روسيا تعيد رسم نفوذها العسكري في ليبيا… قواعد حفتر بوابة موسكو إلى المتوسط وأفريقيا


طرابلس – «القدس العربي»: لم تعد التحركات العسكرية الروسية في شرق ليبيا مجرد امتداد للدعم الذي تقدمه موسكو إلى قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بل باتت جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع النفوذ الروسي في البحر المتوسط وأفريقيا، مستفيدة من القواعد الجوية والموانئ الليبية لتعويض القيود التي فرضها سقوط نظام بشار الأسد في سوريا على وجودها العسكري هناك.
وكشف تقرير حديث صادر عن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، وهو مركز أبحاث مغربي مستقل، أن روسيا تعمل على تعزيز بنيتها العسكرية واللوجستية في شرق ليبيا، وتحويل المنطقة إلى نقطة ارتكاز لعملياتها في شمال أفريقيا والساحل، في وقت تتزايد فيه المخاوف الغربية من تداعيات هذا التوسع على أمن المتوسط والجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي.
وأوضح التقرير، الصادر في الثامن من أكتوبر الجاري بعنوان «من سوريا إلى ليبيا: الاستراتيجية الروسية المعدلة في المتوسط بعد حقبة الأسد»، أن موسكو لا تسعى إلى استبدال وجودها في سوريا بآخر في ليبيا بصورة كاملة، وإنما تعمل على بناء شبكة عسكرية موزعة بين البلدين، بما يقلل اعتمادها على موقع واحد ويمنحها قدرة أكبر على المناورة.
وحسب التقرير، رُصد نشاط متزايد لما يعرف بـ»فيلق أفريقيا» الروسي في ست قواعد جوية ليبية، تشمل الخادم والجفرة وتمنهنت ومعطن السارة والقرضابية وبراك الشاطئ، وهي مواقع موزعة جغرافيًا بما يسمح لموسكو بالتحرك بين الساحل الليبي والعمق الأفريقي.
وأشار إلى أن صور الأقمار الصناعية، حتى مطلع عام 2026، أظهرت أعمال تطوير داخل عدد من هذه القواعد، شملت تشييد حظائر للطائرات وثكنات عسكرية وأبراج اتصالات، إلى جانب إعادة تأهيل مدارج، في مؤشرات على استعدادات لاستقبال معدات أثقل وطائرات أكبر وأعداد إضافية من العسكريين.
وتكتسب قاعدة معطن السارة، القريبة من الحدود مع تشاد والسودان، أهمية خاصة في الحسابات الروسية، باعتبارها موقعًا يمكن استخدامه لربط القوات الموجودة في ليبيا بالعمليات العسكرية واللوجستية في دول الساحل الأفريقي.
ويعكس هذا الانتشار تحول الأراضي الليبية من ساحة تستقبل الدعم العسكري الروسي إلى ممر محتمل لإعادة تصدير القوات والمعدات نحو مناطق أخرى، وهو ما يمنح موسكو نفوذًا يتجاوز حدود ليبيا نفسها. ولا يقتصر التوسع الروسي على القواعد الجوية، إذ يبرز ميناء طبرق بوصفه أحد أهم المواقع المرشحة للعب دور متقدم في الاستراتيجية الجديدة، خاصة مع موقعه على البحر المتوسط وقربه النسبي من الممرات البحرية المؤدية إلى جنوب أوروبا.
وتناول التقرير ترتيبات تعود إلى فبراير 2025 بين حفتر وروسيا وبيلاروسيا، قال إنها أتاحت للجانبين الروسي والبيلاروسي استخدام مرافق ومناطق بحرية مرتبطة بميناء طبرق، إلى جانب الوصول إلى القاعدة الجوية بالمدينة.
وأشار إلى رصد سفن روسية تنقل معدات عسكرية إلى الميناء، معتبرًا أن استمرار هذه التحركات قد يمهد لتحويل طبرق إلى مركز لوجستي يدعم العمليات الروسية في ليبيا وأفريقيا.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة التفاهمات التي يبرمها حفتر مع القوى الخارجية، ومدى انعكاسها على السيادة الليبية، في ظل غياب مؤسسة عسكرية موحدة تتولى إدارة القواعد والمنشآت العسكرية على مستوى البلاد.
وربط التقرير التوسع الروسي في ليبيا بالتحولات التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بعدما اضطرت موسكو إلى إعادة النظر في انتشارها العسكري الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية.
وأوضح أن روسيا حافظت على وجود محدود في المنشأتين السوريتين، لكنه بات مرتبطًا بتفاهمات مع السلطات الجديدة في دمشق، خلافًا للامتيازات التي تمتعت بها خلال حكم الأسد.
وفي المقابل، أفادت تقارير تناولها المركز بانتقال معدات وأفراد روس من سوريا إلى ليبيا، بينها تجهيزات رادار ودفاع جوي مرتبطة بمنظومتي «إس-300» و»إس-400»، دون أن يعني ذلك بالضرورة تأكيد نشر المنظومتين بكامل مكوناتهما داخل الأراضي الليبية. وبذلك، يبدو أن موسكو تتجه إلى تقليل المخاطر الناجمة عن تركيز قواتها في بلد واحد، مع الاحتفاظ بقدرتها على الوصول إلى البحر المتوسط ومواصلة دعم عملياتها الأفريقية.
ويضع هذا التوسع قوات حفتر في موقع محوري ضمن الحسابات الروسية، بعدما أتاحت سيطرتها على مناطق واسعة من شرق البلاد وجنوبها لموسكو الوصول إلى مواقع عسكرية استراتيجية.
غير أن تعميق هذه العلاقة يأتي في وقت تتزايد فيه التحركات الأمريكية والأوروبية تجاه الملف الليبي، وسط محاولات لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني ودفع مسارات توحيد المؤسسات.
ومن شأن استمرار الوجود الروسي أن يزيد تعقيد هذه الجهود، لا سيما إذا تحولت القواعد الليبية إلى منشآت عسكرية أجنبية دائمة ترتبط مصالحها باستمرار الترتيبات الأمنية والسياسية القائمة.
ويمنح هذا الوضع حفتر مجالًا للمناورة بين القوى الدولية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن حجم النفوذ الذي قد تحصل عليه موسكو مقابل استمرار دعمها العسكري.
وحذر التقرير من أن تعزيز الانتشار الروسي في ليبيا قد يفرض تحديات إضافية على حلف شمال الأطلسي، نظرًا إلى قرب المواقع الليبية من جنوب أوروبا، وأهميتها لحركة الملاحة والطاقة والهجرة عبر المتوسط.
لكنه شدد على أن نجاح الاستراتيجية الروسية ليس محسومًا، إذ تواجه موسكو بيئة سياسية وأمنية ليبية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مصالح القوى المحلية والإقليمية والدولية.
وتأتي هذه التطورات في بلد لا يزال يعاني انقسامًا مؤسسيًا وعسكريًا منذ سنوات، رغم استمرار الجهود الأممية الرامية إلى توحيد المؤسسات والتمهيد لإجراء الانتخابات.
وبينما تسعى روسيا إلى تثبيت حضور طويل الأمد على الضفة الجنوبية للمتوسط، يبقى السؤال الأبرز بشأن قدرة الليبيين على استعادة السيطرة الموحدة على مؤسساتهم العسكرية، ومنع تحول الانقسام الداخلي إلى مدخل لترسيخ قواعد نفوذ أجنبية يصعب إنهاؤها مستقبلًا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *