إدارة ترامب تبالغ في تقدير الانقسامات داخل النظام الإيراني ولا تزال تجهل دينامياته


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعدته نحال توسي، قالت فيه إن ديناميات النظام الإيراني خادعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرغم النقاشات الحادة حول الأساليب الواجب اتخاذها، فإنه لم يتفكك بعد.

وقالت إن من الجوانب الغريبة للمواجهة الأمريكية مع إيران، أنه في هذا العصر الحديث للحروب المتقدمة، تم نسيان بعض الأساسيات. أشياء مثل: التأكد من امتلاكك أسلحة كافية، والحفاظ على دعم حلفائك، وتحديد هدفك النهائي بوضوح، والأهم من كل هذا “معرفة عدوك”. فإدراك نقاط قوة عدوك وضعفه هو مفتاح معرفة كيفية هزيمته.

وفيما يتعلق بالنظام في طهران، يبدو أن إدارة ترامب لا تزال في المراحل الأولى من التعلم.

ومن الدلائل الواضحة على ذلك تأكيد الإدارة على أن النظام الإيراني منقسم أو متشرذم لدرجة أنه لا يستطيع حتى التفاوض بفعالية.

وفي بعض الأحيان، يبدو الرئيس ترامب ومساعدوه، بمن فيهم أولئك الذين تفاوضوا مع مسؤولين إيرانيين، محبطين أو حتى متفاجئين تماما من هذه الديناميات.

ففي نيسان/أبريل، ادعى ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن الحكومة الإيرانية “متصدعة جدا”، وفي الشهر الماضي، اشتكى في تجمع انتخابي من أن إحدى أكبر مشاكله مع طهران هي “لا أعرف مع من أتعامل”.

وقال أحد مساعدي ترامب لمراسلين للمجلة، بشكل منفصل، إن “فصائل” النظام لديها أهداف “تختلف اختلافا جذريا في بعض الأحيان”، مضيفا: “إنهم يغيرون أهدافهم باستمرار”. وهذا ليس كلاما جديدا، لأن النظام الإسلامي الإيراني لم يكن يوما متجانسا، وينبغي على كل من هم في الدوائر العليا لإدارة ترامب، نظرا للمخاطر التي يتحملونها في هذه الحرب، أن يدركوا ذلك.

وقالت توسي إن النظام يتألف من طبقات وعناصر متعددة تتجادل فيما بينها وتتنافس على النفوذ، لا سيما مع المرشد الأعلى. ومع ذلك، ظل النظام متماسكا لما يقرب من خمسة عقود، حتى خلال حروب دامت سنوات، ولم يشهد أي انقسامات.

ومع أن المرشد الأعلى الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، لا يمثل قوة دافعة ظاهرة، إلا أن ذلك لا يعني وجود انقسامات. وقد أقر مسؤول أمريكي مطلع على سياسة فريق ترامب بالشرق الأوسط قائلا: “لا شك أن هناك نقاشات جادة داخل النظام الإيراني، لكن هذا ليس بالأمر الجديد، ومجتبى عنصر غير متوقع لأنه جديد وغير معروف، ولكن لا توجد حتى الآن أي مؤشرات علنية على انقسامات أو تصدعات غير مسبوقة أو مزعزعة لاستقرار النظام”.

ويرفض البيت الأبيض رسميا هذه التحليلات، حيث قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي: “هذه تحليلات لمحللين يتكهنون وهم جالسون على الأريكة. وفكرة أنهم يفهمون الموقف الإيراني أفضل من المفاوضين الأمريكيين الذين تحدثوا بالفعل مع الطرف الآخر، هي فكرة سخيفة”.

وتعلق توسي قائلة إنه بالنسبة لأي شخص جديد على هذا الموضوع، فمن السهل الانجذاب إلى فكرة كشف واستغلال ما يبدو أنه ثغرات في نظام قمعي.

فإيران تبدو في وضع هش بشكل غير عادي. فرغم استعراضها لقوتها في مضيق هرمز، إلا أنها لم تكن معزولة أو تواجه ضغوطا كما هي الآن. فقد تعرضت مؤسساتها العسكرية وترساناتها لضربات قوية وقتل العشرات من كبار قادتها في الأيام الأولى للحرب، بمن فيهم مرشدها الأعلى آنذاك. وهي تخضع لحصار بحري أمريكي، وتواجه المزيد من العقوبات، ولا تزال تتعرض للغارات الجوية الأمريكية. وفي الأسابيع الأخيرة، أصبحت النقاشات الداخلية للنظام أكثر وضوحا.

فقد سعى بعض المسؤولين الإيرانيين، مثل الرئيس مسعود بزشكيان، إلى إعادة تنشيط الدبلوماسية، مدركين خطورة الوضع الاقتصادي الإيراني. وفي المقابل، دعا آخرون إلى مواصلة المقاومة بالتشكيك في مصداقية مذكرة التفاهم التي أبرمت مع واشنطن، والتي لم تعد سارية المفعول. ووصفت إحدى وسائل الإعلام الإيرانية المتشددة مذكرة التفاهم بأنها “ورقة فارغة” و”خسارة واضحة لنا”.

وقالت توسي إن مجتبى خامنئي لم يظهر بعد علنا منذ إصابته بجروح خطيرة في بداية الحرب، بحسب التقارير. لكنه أجرى تغييرات في فريقه الأمني، فضم شخصيات ينظر إليها على أنها متشددة، وربما تكون حريصة على تجنب الدبلوماسية.

كما اتسمت بعض تصريحات مجتبى خامنئي العلنية حول الحرب بالغموض. فعلى سبيل المثال، وافق على مذكرة التفاهم، وهي لحظة حاسمة، لكنه قال أيضا في بيان مكتوب: “من حيث المبدأ، لدي رأي مختلف”.

وعندما ناقشت توسي التطورات الأخيرة في إيران مع عدد من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين الذين يتابعون عن كثب أزمة إيران، اتفقوا جميعا على أن التباين داخل النظام الإيراني أمر عادي.

وخلاصة القول بالنسبة للكثيرين هي أن النظام، الذي صمد رغم اغتيال العديد من كبار مسؤوليه، يبدو مسيطرا تماما على الوضع في الوقت الراهن.

ويتمتع الحرس الثوري الإسلامي بنفوذ كبير. أما الخلافات الداخلية فتتعلق بالتكتيكات لا بالإستراتيجية.

وعلقت الكاتبة قائلة إن الغموض في كلام المرشد الحالي، مجتبى خامنئي، لا يختلف عن مواقف والده الذي قتل في بداية الحرب، فقد كان يصدر تصريحات تحتاج إلى تفسيرات. ولم يبد آية الله علي خامنئي سوى موافقة مترددة على الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع الولايات المتحدة عام 2015. ويبدو أن المواقف المبهمة كانت وسيلة لمنح نفسه هامشا للمناورة مع مختلف الفصائل التي كان يشرف عليها في حال انهيار الأمور، كما حدث عندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018.

وقالت الزميلة في تشاتام هاوس، سنام وكيل، إنه لا ينبغي لفريق ترامب التفاوضي أن يندهش إذا لم يقطع المفاوضون الإيرانيون وعودا دون الحصول على موافقة من جهات أخرى في طهران. وأضافت وكيل: “إنه نظام قائم دائما على التفاوض الداخلي والتوافق، لذا يسعى الجميع دائما لحماية مصالحهم”.

وترى توسي أن النقاشات الداخلية الإيرانية لا تختلف كثيرا عما نراه من إدارة ترامب، وذلك حسب محادثاتها مع عدد من المسؤولين.

فنائب الرئيس جيه دي فانس أقل تشددا تجاه إيران من وزير الدفاع بيت هيغسيث، على سبيل المثال. كما أن الكونغرس منقسم أيضا، وإن كان ذلك بسبب مخاوف الجمهوريين من معارضة ترامب، ما يجعله لا يتدخل بالقدر المعتاد. ثم هناك ترامب نفسه، الذي يغير رأيه باستمرار، وأحيانا في نفس اللحظة.

وتعتقد الكاتبة أن المبالغة في التركيز على انقسامات النظام قد تؤدي إلى تفويت إدارة ترامب فرصا إستراتيجية. وهذا صحيح في حالة فشل حملات الضغط العسكري والاقتصادي الأمريكية.

ومن هنا، فاختيار خامنئي لمستشاريه يعتبر مؤشرا مهما، وقد لاقى تعديله الأخير لفريق الأمن القومي، ردود فعل متباينة من المطلعين على خبايا الحكومة الإيرانية.

ويرى بعض المعلقين أن هذا التعديل إشارة إلى أن إيران تتخذ موقفا أكثر تصادمية مع الولايات المتحدة. بينما يرى آخرون أن هذه التغييرات تعكس جهود خامنئي لترسيخ نفوذه وبسطه داخل إيران، حيث يشعر كثير من المواطنين باستياء عميق من قادتهم.

ويرى علي واعظ، من مجموعة الأزمات الدولية، والمتواصل مع مسؤولين إيرانيين وأمريكيين، أن أي محاولة من ترامب لتوسيع الانقسامات داخل النظام الإيراني ستكون على الأرجح عبثية. وإذا كان هناك ما يوحد قادة إيران، فهو رغبتهم في الصمود في وجه هذه العاصفة.

ويقول واعظ: “هؤلاء الناس في قارب واحد، إما أن يغرقوا معا أو ينجوا معا”. إلا أن بهنام بن طالبلو، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية المتشددة، والمتواصل مع عدد من صناع القرار الغربيين بشأن إيران، يرى أن الوقت قد يصنع الفارق. فقد يكون قادة النظام متحدين في الوقت الراهن في محاولتهم للبقاء ومقاومة التدخل الخارجي. لكن على المدى البعيد، قد يؤدي الضغط الخارجي إلى ظهور عيوب أو خلل وظيفي يدفع النظام إلى ارتكاب أخطاء في الداخل أو الخارج. و”باختصار، دوامة الموت”، كما يقول بن طالبلو.

وهو ما أشار إليه وزير الخزانة، سكوت بيسنت، قبل أيام، وهو يعلن عن عقوبات أمريكية جديدة على إيران، حيث حث القوات الإيرانية على تحدي النظام. وتتفق أريان طباطبائي، المسؤولة في البنتاغون خلال إدارة بايدن، على أن التحديات طويلة الأمد التي يواجهها النظام قد تنبع من داخل البلاد، مع تزايد استياء المواطنين من الحكم والفساد والتحديات الاقتصادية.

لكنها حذرت من أن هذا السخط الإيراني تحديدا، الذي أدى إلى احتجاجات جماهيرية وعمليات قتل جماعي في أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، هو ما دفع العديد من الصقور الأمريكيين إلى الاعتقاد، خطأ، بأن النظام بات جاهزا للإطاحة به.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *