يستيقظ المرء فجأة صباحاً بشعور أنه وحيد قرن، ويستمر في السير. ولكن هذه “الحيونة” ليست شخصية، بل بنيوية. لقد صاغ يوجين يونسكو هذا المبدأ البنيوي بأسلوب دقيق في مسرحيته العبثية “وحيدو القرن” في العام 1959.
كتب يونسكو المسرحية عقب تجربة أوروبا الكارثية مع الفاشية والشيوعية. ومنذ ذلك الحين، أصبح وحيد القرن رمز الوحشية الاجتماعية، وسلوك القطيع، وانتشار النزعة التوافقية الاجتماعية في ظل صعود أيديولوجيات تدفع “عامة الناس” إلى التخلي عن التفكير بالمستقل. يكتشف الشخص في مجتمع يسيطر عليه وحيد القرن بأنه عرضة للتشويه الأخلاقي، ويتم ابتلاعه قسراً تقريباً من قبل أنظمة اجتماعية مريضة.
دولة إسرائيل في هذا العصر، بشعارها الذي يتمثل بتفوق اليهود، تلبي الكثير من معايير المجتمع المتخلف، حيث يقدم الواقع الإسرائيلي المخيف أمثلة لا حصر لها على ذلك. على سبيل المثال، سن قانون يفرض عقوبة الإعدام على الإرهابيين العرب فقط، واستبعاد كل القوائم العربية من انتخابات الكنيست القادمة، بغض النظر عن إلغاء المحكمة العليا لهذا الاستبعاد، لأن الجمهور العربي الذي يشكل 21 في المئة من عدد سكان البلاد لا يُنظر إليه كشريك شرعي في تشكيل الائتلاف من خلال ممثليه.
لا يمكن الإشارة إلى الظاهرة الخطيرة التي بحسبها تتم ترجمة أي انتقاد لدولة إسرائيل – الذي لا يجب بالضرورة ربطه بمعاداة إسرائيل – بشكل تلقائي إلى لاسامية، وهذا بحد ذاته إهانة. لقد حسم الأمر لصالح الدولة، والقائمة طويلة. لذلك، من الآن فصاعداً قل: “نحن المذنبون، الخائنون، المخدوعون وإلخ. والعيش في إسرائيل في ظل نظام انقلاب اجتماعي وثقافي، وتحت وطأة احتلال (على وشك ضم زاحف أو في خضم ضم زاحف)، كنمط حياة وتدمير قطاع غزة بشكل شبه كامل وحرب لا تنتهي، مادياً ومعنوياً، ويتم شنها بوتيرة متسارعة على أنغام أغنية “أفضل فأفضل” في المبنى الذي تحيون.
دولة إسرائيل في هذا العصر، بشعارها الذي يتمثل بتفوق اليهود، تلبي الكثير من معايير المجتمع المتخلف، حيث يقدم الواقع الإسرائيلي المخيف أمثلة لا حصر لها على ذلك
في أعمق معانيه، تتجلى الحيونة في المجتمع “المتحيون” المتملق، ويروي لنفسه قصة نرجسية بامتياز، مقطوعة عن الواقع. مثلاً، هو لا يستخدم العنف على الإطلاق (مع أنه يتفاخر بالعنف في كل مكان)، وأنه مجتمع مثالي عادل، وأن أبناءه قديسون، وأن جيشه هو الجيش الأكثر أخلاقية وإنسانية في العالم.
في الوقت نفسه، يحاول كل العالم (يهوداً وغير يهود) تصوير واقع مختلف كلياً من كل الجوانب. مثلاً، إظهار أن دولة إسرائيل تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين، وأن جيشها ينفذ جرائم حرب، وأن حكومتها تأمر بسياسة تجويع المدنيين في زمن الحرب.
غني عن القول إن هذه التصريحات المهذبة كلها، وكل ما يسمى بـ “الأمم المتحدة السخيفة”، وكل ما يسمى (لاهاي) لا قيمة لها في نظر المجتمع المتملق؛ هي لا تساوي شيئاً. ولأن التناقض الصارخ بين الروايتين لا يمكن احتواؤه، يتمسك هذا المجتمع المتغطرس برواية المجتمع المثالي، الطاهر والعادل، أكثر من أي وقت مضى.
بكلمات أخرى، يستمر الإنكار ويتفاقم الشعور بالذنب حيال العنف غير المعترف به. ونتيجة لذلك، يتفاقم العنف الذي يتم إنكاره من البداية.
في هذا السياق، نشاهد تحولاً مخيفاً، من الشعور التلقائي بالذنب – شعور يعجز المجتمع أو يرفض الاعتراف به مثلما في حالة النكبة والاحتلال وكارثة قطاع غزة – إلى عنف متصاعد.
في هذه الفجوة التي ظهرت، يزداد الوحش الكامن فينا قوة. فمن جهة، يصعب إدراك هذا الوحش من الداخل رغم جسده الضخم، وربما بسبب ذلك بالتحديد، ولكن يسهل التعرف عليه من الخارج. ومثلما قيل، يهتف نصف العالم “ها هو وحيد القرن، ها هو وحيد القرن”، لكن هذا الوحش ليس ضعيف البصر فحسب، بل ضعيف السمع أيضاً.
من جهة أخرى، يخبرنا التاريخ الدموي في القرن العشرين، الذي جربه يونسكو على جلده، أن نهاية وحيد القرن الذي تم تسمينه، هي الدمار. وهو ما حدث لأكثر الأنظمة المستبدة قسوة في القرن العشرين.
كانت هناك أيام حلم فيها اليسار الإسرائيلي الانتقادي، الذي وجد جزء كبير منه الملاذ في برلين وضواحيها، بإسرائيل كدولة لجميع مواطنيها. ولكن السنوات التي انقضت والكهانية التي جاءت معها مثل رزمة متكاملة مع المسيح، أثبتت العكس، أي أن إسرائيل أصبحت دولة كل متحيونيها. وهكذا نشاهد مرة أخرى كيف يحلم المفكرون بجدية مفرطة باليسار، في حين يسير “الشعب” والسيد جنباً إلى جنب نحو الغروب في الجانب الأيمن.
عيدان تسبعوني
محرر دار النشر “ريسلينغ” ومؤلف كتاب “من أجل غزة: مقال عن الوجود والعدم”
هآرتس 12/10/2026