فنتازية الواقع وغرائبية الحكاية في رواية «قاهرة اليوم الضائع»


لا تبدو العلاقة بين النص الأدبي، خاصة الرواية، وبين البيئة علاقة طردية، بل هي علاقة تصل إلى حدّ التوأمة، وهو ما يمكن التأكد منه من خلال رواية «قاهرة اليوم الضائع» للروائي إبراهيم عبد المجيد، الصادرة عام 2024 عن منشورات المتوسط، حيث كانت البيئة قد استُلّت من تاريخ المكان ومن بيئته، ومن تحليق المخيّلة في واقعية الأحداث، ومن ديمومة الحكاية وفاعلية الفكرة.

العنوان وتفكيك الدلالة

العنوان هو المفتاح الرئيسي لتفكيك بنية الرواية وفهم دلالاتها العميقة، فهو ليس وصفا مجردا لحدث عابر، بل هو تكثيف فلسفي ونفسي لحالة «الفراغ» التي يعيشها بطل الرواية والمجتمع المصري في لحظة زمنية محددة، فالعنوان يشي بالبيئة والمكان الذي تدور حوله الأحداث، فالقاهرة ليست المكان الجغرافي فقط، بل هي «القاهرة» بوصفها مركز الثقل التاريخي والثقافي والسياسي للبلاد، وهي الكيان الذي يمتد من عماراتها الخديوية إلى شوارعها الصاخبة، التي تحوّلت في هذا اليوم إلى «مسرح فارغ»، فيكون الزمن الذي يربط طرفي البيئة هو الزمن، حيث «اليوم الضائع» يشير إلى يوم دعا فيه البعض إلى التظاهر، ولم يلبِّ الدعوة أحد. وهو بذلك يكون عنوانا يضفي صبغة «الضياع» على هذا اليوم، فهو يوم لم يكتمل كحدث سياسي لأنه لم يقع، ولم يكتمل كحياة طبيعية لأن الدولة استنفرت أمنيا وأغلقت المدينة. إنه يوم «مفقود» من عمر الزمن ومن عمر القاهرة. هذا العنوان هنا هو «المدخل السحري» للنص، فمن دون هذا «اليوم الضائع» لما كان البطل قد خرج في رحلته الغرائبية، ولما كانت القاهرة قد كشفت عن وجهها الأسطوري الحزين. هو عنوان يختزل حالة «الاستلاب» التي يعيشها الفرد في القاهرة، حيث تصبح المدينة مجرد ذكرى جميلة أو فضاء صامتا في يومٍ معطّل عن الحياة.

أثر الحكاية

إن للرواية أكثر من سبيل لحكايتها، فهي تناقش ما حصل من تظاهرات شهدتها مصر والقاهرة في يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني، في سياق دعوات للتظاهر لم يستجب لها أحد، حيث امتلأت شوارع القاهرة بالشرطة وأُغلقت المحلّات، ما جعل المدينة تبدو خالية من سكانها ومزدحمة بالأمن فقط. لكن الروائي يجنح إلى استخدام الخيال كبديلٍ للواقع، لنقل الفكرة من واقعيتها إلى محوريّتها، من عين الراوي الذي ينوب عن الروائي، حيث يجد في خلو شوارع القاهرة فرصة تاريخية للتجوّل وتأمّل المدينة التي يحبها بعيدا عن صخب المارّة. ولأنه لا يستطيع الخروج فعليا بسبب الحظر والانتشار الأمني المكثف، يقوم «بالتجوال» عبر خياله الواسع وهو في منزله. بمعنى أنه أراد أن تكون الرحلة في عالم الموتى، جولة خيالية، يلتقي البطل بشخصيات من أزمنة غابرة، جميعهم من الموتى، حيث لا يُسمح للأحياء بالتجوال في هذا «اليوم الضائع». فيظهر في جولته شخصيات مثل الملك فاروق، وفنانين، وشخصيات من التاريخ الاجتماعي للقاهرة. وتكون كوثر هي الاستثناء، وهي الشخصية الوحيدة التي تكسر هذه القاعدة، وهي مرشدةٌ سياحيةٌ تشعر روحها بجولة البطل الخيالية، فتذهب إليه، وتصبح حكايتها وأسئلتها هي الجسر الذي يربط الرواية بين الواقع والماضي والخيال. فالرواية مكتوبة كسردٍ متّصلٍ، من دون فصول أو تقطيع، ما يعزّز فكرة أنها «يوم ضائع» يتم استعادته دفعة واحدة من الوعي والذاكرة.
إن هذه الحكاية اعتمدت في تشكيلها على عددٍ من الثيمات، منها نوستالجيا القاهرة، حيث تحتفي الرواية بمعمار القاهرة الخديوي، وتاريخ شوارعها ومبانيها العريقة. وهي تنتقد الواقع بلغة ساخرة ومبكية في آنٍ واحد، تناقش التغيرات التي طرأت على المدينة، من تردّي الأذواق، مثل أغاني العشوائيات مقابل زمن الفن الجميل، إلى حالة الخوف والقمع التي تجعل حتى التفكير خطرا. وهو ما يجعل الرواية محاولة أدبية لاستعادة «القاهرة» الضائعة بين مطرقة الواقع الأمني وسندان التحوّلات الاجتماعية، وهي وثيقة خيالية لمدينة يراها البطل تحتضر أو تتغير إلى درجة لا يعرفها.

الفكرة والحدث

الروائي لا يقدّم سردا مجرّدا لحدث عابر، بل سعى إلى تمرير رؤيةٍ فلسفيةٍ ووجوديةٍ معقّدة تجاه المدينة والزمن والمصير الإنساني. فهو يتناول القاهرة بوصفها «كائنا حيا»، ويعتقد أنها لم تعد تلك المدينة التي يعرفها البطل. إنه يريد القول، إن المدينة تخسر روحها؛ فالعمارة الخديوية، وذكريات الشوارع، والطبقة الوسطى التي كانت تشكّل وعي المدينة، كل ذلك يتلاشى أمام التغييرات العمرانية والاجتماعية المتسارعة. والرواية هي «رثاء» لمدينة كانت يوما ما عاصمة للفن والجمال، وأصبحت الآن مكانا غريبا حتى على أهلها.
والحدث الذي ذكرناه كان بهدف التحرّر عبر الخيال، والهروب من السجن الواقعي، باعتباره رمزا لذلك، فيلجأ إلى الخيال كمنفذ وحيد للحرية. فالبطل/الراوي لا يستطيع الخروج جسديا بسبب الظروف الأمنية، لكنه يخرج «روحيا» ويستحضر التاريخ. والفكرة هنا هي أن الكتابة أو الخيال هو الوسيلة الوحيدة للتمرّد على الواقع الراهن، والتحرر من قيود الزمن الذي يفرضه الآخرون، سواء السلطة أو المجتمع. وهو ما يأتي، وفق هذه الفكرة، إلى المصالحة مع الموت والماضي، من خلال الحوارات التي يجريها البطل مع الشخصيات التاريخية والموتى. يريد الكاتب إيصال فكرة أن الماضي ليس ميتا تماما، فنحن نعيش على تراكمات هذا الماضي، وتجاربنا الحالية هي امتداد لقصص من رحلوا. والمصالحة مع هؤلاء الموتى هي محاولة للمصالحة مع الهوية؛ فبقدر ما نفقد صلتنا بأسلافنا، نفقد صلتنا بأنفسنا، ما جعله بحاجة إلى نقد ما يسمّيه «ثقافة المسخ»، بالمقارنة المستمرة بين «القاهرة الجميلة» التي يراها في خياله، والقاهرة الحالية، بأغانيها وممارساتها، فيوجّه نقدا حادا لـ»التردّي الثقافي». بمعنى أن الراوي/الروائي أراد ترسيخ فكرة أن «الكتابة هي فعل مقاومة» عبر سرد هذا اليوم الضائع، محاولا «إنقاذ» المدينة من الضياع الأبدي، وأن الفرد قادر على استعادة كرامته وجماله الداخلي، طالما بقيت لديه القدرة على التخيل والذاكرة. فالرواية هي محاولة لإثبات أن «القاهرة لم تمت»، طالما أن هناك كاتبا لا يزال يتذكر.

