلى جدة ممثلا لمجلس الشيوخ المصري، حيث كان عضوا فيه، والغرض من ذلك هو التحضير ومرافقة الملك عبد العزيز في زيارته لمصر، وكان من مستقبلي الوفد المصري آنذاك الأميران محمد وخالد بن عبد العزيز.
وقد كتب العقاد عن هذه الرحلة وعن شخصية ونضال الملك عبد العزيز وعن ذريته من الأمراء مجموعة من المقالات أشهرها (مع الملك عبد العزيز في البحر) في مجلة «المصور» بتاريخ 25 يناير 1946، ومقال عن أنجال الملك عبد العزيز في «روز اليوسف»، ومقال في جريدة «الكتلة» (الشورى في المملكة السعودية) بتاريخ 16 يناير 1946 ومقال بعنوان (الملك الرياضي) في «الكتلة» بتاريخ 13 يناير 1946، ومقال طريف عن حمام الحرم في مجلة «الرسالة»، والراجح أن ابن أخيه عامر العقاد هو الذي جمع تلك المقالات في كتاب بعنوان (مع عاهل الجزيرة العربية الملك عبد العزيز آل سعود)، مع صور للملك ولنجليه فيصل وخالد وإهداء إلى روح الملك الراحل، ثم مقدمة لعبد الرحمن عزام الأمين العام الأول لجامعة الدول العربية، ومقتطفات مختارة من أقوال الملك الراحل الذي قال فيه العقاد صراحة (إن جلالة الملك ابن سعود رجل عظيم، رجل عبقري هذا ما أوحته إلي مطالعاتي الكثيرة، وإن ما رأيت من البارحة أوحى إلى أنه ملك عظيم سمح النفس كريم).
غار حراء:

وقبل الحديث بتفصيل أكثر عن رأي العقاد في العاهل السعودي الراحل وتحليله لشخصيته وحديثه عن نضاله وأنجاله وأثره الخالد، من المفيد الإشارة إلى أن العقاد وفد على مكة، لأن الملك كان في قصره هناك، لكنه لم يحرم ولزمته فدية فهو كان يخاف من عوارض المرض، ويلزم لبس الصوف شتاء وصيفا، فهو صوفي منسوب إلى الصوف، كما يقول عن نفسه، وقد أدى العقاد مناسك العمرة وهذا جواب للذين أنفقوا جهدهم وصدعوا رؤوس القراء بمحاولتهم إثبات أن العقاد كان لا يصلي، لأنه كان يعقد صالونه الأدبي الأسبوعي يوم الجمعة، وفي مقاله (في الحرم) سجل العقاد ذكرياته عن الحرم، كما وصف مشاعره الحارة وهو يمر بجبل النور متأملا غار حراء، وكتب عن ذلك (أخبرني من صعدوه أنهم كانوا يعانون شديد العناء من وعورة مرتقاه وأن القليل من الناس يصمد في صعوده إلى نهايته العليا، حيث كان الرسول عليه السلام يتنسك ويبتهل إلى الله، والحق أن الرؤية غير السماع).
موقف الدعاء:
والموقف الثاني الذي أثار مشاعر العقاد وهو في الحرم، هو موقف الدعاء وكان الرسول يختاره كلما طاف بالكعبة، وقف العقاد في الموقف نفسه، ودعا بهذا الدعاء (اللهم أولني ما أريد لي وللناس واجعل الخير كله في ما أريد لي وللناس وما بي من حاجة في الحياة، إذا استجيب هذا الدعاء).
حمام الحرم:
والموقف الثالث الذي أثاره بل كتب عنه مقالا كاملا هو منظر الحمام الوادع في ذلك المقام، فقد سمع عن الحمام أنه يطوف حول الكعبة ولا يعلو عليها فرادى ولا جماعات، وكعادته في البحث والتحري ونزوعه إلى العقلانية والمنهج العلمي راقب الحمام، بل أوصى بعضا من رفقته مراقبته هل يطير فوق الكعبة أم لا يطير؟ وكتب بعد ذلك (الآن ثلاثة منهم اتفقوا على أنهم شاهدوا الحمام يطير أحيانا فوق الكعبة، وإن لم يكن ذلك مطردا في جميع الأوقات) وشرع في هذه المقالة يعلل ندرة الطيران فوق الكعبة بمنهج علمي متعمقا غرائز الطير وأسرار الطيران والحمام خاصة، وجغرافية المكان وخصائصه الهندسية والفضائية.
