الرباط- “القدس العربي”: بعد أن تغنت بها مغنيات شعبيات لسنوات طويلة، تحولت جملة قصيرة في أغنية من الموروث الشعبي إلى محور جدل في المغرب، بين قراءات محافظة تنظر إليها من زاوية أخلاقية، وأخرى حداثية تركز على الحرية الفنية والحفاظ على الموروث، قبل أن يدخل على الخط سياسي هو الأمين العام لـ”الحزب المغربي الحر” إسحاق شارية.
وتعود جذور الجدل إلى مشاركة الفنانة كريمة غيث في مهرجان غنائي في مدينة تطوان، وأدائها أغنية شعبية تنتمي إلى فن العيطة العريق، تتضمن عبارة “اللهم الزهو ولا زواج القهرة” (تعني أفضل المتعة الحسية على زواج القهر)، والتي يمكن فهمها بمعنى تفضيل الاستمتاع على الزواج القائم على الشقاء والبؤس، ورددتها معها مجموعة من الجمهور في السهرة الختامية التي أحيتها.
وبسرعة التهام النار للهشيم، انتشر المقطع على منصات التواصل الاجتماعي، ليفتح نقاشا بين من اعتبر العبارة مجرد مقطع من الموروث الغنائي الشعبي المغربي، ومن رأى أن مضمونها يحمل دلالة سلبية تجاه الزواج، خصوصا أنها قُدمت أمام جمهور واسع من العائلات والأطفال والمراهقين.
وكانت جرعة الحساسية مضاعفة في النقاش، على اعتبار أن الجملة الغنائية المذكورة جاءت ضمن مهرجان يحمل اسم “أصوات نسائية”، ويحتفي بالفن والتراث والتجارب النسائية، فيما اعتبر بعض المنتقدين أن تقديمها في هذا السياق يعطيها دلالة تتجاوز حدود الأغنية، لا سيما في ظل نقاش اجتماعي قائم حول الزواج والعزوف عنه بين الشباب المغربي.
ولم تتوارَ كريمة غيث خلف الجدل بل خرجت بتوضيح ردت فيه على الانتقادات، مؤكدة أن العبارة ليست من ابتكارها، وإنما مستمدة من التراث الغنائي المغربي، وخصوصا فن العيطة، وأن فهمها ينبغي أن يتم في سياقها الشعبي والثقافي.
وأوضحت عبر حسابها على “إنستغرام” أن المقصود بكلمة ” الزهو” في هذا السياق هو الفرح والبهجة، وأن العبارة تعبّر عن تفضيل حياة يسودها الفرح على “زواج القهرة” الذي تطبعه التعاسة والقهر، وليس عن رفض الزواج أو التقليل من شأن مؤسسة الأسرة.
وغادرت الواقعة منصات التواصل الاجتماعي ودفاع بعض الفنانين عن زميلتهم، لتحط الرحال في بيت السياسيين، بعدما هاجم إسحاق شارية الأمين العام لـ”الحزب المغربي الحر”، الفنانة غيث، منتقدا ترديد هذه العبارات أمام جمهور مدينة تطوان، التي وصفها بالمحافِظة، واستخدم خلال حديثه أوصافا “قدحية” شخصية بحق الفنانة، وهو ما أجّج نقاشا من نوع آخر يتمحور حول رؤية السياسيين للفنانين وحدود الخطاب الموجه إليهم.
وعلى خلفية هذا الهجوم من طرف الأمين العام للحزب المغربي الحر، وتوجيهه عبارات شخصية إليها، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي خبرا يفيد برفع دعوى قضائية ضده من طرف الفنانة كريمة غيث، لكن مصادر إعلامية لم تؤكد الخبر حتى الآن.
وعاد إسحق شارية للرد عليها في تدوينة نشرها عبر صفحته على “فيسبوك”، إذ وجّه عبارات حادة إلى كريمة غيث، قبل أن يستند إلى مقتضى قال إنه وارد في القانون الجنائي المغربي، مشيرا إلى أن العقوبة قد تصل إلى السجن من شهر إلى سنة وغرامة تفوق 20 ألف درهم (ألفي دولار أمريكي) في الحالات التي حددها القانون، والمتعلقة وفق قوله بـ”تحريض الناس على الفساد”.
وبقي النقاش، بشكل عام، محصورا في الفنانة، وتباينت المواقف بين من يرى أن الفنان عندما يقدم عملا أمام جمهور عام، يتحمّل مسؤولية الرسائل التي يمكن أن تصل إلى المُتلقي، وبين من يرى أن العبارة يجب أن تُقرأ في سياقها التراثي، وأن الانتقال من مناقشة مضمون أغنية إلى مهاجمة الفنانة شخصيا يمثل تجاوزا للنقاش الفني.
كما أعاد السجال طرح سؤال أوسع يتعلق بالتعامل مع التراث الشعبي في السياق المعاصر. فعبارات متداولة منذ عقود ضمن الأعراس والحفلات والمناسبات الشعبية أصبحت اليوم بفضل منصات التواصل الاجتماعي، تصل إلى جمهور واسع في شكل مقاطع قصيرة مقتطعة من سياقها، الأمر الذي يفتح المجال أمام قراءات مختلفة لمعانيها.
ولم يبق النقاش محصورا بين الفنانة والسياسي والمنتقدين، إذ دخل الكوميدي يسار المغاري على خط الأزمة، واختار الرد على شارية بأسلوب ساخر، منتقدا الطريقة التي اتخذ فيها الجدل منحى متصاعدا، معتبرا أنه اهتم بتفاصيل فنية في وقت توجد فيه قضايا أخرى تستحق الاهتمام.