البيئة واستلهامها

لقد استلهم عبد المجيد البيئة/المكان ليس نقلا فوتوغرافيا مجردا للشوارع، بل هو عملية تأمّل وتفكيك لبيئة عاشها وتأثر بها عبر سنوات طويلة، من خلال ذاكرة العمارة. فالكاتب ينتمي إلى جيل عاش القاهرة في أوج كلاسيكيتها، لذا استلهم الشوارع التي يصفها، ووسط البلد، وعماراتها، وتفاصيل الزخارف، ليس بوصفها أماكن للمرور، بل كـ»مخازن للذكريات». لكنه هنا لا يصف المبنى، بل يصف «الروح» التي تسكن هذا المبنى، ليدخل في عمقه ويجعلها مستلهمة من شغفه الشخصي بتاريخ القاهرة العمراني.
إن البيئة كانت «اللحظة الراهنة». فهو لم يتناول البيئة السبعينية أو الثمانينية فحسب، بل التقط تفصيلة يوم 11 نوفمبر بكل ما يحمله من توتّرٍ أمني، وحظر، وشعور بالفراغ. مثلما استلهمها من المناخ العام للشارع المصري في لحظات الأزمات. الهدوء المريب، وغياب الناس، وانتشار الشرطة، كلها تفاصيل بيئية واقعية حقيقية قام بتوظيفها ليصنع منها مناخا غرائبيا فانتازياً، ولم يكتفِ بالاستلهام المادي، بل استلهم البيئة الثقافية. فالقاهرة في نظره مدينة مليئة بالأشباح والأساطير الشعبية، عبر حكايات الجدّات، ومن الأغاني القديمة، ومن الشخصيات التاريخية التي سكنت المدينة. فاستحضار الموتى في الرواية هو استلهام مباشر لثقافة البيوت القديمة التي يؤمن الناس فيها بأن الموتى يظلون موجودين في أركان المكان.
ولهذا فإن البيئة كانت حاضرة أيضا من خلال مراقبة «التحول والمسخ». فهو يقارن بين بيئة الأمس التي كان يسكنها المثقفون والعشاق والسينما، و»بيئة اليوم» التي تسيطر عليها المهرجانات، والصخب العشوائي، والجمود. وهذا التباين هو جوهر الاستلهام للبيئة، لكنه لا يكتب عن بيئته الحالية حبا فيها بالضرورة، بل ليدق ناقوس الخطر حول ما آلت إليه «جغرافيا المعنى» في هذه المدينة. وكل هذه السبل جاءت من خلال تجربته الشخصية. فهو لم يبتعد عن بيئته في هذه الرواية، بل جعل نفسه جزءا من مكوّنات المدينة. فأصبحت البيئة هنا ليست خلفية للأحداث، بل هي تجويف داخلي في روح الكاتب.

تنوّع الأماكن

تزخر الرواية بأماكن عديدة، لكنها تتجمّع في قلب القاهرة، وتتشكّل هذه الأماكن كشخصياتٍ موازيةٍ للأبطال، حيث تمتزج الحقيقة بالتاريخ والخيال. فهناك وسط البلد، الذي يعد المكان الرئيسي والمحرّك لأحداث الرواية. يخرج الكاتب العجوز متجوّلا في شوارعها بحثا عن المتظاهرين، ليجدها بدلا من ذلك خالية وموحشة. ووسط البلد هنا ليست مجرد منطقة جغرافية، بل هي «متحف مفتوح» للعمارات القديمة والطرز المعمارية التي تأخذ الكاتب إلى ذكريات زمن مضى. وكذلك مقهى ريش، حيث يعد من أهم المعالم في الرواية، وهو نقطة التقاء الماضي بالحاضر، والمكان الذي يظهر فيه بعض الموتى أو الشخصيات الغامضة. فالمقهى يمثل رمزا للثقافة والتاريخ في القاهرة، والمكان الذي يتقاطع فيه خياله مع واقع الشارع،
وهناك كذلك العمارات القديمة، فقد كانت في الرواية ليست مباني مجرّدة، بل لها أرواح وقصص. فهي الشخصية الغامضة، العملاق الذي يقابل الكاتب، الذي يمتلك القدرة على تحريكها، أو تغيير أماكنها. كل عمارة يمرّ بها الكاتب تستدعي في ذهنه أحداثا تاريخية أو شخصيات عاشت فيها، مما يجعل العمارات تبدو وكأنها كائنات تتنفس وتتألم.
وهذه العمارات تتفرّع إلى أزقةٍّ وحارات، حيث يتجوّل الكاتب في أزقّةٍ ضيّقةٍ وجانبية في وسط البلد، وهي الأماكن التي تظهر فيها الشخصيات الأكثر غرابة، مثل المرأة الصماء البكماء العمياء، أو العائلات التي يبدو أنها تنتمي إلى زمن قديم. هذه الأزقة تمثل البرزخ أو المنطقة الفاصلة بين عالم الأحياء وعالم الموتى.
حتى إنه حوّل الشوارع الخالية إلى بطل في الأحداث، فقد تحوّلت شوارع وسط البلد الشهيرة بصخبها إلى شوارع صامتة تماما وخالية، وهذا الفراغ هو ما يمنح الكاتب الفرصة «ليرى» ما لا يراه الناس في الأيام العادية. الصمت والفراغ في الشوارع هما «المكان» الذي يسمح بظهور الموتى والخيال، وهذه كلها متصلة ببيت الكاتب الذي يمثل نقطة البداية والنهاية، وهو «الملاذ الآمن» حيث توجد الزوجة، ويمثل الواقع الذي يعود إليه الكاتب بعد كل رحلة يقوم بها في شوارع القاهرة الخيالية.

فاعلية الشخصيات

تدور الأحداث حول شخصيةٍ رئيسيةٍ واحدةٍ تقوم فاعلية السرد على استنطاق كلّ ما له علاقة بها، وهي شخصية الكاتب الذي يقرّر الخروج في يوم التظاهر، لكنه يحتاج إلى شخصياتٍ أخرى تظهر في الرواية، فيجعلها شخصياتٍ خارجة من سياق الواقع أو الموت أو الخيال. فشخصية البطل/الراوي الذي يعاني من التقدّم في العمر، ولحظة قرار الخروج هي لحظة لبّ الحكاية. وزوجة الكاتب، التي تظهر في بداية ونهاية الرواية، وهي التي تهتم به وبصحته وبأمور المنزل.. وكوثر، الفتاة الجميلة، تظهر للكاتب في وسط البلد، وتدّعي أنها تعرفه من «تويتر»، ترافقه في رحلته، وتقوم بتصرفات خيالية، مثل تقبيل رجال الشرطة من دون أن يروها، وتتجاذب معه أطراف الحديث عن التاريخ والعمارات، وتتسم بشخصية مليئة بالحيوية والخيال، ثم الشخصيات الميتة. فالرجل الميّت الأوّل ظهر للكاتب بملابس من السبعينيات، عاد من المقبرة ليغيّر دولاراته القديمة التي تركها في بيته، من دون أن تعلم زوجته بمكانها، ويختفي فجأة. والرجل الأربعيني، وهو رجل ظهر أمام مقهى ريش، يدّعي أنه ميت، وكان يعمل مخبرا للأمن، خرج من المقبرة ليشرب البيرة، وكذلك شخصية العملاق، وهو كائن غامض يمتلك قدرة على التحكّم في العمارات وتغيير أماكنها، يدّعي أنه من «البرزخ»، ولم يولد لأن أباه «راحت عليه نومة» في الليلة التي كان من المفترض أن يعاشر فيها أمه.. فضلا عن شخصيات أخرى قد تكون ثانوية ورمزية، منهم أفراد الشرطة، حيث يظهرون في عدّة مواقف كشخصيات تراقب الكاتب أو تتحدث معه، وبعضهم يعترف بأنه يتخيّل وجود ناس ليتحدث معهم من شدة الملل.. والسائق وزوجته زينب وعربة الحنطور، تظهر كشخصيات بملابس قديمة، يدّعيان أنهما من «شبرا» ويأتيان لشراء البسبوسة، ويشك الكاتب في حقيقتهما. إضافة إلى شخصية المرأة الصماء البكماء العمياء، وهي امرأة تجلس في أحد الأزقة تتفرّج على التلفزيون، وابنتها التي تطل من النافذة وتتحدث مع الكاتب
كما هناك شخصيات تاريخية/فنية مستحضرة، مثل أنور وجدي، وأسمهان، ومحمد فوزي، وفاتن حمامة، الذين يستحضرهم خيال الكاتب وكوثر في لحظات الغناء والتجوّل.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *