تفاعلات انعطافة الاقتصاد الجديد مع الواقع العربي


عبر العديد من الأسابيع الماضية حاولت في عدة مقالات أن أبرز الخطوط العريضة لمسيرة الاقتصاد العربي، أحياناً على المستوى القطري، وأحياناً على المستوى القومي، منذ انحسار الاستعمار الغربي المباشر عن مختلف أجزاء الوطن العربي وعبر فترة الاستقلال الوطني الأولى المتميزة.
وفي الواقع فإن أحد أسباب تلك المحاولة هي، قلة المصادر الشاملة التفصيلية التوعوية لتلك المسيرة الوطنية والقومية، وقد أبرزت أهمية التجربة العربية الاقتصادية الذاتية، التي جرت في أقطار عربية ثلاثة، لأنها تضمنت جوانب إيجابية قادت في حينها إلى تحسينات معيشية لملايين المواطنين العرب، لولا أنها ارتبطت بأخطاء سياسية وأمنية، قادت إلى فشلها، وإلى التمهيد لدخول الوطن العربي مع الضائعين الآخرين، فترة صعود الرأسمالية النيوليبرالية العولمية المظلمة البائسة التي هي الآن تحت النقد الشديد والمراجعة العميقة في آلاف الكتب والمؤتمرات والوسائل السمعية والبصرية عبر العالم كله.
وها إننا نجد أنفسنا مع آخرين قرب نهاية فترة النيوليبرالية الاقتصادية البائسة الحالية، التي يصفها البعض برأسمالية «الشوكردادي»، ما يستوجب أن نفكر في الاتجاه بمسيرتنا الاقتصادية نحو بناء أفكار واستراتيجيات ذاتية عربية وإنسانية عادلة، بعيداً عن الهيمنات الخارجية الإمبريالية الاقتصادية المجنونة والفساد الاقتصادي الداخلي في بعض الأقطار. فما هو ذلك البديل الذي يقترحه البعض لنا وللعالم الثالث المماثل لنا، ونتفق مع كثير مما يقترحه؟ إنه أحد الأسئلة المصيرية المستقبلية العربية. إجاباتنا اليوم هي أحد مكملات مقال الأسبوع الماضي عن قائمة المنطلقات الضرورية للاقتصاد العربي الجديد، فتلك المنطلقات تحتاج إلى ممارسات واستراتيجيات تحيلها إلى منجزات عملية فاعلة تغييرية في الواقع الاقتصادي العربي.

انعطافة الاقتصاد العربي الجديد تتطلب غياب، أو على الأقل هامشية، عوامل مجتمعية سلبية، فلن تنجح الانعطافة في أجواء الفساد المالي، أو البيروقراطي، أو التشريعي، أو في وجود مجتمع مدني سياسي رقابي ضعيف

أولوية الاستراتيجية المطلوبة هي أن تتخلى نهائياً عن ثقافة وممارسة ونتائج حركة الرأسمالية النيوليبرالية العولمية المتوحّشة بصورة قاطعة نهائية. فلا محل لأوهام حرية واستقلالية الأسواق، ولا محل لحرية واستقلالية وعدالة رأس المال ومالكيه ومؤسساته والمعتمدين عليه ولا محل لرذيلة تسليع كل شي مادي ومعنوي، بمن فيها الإنسان. جميعها يجب أن تكون محكومة بمبادئ وقيم إنسانية وبقوانين صارمة عادلة، وبأنظمة إدارة شفافة خاضعة للمحاسبة وإلى حد كبير ديمقراطية تشاركية في أخذ قراراتها. تلك حقبة يجب أن نخرج منها ونعتبرها فضيحة عابرة قد ولت.
انعطافة الاقتصاد العربي الجديد تتطلب غياب، أو على الأقل هامشية، عوامل مجتمعية سلبية، فلن تنجح الانعطافة في أجواء الفساد المالي، أو البيروقراطي، أو التشريعي، أو في وجود مجتمع مدني سياسي رقابي ضعيف وفاقد للحرية، أو في وجود هيمنة إمبريالية خارجية على الداخل الوطني، أو القومي، أو في وجود إرهاب أمني أو سياسي خصوصاً إذا كان خارجاً على سماحة الإسلام وعدالته ويدّعي بأنه يتكلم باسم الطائفة، أو باسم الإسلام، أو حتى باسم الذات الإلهية بانتهازية وبتلاعب بالمقدّس، أو في وجود أنظمة حكم تسلطية، عائلية أو عسكرية أو قبلية، تقلب كل خطوة ديمقراطية إلى شكلية فارغة.
انعطافة الاقتصاد العربي الجديد التكاملية الوجودية التنموية الشاملة، تبررها بموضوعية عقود تاريخية طيلة القرن العشرين من أشكال من فشل محاولات قيام اقتصادات وطنية قطرية، أكدت أن بناءها بنجاح يحتاج أن يكون جزءاً منسجماً ومتكاملاً من بناء الاقتصاد العربي الموحد الذي اقترحته عشرات الأدمغة الاقتصادية العربية طيلة تلك العقود.
وسنرتكب خطأً لو تجاهلنا نتاج تلك الأدمغة، وأخص بالذكر وثيقة استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك الذي قدم لاجتماع قمة عربية عام 1980 في عّمان، الأردن، وصادق عليه بالإجماع الحاضرون. وقد كانت تلك الوثيقة حصيلة جهود فكرية لنخبة متميزة من أفضل الاقتصاديين العرب في إطار الجامعة العربية ولجنة العشرين من جهة، وحصيلة نقاش حر متعمق لعشرات الأكاديميين ورؤساء المنظمات والاتحادات المهنية الذين سبق وأن اجتمعوا عام 1978 في بغداد.
وبمعنى آخر كان ذلك المشروع حصيلة جهد رسمي من خلال الجامعة العربية، وحصيلة جهد شعبي من جهات وأفراد من المجتمعات المدنية العربية. وتعكس وثائق تلك الاستراتيجية حصيلة الغنى والتنوع الأيديولوجي الاقتصادي الذي كانت تزخر به الساحة العربية في ذلك الحين.
من هنا الأهمية القصوى أن لا تبدأ الانعطافة الاقتصادية الجديدة، التي أتحدّث عنها من الصفر، وإنما من مثل تلك الكتابات والاستراتيجيات، مع تعديلها بالطبع على ضوء التغيرات والتجارب العلمية الفكرية الاقتصادية في العالم وفي الوطن العربي أيضاً عبر العقود الخمسة الماضية، وهي تغيرات وأزمات هائلة ومراجعات فكرية حالية مليئة بالعبر والدروس.
ولعلّ كبار الإخصائيين الاقتصاديين العرب، يبدأون في الحال بتقديم ما يرونه ضرورياً من فكر ومناهج واستراتيجيات لبناء هذا المشروع الاقتصادي العربي المشترك، ليكون مشروعاً إبداعياً ذاتياً ندياً عربياً يساهم في بناء المشروع النهضوي العربي المطروح هو الآخر للنقاش والبناء الإبداعي.

كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *