صبرا وشاتيلا – «القدس العربي»: 44 عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا، لا يزال ضحاياها وناجوها يستعيدون تفاصيل ثلاثة أيام بلياليها تحولت فيها أزقة المخيم ومنازله إلى مسرح للقتل والخوف.
بين 16 و18 أيلول / سبتمبر 1982، دخل مسلحون من ميليشيات لبنانية إلى صبرا وشاتيلا في بيروت الغربية، بناء على طلب جيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن كان الجيش قد دخل المنطقة وطوق المخيمين في أعقاب اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل.
وتؤكد مصادر منشورة وكذلك شهادات عدد من مسؤولي «القوات اللبنانية» في شهادات بعضهم، كذلك شهادات للناجين، أن من بين الذين دخلوا عناصر إسرائيلية.
وخلال هذه الأيام مارس أبشع أنواع القتل والذبح وتفننوا بقتل النساء والأطفال والمسنين بشكل خاص.
وتتفاوت التقديرات بشأن عدد الضحايا؛ فبعض المصادر تتحدث عن مئات، فيما ترفع مصادر فلسطينية الرقم إلى بضعة آلاف.
وبعد أشهر، خلصت لجنة كاهان الإسرائيلية إلى عدم وجود مسؤولية إسرائيلية مباشرة عن تنفيذ القتل، لكنها حمّلت مسؤولين إسرائيليين مسؤولية غير مباشرة، وقالت إن وزير الأمن آنذاك أرييل شارون تحمّل مسؤولية شخصية عن تجاهل خطر وقوع مجزرة.
وبعد أربعة عقود وأكثر، بقيت الشهادات الفردية جزءا من الذاكرة الأشد حضورا: من شاهد، ومن نجا، ومن عاد ليجد الجثث في الأزقة، ومن ظل ينتظر عدالة لم تأت.
قبل المجزرة
وقبل المجزرة بأسابيع، كانت قوات «منظمة التحرير الفلسطينية» قد غادرت بيروت في إطار ترتيبات أنهت حصار المدينة، وضمن الامريكيون سلامة المدنيين الفلسطينيين الذين بقوا، ثم غادرت القوة متعددة الجنسيات التي كانت دخلت لمواكبة خروج المقاتلين الفلسطينيين.
وفي 14 أيلول / سبتمبر اغتيل بشير الجميل، قائد ميليشيا «القوات اللبنانية» الذي كان انتخب رئيسا للجمهورية. وبعد ساعات اتخذت القيادة الإسرائيلية قرار دخول بيروت الغربية.
وتشير وثائق لجنة كاهان إلى أن دخول الجيش الإسرائيلي بدأ صباح 15 أيلول / سبتمبر، وأن قواته كانت قد أحكمت في اليوم التالي سيطرتها على معظم بيروت الغربية واتخذت مواقع حول المخيمات. وفي مساء 16 أيلول/ سبتمبر دخل المسلحون شاتيلا، واستمرت عمليات القتل حتى 18 من الشهر نفسه.
الأمم المتحدة وصفتها بالإبادة… وبعد كل هذه السنوات العدالة غائبة
وقالت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» إن الجيش الإسرائيلي منع مندوبيها من دخول منطقة المخيمات اعتبارا من 15 أيلول / سبتمبر، قبل أن يتمكنوا من الدخول في 18 منه، حيث وثقوا مقتل مدنيين ووجود جرحى قتلوا في المستشفيات وخطف أشخاص بينهم أطباء
.
وبعد المجزرة بيوم، أصدر مجلس الأمن القرار 521 الذي أدان «المجزرة الإجرامية» بحق المدنيين الفلسطينيين في بيروت. وفي كانون الأول / ديسمبر 1982، تبنت الجمعية العامة لـ»الأمم المتحدة» القرار 37/123 الذي وصف المجزرة أنها عمل إبادة جماعية، وهو توصيف كان موضع خلاف في التصويت والتفسير القانوني.
«القدس العربي» تحدثت إلى ناجين من المجزرة.
محمد الصادق… من حيفا إلى صبرا
محمد الصادق، المعروف بأبو طارق، من مواليد عام 1962، فلسطيني من حيفا ومن سكان منطقة صبرا، وكان دائم الحضور في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين. بالنسبة إليه، لم تكن المجزرة حدثا سمع عنه أو قرأ تفاصيله لاحقا، بل أيام عاشها منذ بدايات التوتر الذي سبقها، حين كانت الأخبار تصل متقطعة عن تحركات عسكرية في محيط بيروت الغربية.
يستعيد أبو طارق ما جرى قبل المجزرة بيومين، حين وقع انفجار كبير في مقر «حزب الكتائب اللبنانية» وأدى إلى مقتل بشير الجميل في 14 أيلول/ سبتمبر 1982. بعد ذلك بدأت أخبار تحركات الجيش الإسرائيلي تصل إلى السكان من مناطق الطريق الجديدة والمدينة الرياضية والجامعة العربية والكولا.
يقول إنهم أرسلوا عددا من الشباب للتأكد مما يجري، ثم بدأوا يتوزعون استعدادا لأي طارئ. لم يكن معهم سلاح كاف، وكان هناك، بحسب روايته، اتفاق مع قوة لبنانية بقيت في المنطقة على مساعدتهم بالسلاح إذا اضطروا إلى الدفاع عن أنفسهم. وبينما كانوا مجتمعين، وصل خبر عن أربعة قتلى في المنطقة.
في تلك الساعات لم يكن الناس متفقين على تفسير ما يحدث. بعضهم قال إن الجيش الإسرائيلي قد يكون وراء الأمر، فيما رأى آخرون أن الصورة لم تتضح بعد.
لكن أبو طارق يقول إن الشباب الذين كانوا معه شعروا أن الخطر يقترب، فاتجهوا نحو المخيم وبدأوا يحثون الأهالي على الخروج.
«كنا كشباب متأكدين أن إسرائيل هي التي عملتها. نزلنا على المخيم وبلشنا نحكي للناس تطلع من هناك».
لم يكن أحد، كما يقول، يعرف أن الساعات التالية ستفتح الباب أمام ثلاثة أيام من القتل.

وعندما دخل المسلحون إلى المخيم كان الظلام شديدا، فيما ظهرت الدبابات على الأطراف. وحسب شهادته، كان المهاجمون من عناصر «جيش لحد» و»الكتائب»، تحت حماية الجيش الإسرائيلي.
ويختصر أبو طارق المشهد بجملة بقيت عالقة في ذاكرته: «قتلوا كثير ناس، فعليا ما تركوا حدا طلع قبالهم».
المستشفى لم يكن ملاذا
يتذكر أبو طارق أن الخوف لم يقتصر على الأزقة والبيوت.
حتى المرافق الطبية لم تكن بمنأى عن العنف. ويستعيد ما جرى في مستشفى عكا، حيث قال إن مسلحين اقتحموا المكان، وقتلوا أطباء وممرضين ومرضى فلسطينيين.
وتتقاطع شهادته هنا مع ما وثقته «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، التي قالت إن مئات من النساء والأطفال والمسنين قتلوا، وإن جرحى قتلوا في أسرّتهم، فيما خُطف آخرون، بينهم أطباء. بالنسبة لأبو طارق، بقيت تلك المشاهد دليلا على أن المدنيين لم يجدوا مكانا آمنا يلوذون به.
وحين يتحدث عن العدالة، لا يتوقف عند عدد القتلى بقدر ما يعود إلى قصص العائلات: طفل فقد والديه، ومريض لم يخرج من المستشفى، وطبيب تحول من محاولة إنقاذ الناس إلى ضحية. يقول إن العقود التي مرت لم تمنح عائلات كثيرة ما كانت تنتظره من محاسبة.
بالنسبة إليه، صبرا وشاتيلا ليستا اسما في كتاب تاريخ، بل مكانا عاش فيه الناس وفقد فيه آخرون حياتهم. والذاكرة، كما يراها، لا تحفظ الأرقام وحدها، بل وجوه من رحلوا وأصوات من حاولوا النجاة.
كفاح عفيفي… ذاكرة المخيم والاعتقال
من الشهادة الأولى إلى شهادة كفاح عفيفي، الناشطة الفلسطينية والأسيرة المحررة السابقة، تتكرر صور الخوف نفسها، لكن من زاوية عائلة أخرى. تنحدر عائلة كفاح من بلدة ياجور في قضاء حيفا، وهُجّرت إلى مخيم شاتيلا عام 1948. وفي المخيم عاشت طفولتها وشبابها، قبل أن تنخرط لاحقا في المقاومة الفلسطينية في لبنان.
في عام 1988 شاركت في محاولة لتنفيذ عملية فدائية، وأصيبت بجروح بالغة قبل اعتقالها، ثم نُقلت إلى معتقل الخيام في جنوب لبنان، وأفرج عنها عام 1994. لكن قبل تجربة الاعتقال بسنوات، كانت قد عاشت مجزرة صبرا وشاتيلا وشاهدت ما تركته في عائلتها وجيرانها.
«تهجرنا على مخيم شاتيلا سنة 48»، تقول كفاح، مستعيدة المكان الذي حمل بالنسبة إلى عائلتها معنى اللجوء، قبل أن يتحول في أيلول / سبتمبر 1982 إلى مساحة للموت.
«حسيت يومها كأنه يوم القيامة»
تقول كفاح إن العائلات كانت مجتمعة عندما بدأت أصوات القنابل والانفجارات. ومع ارتفاع الخوف، بدأت والدتها تصرخ: «لازم نروح على الملجأ».
خرج أفراد العائلة وسط الفوضى، فيما كان القناصة في المنطقة، والناس يحاولون معرفة ما يجري ومن بقي ومن اختفى. وتقول إن وفدا خرج للتفاوض، قبل أن يصلهم خبر أن الذين ذهبوا قتلوا.
ورغم ذلك، أصرت والدتها على متابعة الطريق نحو الملجأ. لكن الظلام والخوف والفوضى أدت إلى تفرق أفراد العائلة. تستعيد كفاح تلك اللحظة بقولها: «ضيعنا حالنا، الدنيا عتمة، وبطلنا نعرف وين الباقيين. حسيت يومها كأنه يوم القيامة».
ومع عودتها إلى تفاصيل ما شاهدته، تتوقف عند صور بقيت عصية على النسيان. تقول: «ما بنسى آمال، اللي لقيناها بطنها مفتوح بالنص، ومطلعين الجنين وحاطينه على إيديها. من المشاهد اللي ولا يمكن أنساها».
وتتذكر أيضا جيرانها من بيت سالم، الذين حاولوا حماية أطفالهم بطريقة ظنوا أنها قد تنقذهم، فألبسوهم مرايل الأطباء. تقول إن ذلك لم يحمهم، وإن أفراد العائلة قتلوا.
عودة اليوم الثالث
كانت عائلة كفاح من العائلات التي فقدت عددا من أفرادها في المجزرة. وعندما عادوا في اليوم الثالث، كانت الجثث لا تزال في المكان.
تقول: «الجثث على الأرض، وأغلب الناس منفوخة. من أفظع المشاهد اللي ولا ممكن تنمحى من ذاكرتي».
هكذا بقي شاتيلا في ذاكرتها بيتا ومخيما ومسرحا للفقد في آن واحد. لم تعد الأزقة مجرد طرق بين البيوت، بل صارت مرتبطة بأسماء أشخاص غابوا وبصور ظلت حاضرة بعد عقود.
العدالة الغائبة في شهادتين
تقول كفاح إن ما ترسخ في ذهنها بعد المجزرة هو شعور عميق بالظلم الذي لحق بالفلسطينيين. وتتذكر أن كثيرين تضامنوا مع الضحايا والناجين، وأن اسم صبرا وشاتيلا بقي حاضرا في النقاش العام والذاكرة العالمية.
لكن سؤال العدالة بالنسبة إليها لم يغلق. تقول: «كثير ناس تضامنت معنا يومها، ولحد هاللحظة هالمجزرة كل الناس بتحكي فيها، بس إنه في عدالة؟ الأكيد لأ».
بعد 44 عاما، تلتقي شهادة كفاح مع شهادة أبو طارق في نقطة واحدة: أن مرور الزمن لم يحول المجزرة إلى ماض بعيد. فبالنسبة لمن عاشوا تلك الأيام، الذاكرة ليست سردا تاريخيا مجردا، بل حياة انقسمت إلى ما قبل المجزرة وما بعدها. وبين الأرقام المتفاوتة والتحقيقات والقرارات الدولية، تبقى روايات الناجين شاهدة على تفاصيل لا تحملها الإحصاءات: أسماء الناس، خوف العائلات، محاولات الهرب، والجثث التي بقيت في الأزقة، والأسئلة التي لم تجد جوابا حتى اليوم.