القاهرة ـ «القدس العربي» : العديد من الأسئلة يُثيرها كتاب «علم اجتماع الثقافة.. تعريف وتحليل» للباحث البحريني يوسف أحمد مكي، الصادر عن كتاب المجلة العربية عدد (595) أبريل/نيسان 2026. وإن كان في معظمه يحمل من التعريفات أكثر منه تحليلاً، ولكن وفقاً للمشكلة البحثية التي يُعالجها، فهو يكشف بالأساس عن التفرقة بين بعض المصطلحات، وكذلك أزمة هذا العلم في الثقافة العربية، وأنه حتى الآن لم يحتل المساحة التي يستحق، سواء من خلال المقررات الدراسية في الجامعات، أو الأبحاث الجادة التي تتناول مفهوم الثقافة من وجهة نظر اجتماعية.
ما الثقافة؟
يبدأ الكاتب بتعريف الثقافة، وما طرأ على هذا التعريف من تطور ووجهات نظر جديدة، فيفرق بين تعريفين، أولهما يختص بالنخبة، وهو ما قدمه الناقد البريطاني ماثيو أرنولد في كتابه «الثقافة والفوضى» 1869، الذي يراها في التهذيب والذوق والارتقاء الذهني، والإبداع والتنوير والكمال. بينما يُعرّفها الإنثروبولوجي البريطاني إي. بي تايلور في مؤلفه «الثقافة البدائية» 1871 بأن كلمة ثقافة تعني كل ما يكتسبه المرء من قيم وعادات وتقاليد ومعارف وفنون وقانون وأخلاق، بوصفه عضواً في المجتمع. ورغم المزيد من التعريفات المتواترة للثقافة، إلا أنها لم تخرج عن تعريف تايلور وتوصيفه العام للثقافة.
الثقافة في اللغة العربية
ويبدو أن مفهوم الثقافة في اللغة العربية يختلف تماماً عن جذرها الأوروبي، الذي يعني (فلاحة الأرض) كما في لاتينية العصور الوسطى. أما ما يعنيه المصطلح في اللغة العربية فهو (الحذق في الشيء)، فمعنى ثقف الشيء، أي.. أجاده وحذقه وفهمه. كما أن كلمة (مثقف) لا تعني مُنتِج الثقافة، بل (الرُمح). فكلمة مثقف حيث المعنى والمفهوم، جاءت من الاحتكاك بالغرب والاقتباس منه، وربما لا يتجاوز عمرها أكثر من قرنين من الزمان.
علم اجتماع الثقافة
ومن الثقافة إلى (علم اجتماع الثقافة) الذي يُعرّفه الكاتب بأنه مجموعة من السُبل والطرائق والمنهجيات الخاصة التي تعنى بمقاربة الظواهر الثقافية في علاقتها بالمجتمع والتأثير المتبادل في ما بينها وبين المجتمع. بمعنى.. دراسة الأشكال الثقافية في سياقها الاجتماعي، من دون الدراسة من وجهة نظر أدبية أو فلسفية أو تاريخية. ويُشير الكاتب من هذه الوجهة إلى أنه يمكن دراسة العديد من الأنظمة والأنساق الفكرية والاعتقادية، وصولاً إلى الفن والممارسات الطقسية واليومية، مثل.. الدين، الأيديولوجيا، اللغة، الأعراف والعادات والتقاليد.
اجتماع الثقافة والاجتماع الثقافي
ويُفرّق الكاتب بين مصطلحين، من حيث المادة، التي تتم دراستها من خلالهما، فـ(علم اجتماع الثقافة) يعنى بالنظريات السوسيولوجية، التي تعنى بالثقافة بمعناها الأعم والأشمل. أما (علم الاجتماع الثقافي) فيختص بنظرية سوسيولوجية محورها الثقافة، كالقيم والمعتقدات والأفكار. مع ملاحظة التداخل الكبير في الآونة الأخيرة بين علم اجتماع الثقافة و(الدراسات الثقافية).
الثقافة والمجتمع
حسب تعريف أنتوني غدينز في مؤلفه «علم الاجتماع»، فإن «جميع المجتمعات تتميز بصفات مشتركة، منها أن ثمّة بنية من العلاقات الاجتماعية تنتظم أعضاءها وتنظمهم وفقاً لتوجهات ثقافية فريدة ومتميزة». بمعنى أن هذه التوجهات الثقافية هي التي تميّز مجتمع عن آخر، وتمنحه خصوصيته وتفرده. وما التنوع بين الشعوب إلا تنوع في ثقافة هذا الشعب أو ذاك. من ناحية أخرى يؤثر كل من المجتمع والثقافة أحدهما في الآخر بشكل لا ينفصم، فهناك تغيرات ثقافية يتغيّر من خلالها شكل المجتمع، وكذلك تغيرات اجتماعية تؤثر مباشرة على ثقافته، من خلال منظومة القيم التي تختلف من فترة لأخرى، وتصبح بدورها مناسبة لعلم الاجتماع من وجهة نظر تاريخية. فهناك علاقات قوى تُصاغ من خلالها منظومة فكرية وثقافية، تعبّر عن العلاقات الجديدة الناشئة عن هذه القوى وتفاعلاتها. وهو ما يؤكده ارتباط الثقافة بالوعي الذاتي للأفراد والجماعات، والواقع نفسه وشروطه من جهة أخرى.
ماركس ودوركهايم وفيبر
ومن خلال وجهات نظر مختلفة عن الثقافة ودور الفرد في التأثر بها، أو إنتاجها، بمعنى مَن الذي يصوغ الآخر؟ يرى كارل ماركس أن الثقافة تعبّر عن مطامح الطبقة المسيطرة، وتمثل تبريراً للطبقة البورجوازية في المجتمع الرأسمالي، فالعوامل الاقتصادية هي التي تحدد طبيعة الثقافة. بينما يرى دوركهايم، أن الثقافة أو (الوعي الجمعي) كما أطلق عليها، فهي نتاج المجتمع، ومن الصعب فكاك الفرد من هذه البنية المُتحكمة. وعارضه في ذلك ماكس فيبر، الذي رأى أن الثقافة هي جهد فردي وقائم على الإرادة، بخلاف الوعي الجمعي الذي قال به دوركهايم، فـ(الفاعل) هنا يلعب الدور الرئيس في إنتاج الثقافة، ويستطيع التخلص من والوعي الجمعي عن طريق الوعي الفردي. بمعنى أن الأفراد يستطيعون من خلال ما يحملونه من أفكار ومعتقدات أن يشكلوا مجتمعاتهم وثقافاتهم. فإرادة الفرد الواعية هي ما تجعله فاعلاَ في واقعه، والقادر على تشكيله. وفيبر بذلك يُخالف ماركس أيضاً فيغلب العوامل المثالية على العوامل المادية في فهم وتحليل قوانين الثقافة وكيفية تفاعلاتها في المجتمع.
اجتماع الثقافة العربي
يُشير الكاتب إلى أن علم الاجتماع العربي الحديث تجاوز القرن، ونشأ في مصر، من خلال جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية في القاهرة، على يد علماء اجتماع وإنثروبولوجيا غربيين، ويذكر منهم.. إيفانز بريتشارد، آرثر هوغارت، رادكليف براون. ومع مرور ذاك الوقت لم تحظ (الثقافة) بما يتناسب وأهميتها من قِبل السوسيولوجيا العربية، إلا من بعض الاهتمامات الجزئية، كعلم اجتماع الأدب أو الرواية أو المسرح، لذلك لم يتوافر حتى الآن تراكم معرفي في سوسيولوجيا الثقافة.
مؤلفات متواترة
ويستشهد الكاتب بدراسة التونسي الطاهر لبيب في مؤلفه «سوسيولوجيا الغزل العربي.. الشعر العذري نموذجاً» 1981، ويصفها بأنها دراسة رائدة تأسيسية تدخل في مجال علم اجتماع الثقافة، فقد سلط لبيب الضوء على الأسباب السوسيولوجية التي أدت إلى بروز هذه الظاهرة، وفي ذلك الوقت تحديداً، وإلى نتائجها الاجتماعية والفردية، وعلاقتها بالتطور العام للمجتمع العربي الإسلامي عامة والأموي خاصة.
من ناحية أخرى يُشير الكاتب إلى تواتر المؤلفات العربية التي أسهمت في تأسيس هذا العلم، منها.. «علم اجتماع الثقافة» 1982 للمصري قباري محمد إسماعيل، «نحو سوسيولوجيا للثقافة الشعبية» 1979 للبناني خليل أحمد خليل، «الاغتراب في الثقافة العربية» 2006 للسوري حليم بركات.
وفي الأخير يرى الكاتب أن علم الاجتماع العربي ولد مأزوماً، ففي حين كان ميلاد السوسيولوجيا الغربية مرتبطاً بالظروف التاريخية للمجتمع الغربي، نجد أن السوسيولوجيا العربية لم تكن نتاجاً لظروف مجتمعاتها، بل نتاج التبعية للاقتصاد الغربي وثقافته وعلومه، ومنها.. علم الاجتماع.