هذه هي ذكريات العقاد عن مكة – أم القرى- وعن غار حراء والحرم، وأما ذكرياته مع العاهل الراحل الملك عبد العزيز آل سعود الذي وصفه بالعصامي العظامي وقال فيه (إن ابن سعود من أولئك الزعماء الذين يراهم المتفرسون المتوسمون فلا يحارون في أسباب زعامتهم وعظمتهم، ولا يجدون أنفسهم مضطرين أن يسألوا لماذا كان هؤلاء زعماء؟ لأن الإيمان باستحقاق هؤلاء لمنزلة الزعامة في أقوامهم أسهل كثيرا من الشك في ذلك الاستحقاق).
والمعروف من التاريخ، أن الملك الذي ولد في الرياض (1876) وتوفي عام 1953، وجد أن ملك آبائه، ذهب فقد تغلب آل الرشيد على آل سعود حتى أجلوهم إلى الربع الخالي ثم إلى الكويت، لكن عبد العزيز بأربعين رجلا قاتل حتى أصيب واستعاد الرياض، ثم بعد ذلك نجد والأحساء والقطيف والحجاز وعسير، وقمع الثورات، التي قامت ضده وأشهرها ثورة الدويش وابن بحار، ابن حثلين، ابن رفادة في الحجاز والأدريسية في الجنوب، ثم رجع من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد البناء والتعمير والتحضير والتمدين أسوة بالعالم المتمدن، حيث جابه رفضا من قبل كثير من المتشددين الذين كانوا يرون ذلك اقتداء بالكفار، ومن طريف ما روى العاهل الراحل للعقاد، أنهم رفضوا البرق والراديو والهاتف بدعوى أنها مسكونة من قبل الشياطين التي توحي إلى الناس زخرف القول، وتأتي بالأخبار، فما كان من الملك إلأ أن سألهم هل تطيق الشياطين القرآن؟ فأجابوا بالنفي، فما كان منه إلا أن أسمعهم القرآن من الراديو ومن الهاتف فبهت القوم وتراجعوا عن دعواهم.
اجتمعت للملك عبد العزيز كما يرى العقاد صفات نفسية، وقدرات فكرية أهلته لاستحقاق العظمة والخلود، وكان الكاتب نفسه – وقد وجه إليه نقد شديد- يدعو إلى تعظيم العظماء وبيان منزلتهم كونهم لازمين للتاريخ، وأن الجماهير من دون هؤلاء العظماء لا تستطيع أن تعمل شيئا، فالعاهل الراحل، كما يرى الكاتب، من صفاته أنه صريح واضح المزاج، قوي النفس قوي العقل، متين البنيان بقامته الفارعة وقوته العضلية، فقد جاوز الستين واحتفظ بكامل أسنانه! لا يميل إلى الإكثار من الطعام، زاهد يتبع القول بالفعل، عملي كما وصف نفسه يحرص على أن يكون ما بينه وبين الله عامر، وعسى أن يكون ما بينه وبين العالمين خراب، وكان يقول عن نفسه: (شغلتني الحروب عن التوسع في العلوم وأفلح أخي عبد الله)، وكان الريحاني في «ملوك العرب» قد أثنى على تركيزه وقوة حافظته ودهائه وشجاعته وكرمه وامتلاء نفسه بمشاعر الرحمة، فقد وصف خصمه الحسين بأخي ورثى القتلى من رجاله. كما رفض الثورة على الترك وقال (لا.. لن يقول الناس ثار عبد العزيز على دولة تسمى دولة الخلافة في عهد محنتها) مما حدا بساسة لندن إلى أن يقولوا (فشل بيرسي كوكس في الرياض ونجح لورنس بمكة).
وما يثير في شخصية الملك الراحل ميله إلى العدل، ولو على حساب قرباه فقد حبس أحد أولاده ثلاثة أيام لتخلفه عن صلاة الجمعة، وألزم أحد أنجاله من الأمراء بدفع تعويض مجز لأحد ملاك الأرض، لأن الأمير توسع في أرض ذلك الرجل حين بنى قصرا. كما كان موقفه من الغرب معتدلا، كما تكشف مقولته هذه (إن بعض المسلمين مع الأسف لم يجدوا طريقة للتقدم في نظرهم إلا بتقليد الأوروبيين، ولكنهم لم يقلدوهم في ما ينفع بما كان سبب قوتهم ومنعتهم، بل قلدوهم في ما لا يسوغه دينهم من الأمور الأخرى.. ولكن من منهم عمل إلى اليوم إبرة أو صنع طيارة أو اخترع بندقية أو مدفعا؟ لقد قلدوهم في ما يخالف أمور دينهم واكتفوا من تقليد الأوروبيين بذلك).
كان لقاء العقاد بقصر العاهل الراحل في مكة ثم الرحلة معه على ظهر اليخت الملكي «المحروسة» من جدة إلى السويس فرصة نفذ منها العقاد إلى طوية الرجل وأبان عن فضله وعمق تفكيره وقوة شخصيته، وكان الملك يلتقي بالوفد في اليخت أربع مرات صبحا وظهرا وعصرا وعشاء ومرة على مائدة الطعام الملكية التكريمية، ولا يخلو اللقاء من فكاهة وتندر فالعظيم الذي لا يتندر ليس بعظيم، كما يرى العقاد، كما لا يخلو اللقاء من حديث عن القنص والصيد وعن شؤون سياسية كحديثه عن الجامعة العربية، التي وصفها بمنارة العرب ودريئة لهم وفي 5 صفر 1365 الموافق لـ9 يناير 1946 ألقى العقاد قصيدة في حضرة الملك تنم عن تقدير وإعجاب على قلة مدح العقاد للعظماء شعرا وعزوفه عن الرياء والمحاباة وكان مما جاء فيها قوله:
وإذا به عبد العزيز بطلعـــــة
كالبدر بين كواكب الأمـــــراء
ملك أناف على العقول بعزمة
وأتم ذلك بما يراه الــــــرائي
جمع المهابة في العيون وفي النهى
وسمــــــا بمجد أبوة وإباء
ومن الأمراء الذين التقاهم العقاد في القصر الملكي خزام وكانوا من أشد المرحبين به وأعربوا له عن تقديرهم لفكره العميق وبيانه الرفيع ومؤلفاته الكبيرة، الأمير متعب الذي أهدى العقاد نسخة من جريدة «الحرم» وفيها قصيدة للعقاد كاد أن ينساها، والأمراء عبد المحسن، مساعد، مشعل، طلال، نواف وأثنى العقاد على متابعتهم للشأن المصري واطلاعهم على الصحافة المصرية، ولم يفت الملك عبد العزيز في حديثه مع الوفد أن يتحدث عن تدريبه لأنجاله في إدارة شؤون المملكة ونزوعه إلى الشورى كما تقتضي ذلك الشريعة الإسلامية، وأن بعض مستشاريه من العالم الإسلامي.
في الختام التقى الأديب السعودي أحمد عبد الغفور العطار بالعقاد في مكة، وكان من أشد المعجبين بصاحب العبقريات أسلوبا وفكرا، ونقل له متابعة المثقفين السعوديين لمقالاته واطلاعهم على أفكاره وكتبه المهمة، سواء في الإسلاميات أو النقد أو الشعر وفي تراجم العظماء، وتمنى لو مدد إقامته بالحجاز، كما سأله أن يكتب عن الأدب السعودي الناشئ تعريفا به، ووعد العقاد بذلك بشرط أن يطلع على أربعين قصيدة لشعراء مختلفين، ومثل ذلك من النثر، ولم يفت العطار أن يذكر العقاد أنه مرة في زيارته لمصر تمنى لو زار مكة وطاف بالكعبة، فما كان من العقاد إلا أن قال له (إن لم أطف بالبيت سبعا فقد طافت به روحي سبعين مرة)، لكن تصاريف الأيام وتصاريفها عجيبة، كما يقول الشعراء رتبت للكاتب هذه الزيارة في صحبة العاهل السعودي الراحل في منتصف الأربعينيات وكتابة العقاد عنه لم تكن بدافع الشهرة، فقد نال منها ما لا يصيبه أنداده من الكتاب ولا لغرض دنيوي فقد عرف عنه الاعتداد بشخصيته كأديب وصاحب قلم يكره التكسب بقلمه والتزلف والرياء والمحاباة، ورأيه في العاهل الراحل ينم عن فهم لطويته وأسرار شخصيته، كما ينم عن تقدير وتعظيم لأحد رجالات المملكة وصناع مجدها ورفاهها وعزها في العصر الحديث.
كاتب جزائري