وقف أهالي بلدتي خلال الأيام القليلة الماضية في امتحان جديد قديم ولن يكون الأخير، لكنه من تلك الامتحانات التي تعيد للناس سؤالاً ظنّ البعض أن سبعة عقود ونيّف كانت كافية للإجابة عنه.
بدأ الأمر عندما اكتشف بعض الأهالي وجود شبان غرباء من ذوي المظاهر التي يعرف بها المستوطنون من الطراز الديني القومي المتطرف، أقاموا في منطقة تقع جنوبي القرية فوق منبسط جبلي تنتشر فيها أشجار الزيتون التي تبدو لمن يمر بها مجرد قطعة أخرى من أراضي الجليل، لكنها بالنسبة إلى أهل البلدة تحمل ذاكرة وصور أناس زرعوها ورحلوا تاركينها أمانة للأجيال من بعدهم.
مثل كل قرية فلسطينية، فقدت البلدة مساحات واسعة من أراضيها منذ عام النكبة حتى يومنا.
لم يكن الزيتون مشروعا زراعيا، يحسب فيه عدد تنكات الزيت في نهاية الموسم. فهي من وجهة نظر اقتصادية غير مربحة، ولكن كل زيتونة كانت تُغرس في التراب تنمو وتهمس بطريقتها الهادئة «نحن هنا»، وأن لهذه الأرض أصحاباً.
في مقابل ومواجهة الزيتونة ترى أشجار الصنوبر الوعري التي اختارتها دائرة أراضي إسرائيل و(الكيرن كييمت) لتحريش الأراضي التي تستولي عليها، وهو اختيار غبي يبرهن أن أصحاب القرار غرباء عن بيئة هذه البلاد، فهذه الأشجار صالحة للأجواء الأوروبية الثلجية الباردة، أما في بلادنا فأوراقها الشوكية المتساقطة تتراكم وتجف وتصبح قابلة للاشتعال بسرعة، تشعلها بؤرة قطعة زجاج في يوم صيفي حار، وخلال دقائق نتشر بقوة وتصعب السيطرة عليها، لهذا يكاد لا يمر صيف واحد من غير أن نشهد حرائق كثيرة.
شاع بين الأهالي بسرعة خبر إقامة بؤرة استيطانية فتحرك الناس نحو الأرض المستهدفة.
أغلقت الشرطة الطريق الأساسي أمام السيارات، فبحث أهل الأرض الذين يعرفونها عن مداخل جانبية، وما لبثت الشرطة أن أغلقت جميع المداخل بحجة «منع الاحتكاك» بين الأهالي والمستوطنين. وصل الناس وخصوصاً الشبان إلى الموقع مشياً في مسارب محفورة في ذاكرة الأهالي الذين يعرفونها شبراً شبراً. مسارب ومنحدرات بين الصخور والشجيرات الشوكية من البلان والقندول والعلّيق والخرفيش وغيرها، يعرفونها كما يعرفون أكف أيديهم.
إغلاق الطرق ووضع حواجز أمام السيارات جعل الطريق إلى الأرض أكثر وضوحاً.
في مثل هذه اللحظات تظهر الصفات الحقيقية للمجتمع. فالقضية لم تعد قضية أصحاب الأرض وحدهم بل قضية الجميع.
الشاب الذي يقدم لك فنجان القهوة والآخر الذي يوزع الماء والثالث الذي يهتف ربما لا يملكون حفنة تراب في هذه المنطقة، ولكنهم جاؤوا لأنهم شعروا بأن الخطر ليس فقط على شجيرات قد تقتلع، بل على البشر الذين يُحاصَرون ويشتد الخناق عليهم، في هدف واضح، مثل بقية أبناء شعبهم، بأن يضطروا في نهاية الأمر على الرحيل من وطنهم.
ترتفع الأناشيد الوطنية، «موطني موطني»، و»بكتب اسمك يا بلادي» و»أناديكم».
ليس هناك فرقة موسيقية ولا منصة ولا مكبرات ضخمة ولا احتفال أُعد سلفاً. كانت الأغنيات تخرج من الناس لأن بعض اللحظات تبحث بنفسها عن كلماتها. في هذه اللحظات تلاحظ جمال هؤلاء الناس، ترى المختلفين في الأيام العادية في السياسة وفي شؤون المجلس البلدي وفي الحياة اليومية، ربما يتخاصمون على موقف سيارة أو نصف خطوة من شارع، تشاهدهم وقد وقفوا كتفاً إلى كتف، فالأرض تعرف كيف تمتص الخلافات.
شبان، رجال ونساء، من البلدة ومن بلدات جارة وحتى من بلدات بعيدة جاؤوا، كذلك كان لافتاً وجود عدد لا بأس به من المتضامنين اليهود وأكثرهم من المسنين ومن قدامى المستوطنين في المنطقة، الذين لا يريدون حرائق جديدة.
في الجهة الأخرى كان المستوطنون، وهم شبان في سن التجنيد الإلزامي وأقل، أقاموا خياما وأوصلوا أنبوب ماء ومولد كهرباء مع عتاد كثير، وبين الطرفين الشرطة؛ بعض رجالها على الخيل مستعدون لتنفيذ أوامر للقمع.
رفع أحدهم أذان المغرب، وما لبثت أن أقيمت الصلاة.
قبل دقائق كانت هناك أصوات وأغانٍ ونقاشات وحركة، فجأة هدأ كل شيء، ارتفعت الأيدي بالتكبير وانحنت الأجساد وسجد الشبان، ألصقوا جباههم على التراب الناعم.
لم تكن لحظة سجود عادية في مسجد مفروش بالسجاد. كانت الجباه تلامس الأرض مباشرة، وكأن هؤلاء يستحمون بتراب بات ناعما كالطحين لكثرة مرور السيارات والمشاة عليه، علق على جباههم وأنوفهم وأكفهم وملابسهم، وكأنهم يصرون على مزج أجسادهم بالتراب.
كان مشهد السجود أشبه بقَسَمٍ وعهدٍ صامتٍ مع الأرض، التي ما زالت أرواح الأجداد تحوم فيها.
هذا المشهد أحال إلى مشاهد الضفة الغربية، الأشد عنفاً، ولهذا كان الحديث عن محاولات المستوطنين استنساخ أفعالهم في الضفة إلى الجليل، وهو ما توعّد به حرفياً عدد من المسؤولين الفاشيين. وهم يسمون هذا بـ «الثورة الاستيطانية».
إنها مفارقة تكاد تكون عصية على الفهم.
أن يولد الإنسان في بلد، ويولد أبوه فيه، وجده وجد أبيه، وأن يعرف أسماء الوديان والجبال والينابيع والأشجار والصخور والأزهار وحتى الحشرات فيه، ثم يجد نفسه، جيلاً بعد جيل، مطالباً بإثبات علاقته بالمكان، أو يُمنع من دخوله.
يدافع عن الأرض مرة أمام المصادرة، ومرة أمام مخطط لشارع أو لسكّة حديد أو لـ «حديقة قومية»، ومرة أمام تخطيط لبناء بلدة ليس له فيها نصيب، ومرة أمام بؤرة تظهر فجأة مثل الشوكة في العين.
هنا تقف روايتان عن المكان أمام بعضهما، رواية غيبية تدعي الحق في الأرض بوعد إلهي، وفي مقابلها إنسان يقف فوق أرض ورثها عن أجداده، ويحمل أوراقه وذكرياته، ويقطّع الصخور بيديه ليزرع مكان كل صخرة شجرة.
هذا هو العبء الذي يحمله الفلسطيني في وطنه، البقاء نفسه يتحوّل من أمر طبيعي وبديهي إلى مهمة ثبات تتوارثها الأجيال.
في تلك الساعات ظهر الوجه الآخر للحكاية.
ظهر أن المجتمع الذي يبدو متفرقاً وتعيث فيه عصابات الجريمة في الأيام العادية، يستطيع أن يستعيد وحدته بسرعة عندما يشعر بالخطر.
اكتشفوا أن خلافاتهم لم تقتل روح الجماعة، وأن الزيتون الذي غرسه الآباء والأجداد لم يضرب جذوره في الأرض وحدها، بل ضرب شيئًا من جذوره في الناس أيضًا.
بعد أربعة أيام من الوقفة الشعبية، أعلن مسؤولون في الشرطة أن البؤرة الاستيطانية سوف ترحل، ولكن رحيلهم غير مؤكد حتى كتابة هذه السطور، والأرجح أن يختاروا مكاناً آخر في المنطقة يزعمون أنه كله تابع لدائرة أراضي إسرائيل.
قد تهدأ الأمور هنا، ثم تبدأ القضية في مكان آخر. وقد يكبر أطفال اليوم ليجدوا أنفسهم بعد عشرين عاماً أمام امتحان يشبه امتحان آبائهم.
قد تبقى من هذه الأيام صور كثيرة، لكنني أظن أن صورة واحدة ستبقى أطول من غيرها:
الشبان وهم ساجدون وجباههم غارقة في التراب الناعم كأنها معاهدة إلى الأبد مع هذه الأرض.