تشكل المتة نموذجا فريدا لكيفية انتقال الثقافات عبر الاستعمار والهجرة، حيث تحولت من طقس محلي للشعوب الأصلية في أمريكا الجنوبية، إلى جزء من الهوية الوطنية في دول المشرق العربي، وتحديدا سوريا ولبنان.
تبدأ حكاية هذا المشروب من غابات الأرجنتين والبرازيل والباراغواي، حيث كان السكان الأصليون يشربون المتة المشروب المحلي، قبل أن تصل السفن الأوروبية إلى أمريكا اللاتينية وتعيد تشكيل تاريخ المنطقة والعالم.
ومع نهاية القرن الخامس عشر، وبعد رحلات كريستوف كولومبوس، بدأت السفن الأوروبية تتدفق نحو العالم الجديد. وصل الإسبان إلى أمريكا اللاتينية وهم يحملون معهم تصورهم الخاص عن الحضارة والدين والعالم، ونظروا إلى الشعوب الأصلية بوصفها شعوبا متخلفة تحتاج إلى «التهذيب» والتنصير.
في البداية، تعامل الإسبان مع المتة بكثير من الريبة والاحتقار، بدت لهم عادة غريبة ومقززة أحيانا، بل إن بعض رجال الكنيسة اعتبروها ممارسة شيطانية تدعو للكسل والانحلال. حاول بعض المسؤولين المحليين حظرها، لكن هذه المحاولات سرعان ما فشلت. فالإسبان أنفسهم بدأوا يشربون المتة نتيجة اختلاطهم بالسكان الأصليين، وبالأخص بسبب الزيجات المبكرة بين الرجال الإسبان والنساء المحليات. وهنا لعبت النساء دورا محوريا في نقل المتة إلى الأوروبيين. وفي الحقيقة، كثيرا ما لعبت النساء عبر التاريخ هذا الدور الخفي في نقل ثقافات الطعام والشراب وأساليب الطبخ والعادات اليومية بين الشعوب. فالمطابخ كانت دائما واحدة من أهم قنوات انتقال الثقافات.
شيئا فشيئا، لم يكتف الإسبان بشرب المتة، بل أعادوا تشكيل طقوسها أيضا. فالسكان الأصليون كانوا يشربونها مرة واحدة في اليوم، بينما حوّلها الإسبان إلى عادة يومية مستمرة. ومع القرن السابع عشر، أصبحت المتة جزءا من الحياة الإسبانية في أمريكا الجنوبية. والأكثر إثارة أن رجال الدين الكاثوليك الذين هاجموا المتة في البداية، عادوا لاحقا للترويج لها. أدرك المبشرون أن قبول الناس للمسيحية يمر أيضا عبر تفاصيل الحياة اليومية، ولذلك أخذوا يوزعون المتة على من يقبل باعتناق المسيحية، بل ظهرت روايات تقول إن القديس توما نفسه هو من قدم المتة لسكان أمريكا الجنوبية، في محاولة لمنح هذا المشروب شرعية مسيحية. هكذا تحولت المتة تدريجيا من «مشروب وثني» إلى «مشروب كاثوليكي»، ومن عادة للشعوب الأصلية إلى جزء من ثقافة المستعمرين أنفسهم. كان الأوروبيون معتادين، كلما أعجبهم شيء في المستعمرات، أن يعيدوا نسبه لأنفسهم، وأن يقدموا أنفسهم بوصفهم أصحاب الفضل في تطويره ونشره. وهنا تحديدا تتوقف جوليا ساريل المؤرخة المتخصصة بتاريخ أمريكا اللاتينية في كتابها «المتة: كيف شكلت أمة» عند الكيفية التي تحولت فيها المتة من عادة محلية لدى شعوب أمريكا اللاتينية إلى جزء من الهوية الوطنية في الأرجنتين وأمريكا الجنوبية عموما. تلاحظ ساريل أن المتة لم تكن مجرد سلعة زراعية، بل لعبت دورا في تشكيل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، إلى درجة أن الأرجنتين أعلنتها لاحقا «الشراب القومي الرسمي».

مع توسع زراعة المتة في أمريكا الجنوبية، بدأت تكتسب معاني اجتماعية جديدة. صارت مشروبا للفلاحين والعمال، وبالأخص مع انتشار الاعتقاد بأنها تمنح الطاقة وتساعد على تحمل ساعات العمل الطويلة. وفي أواخر القرن الثامن عشر، أصدر الملك البرازيلي بيدرو الثاني قرارا يقضي بأن يشرب العمال المتة عدة مرات يوميا من أجل رفع إنتاجيتهم. وهكذا تحولت المتة من «مشروب للكسالى» في نظر الإسبان الأوائل، إلى مشروب للعمل والطاقة والانضباط. لكن المتة لم تبق حكرا على الطبقات الفقيرة. فالأغنياء أيضا أخذوا يشربونها، وإن حاولوا تمييز أنفسهم عن عامة الناس. أضافوا السكر لتخفيف مرارتها، واشتروا أنواعا فاخرة منها، واستخدموا أوعية مذهبة ومصاصات فضية. وبهذا ظهرت طبقتان من ثقافة المتة: متة الفقراء بوصفها وقودا للعمل، ومتة الأغنياء بوصفها جزءا من الذوق والترف. في تلك الأثناء، كانت أوروبا تدخل بدورها في «حروب المشروبات». فبينما حاول الإسبان نقل المتة إلى أوروبا وتحويلها إلى تجارة عالمية مربحة، كان هناك منافس آخر يصعد بقوة، والمتمثل في مشروب الشاي.
في كتاب «التعطش للإمبراطورية: كيف شكل الشاي العالم الحديث»، تشرح الباحثة إيريكا رابابورت كيف تحول الشاي من عادة آسيوية إلى جزء من المشروع الإمبراطوري البريطاني. فالشاي لم يعد مجرد شراب، بل جزء من منظومة اقتصادية كاملة تربط الصين والهند والموانئ الأوروبية وشركات الهند الشرقية والأساطيل البحرية وشبكات السكر والتجارة العالمية.
خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدأت شركات الهند الشرقية الهولندية والبريطانية بجلب الشاي من الصين واليابان إلى أوروبا. في البداية، كان الشاي مشروبا أرستقراطيا مرتبطا بالترف الشرقي، لكن البريطانيين سرعان ما حولوه إلى مشروع اقتصادي وإمبراطوري ضخم. لم يكن الشاي مجرد شراب بالنسبة للإمبراطورية البريطانية، بل كان جزءا من نظام اقتصادي كامل، يرتبط بالسكر والموانئ والأساطيل البحرية والاستعمار والتجارة العالمية. وبحلول القرن الثامن عشر، أصبح الشاي المشروب الشعبي الأول في بريطانيا.
في هذه اللحظة، بدأت المتة تبدو خطرا محتملا على تجارة الشاي البريطانية. بعض الأوروبيين الذين سافروا إلى أمريكا الجنوبية أعجبوا بالمتة، وبدأ الحديث عن إمكانية انتشارها داخل أوروبا. هنا دخلت الإمبراطورية البريطانية في حرب دعائية مبكرة. أخذت شركات الشاي تمول أطباء وكتّابا لنشر إشاعات تقول إن المتة تؤذي صحة النساء وتسبب العقم وتشوه الجسد. كانت تلك واحدة من أوائل الحروب الإعلامية المرتبطة بالمشروبات العالمية. لكن ما حسم المعركة لم يكن الدعاية وحدها، بل أيضا السياسة والحروب. فمع حروب نابليون في أوروبا، ثم حروب استقلال أمريكا اللاتينية ضد إسبانيا، انهارت طرق التجارة الإسبانية، وتوقفت محاولة نقل المتة إلى أوروبا. بقيت المتة حبيسة أمريكا الجنوبية، بينما انتصر الشاي في أوروبا والعالم.
مع ذلك، القصة لم تنته هنا. فبينما كانت طرق المتة تقطع في أوروبا، كان عالم المهاجرين الذي عرفه العالم في بدايات القرن العشرين يفتح خطوطا جديدة بشكل غير مخطط. في أواخر القرن التاسع عشر، أخذت بلاد الشام تعيش تحولات قاسية، شهدت المنطقة أزمات اقتصادية وموجات عنف طائفي وتراجعا زراعيا دفع عشرات آلاف السوريين واللبنانيين للهجرة نحو الأمريكتين. استقر قسم كبير منهم في الأرجنتين، التي كانت تعيش بدورها موجة هجرة عالمية ضخمة. هناك، في بوينس آيرس وتوكومان وسالطا وسانتياغو، عمل المهاجرون السوريون في الزراعة والتجارة والبيع الجوال والأعمال اليدوية. وفي تلك البيئة، تعرفوا على المتة بوصفها مشروبا يوميا للعمال والفلاحين. اختلط السوريون بغيرهم من العمال، وجربوا المتة، ثم شيئا فشيئا أصبحت جزءا من حياتهم.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، عاد بعض المهاجرين السوريين، وبالأخص من أبناء القلمون ولاحقا السويداء، إلى قراهم حاملين معهم هذا المشروب. وصلت أولى شحنات المتة إلى سوريا، حسب بعض المصادر، تقريبا عام 1936، لتبدأ رحلة جديدة تماما لهذا الشراب في المشرق العربي. ومع العقود التالية، توسعت تجارة المتة في سوريا ولبنان. لعبت عائلات ومؤسسات تجارية دورا كبيرا في استيرادها، وتحولت سوريا لاحقا إلى واحدة من أهم مستوردي المتة الأرجنتينية في العالم.
لكن المتة في سوريا لم تنتشر بشكل متساو، بقيت لفترة طويلة مرتبطة بالمناطق الريفية، وبالأخص جبل العرب والقلمون والساحل السوري. ومع الوقت، اكتسبت أبعادا اجتماعية وسياسية خاصة. ففي العقود الأخيرة من القرن العشرين، ومع انتقال أعداد كبيرة من أبناء الساحل السوري للعمل في مؤسسات الدولة والجيش، انتقلت المتة معهم إلى مدن سورية أخرى. وهكذا بدأت تتشكل صورة رمزية للمتة بوصفها «مشروب أبناء السلطة»، أو «مشروب الساحل»، وظهرت تعبيرات ساخرة مثل «منقرقع متة»، التي حملت في داخلها أبعادا سياسية وطائفية وطبقية. في الوقت نفسه، لعبت الجامعات ومدن السكن الطلابي دورا مهما في نشر المتة بين أبناء المحافظات المختلفة. فالطلاب القادمون من السويداء أو الساحل كانوا يعرّفون زملاءهم القادمين من الجزيرة السورية، أو حلب أو حمص على هذا المشروب، وهكذا توسعت خريطة المتة داخل سوريا، وإن بقيت المدن الكبرى مثل دمشق أكثر انحيازا لمشروبها التقليدي القهوة.
اللافت أن السوريين وغيرهم من المهاجرين لم يكتفوا بنقل المتة إلى بلاد الشام فقط، بل سيعيدون لاحقا فتح الطريق الأوروبي أمامها بعد قرن تقريبا من اختفائها من القارة. وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ هذا المشروب. فالمتة التي خسرت معركتها القديمة أمام الشاي البريطاني في القرن التاسع عشر، عادت إلى أوروبا في نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، لكن ليس عبر السفن الإمبراطورية هذه المرة، ولا عبر شركات تجارية كبرى، وإنما عبر المهاجرين واللاجئين.
في البداية، ظهرت بعض خطوط المتة الجديدة في أوروبا الشرقية، وبالأخص عبر المهاجرين البولنديين الذين كانوا قد استقروا سابقا في أمريكا اللاتينية. فخلال العقود السوفييتية، ظل دخول المتة إلى بلدان أوروبا الشرقية محدودا للغاية بسبب طبيعة الاقتصاد المغلق وهيمنة أنماط استهلاك محددة. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأت المتة تجد طريقها تدريجيا إلى بولندا وبعض المدن الأوروبية الأخرى. كما لعب المهاجرون الإيطاليون العائدون من الأرجنتين دورا مهما في إدخال المتة إلى بعض مناطق إيطاليا. ولهذا لا يزال جنوب إيطاليا حتى اليوم يحتفظ بحضور واضح لهذا المشروب، إلى درجة أن مدينة مثل لونغرو توصف أحيانا بأنها «عاصمة المتة الأوروبية»، بسبب علاقتها التاريخية بالمهاجرين العائدين من أمريكا الجنوبية. لكن التحول الأكبر والأوسع جاء مع موجة اللجوء السوري بعد عام 2011. فخلال سنوات قليلة، انتقل ملايين السوريين إلى تركيا وألمانيا والنمسا والسويد وهولندا واليونان وفرنسا ودول أوروبية أخرى. ومع هذه الهجرة الواسعة، لم ينتقل البشر وحدهم، بل انتقلت معهم أيضا تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة: الطعام، واللهجات، والموسيقى، والعادات المنزلية، ومن بينها المتة.
في إسطنبول مثلا، بدأت محلات البقالة السورية تستورد كميات ضخمة من المتة لتلبية الطلب المتزايد بين السوريين. ومع الوقت، تحولت إلى جزء من الاقتصاد المحلي في أحياء كاملة يعيش فيها عرب وأتراك وأجانب. المشهد نفسه أخذ يتكرر في برلين وفيينا وأمستردام وستوكهولم. شيئا فشيئا، بدأت المتة تخرج من إطار «مشروب اللاجئين السوريين» إلى فضاء أوسع. صار الأوروبيون أنفسهم يشاهدون هذا الطقس يوميا في الحدائق والجامعات ومحطات القطارات والمنازل المشتركة. يشاهدون مجموعة من السوريين يجلسون لساعات طويلة يتناوبون على كأس المتة، أو يحملون أدواتها المعدنية في الشوارع، كما لو أنها جزء من هوية متنقلة. ولعل اللافت هنا أن السوريين لعبوا، من دون تخطيط مسبق، دورا شبيها بذلك الذي لعبه الإسبان قبل قرون، حين نقلوا المتة من عالم الشعوب الأصلية إلى فضاء آخر. لكن الفارق أن السوريين لم يفعلوا ذلك بوصفهم مستعمرين، أو تجارا إمبراطوريين، بل بوصفهم مهاجرين ولاجئين يحملون معهم عالمهم المحلي وذاكرتهم اليومية الصغيرة.
ومع مرور الوقت، بدأت المتة تكتسب في حياة لاجئي أوروبا السوريين معاني جديدة تماما. تحولت إلى رمز للحنين والمنفى والذاكرة. صارت جزءا من الحياة النفسية للسوريين في الشتات. جاء فيروس كورونا ليضرب طقوس شرب المتة. ففي السابق، كانت المتة في منطقة القلمون، وأحيانا في بعض المناسبات تشرب غالبا من وعاء واحد يتم تمريره بين الجميع، بوصف ذلك جزءا من روح الجلسة والتقارب الاجتماعي، لكن الجائحة دفعت الناس إلى استخدام أدوات فردية ومصاصات خاصة، وتحولت المتة تدريجيا من طقس جماعي إلى تجربة أكثر فردية. وهكذا، بعد قرون طويلة من الرحلات والهجرات والحروب والاستعمار، عادت المتة مرة أخرى إلى أوروبا. لكن هذه العودة لم تأت عبر الأساطيل التجارية، أو الشركات الإمبراطورية، بل عبر اللاجئين السوريين الذين حملوا معهم هذا المشروب بوصفه جزءا من ذاكرتهم الشخصية والجماعية.
وربما هذه هي المفارقة في تاريخ المتة كله. فالمشروب الذي خسر معركته القديمة أمام الشاي في أوروبا، عاد إليها مرة أخرى من بوابة المهاجر السوري.
٭ كاتب سوري