“القدس العربي” تتجول في شوارع تعز… صمود بين نيران الحرب وأعباء الحصار


تعز – “القدس العربي”: على امتداد شارع جمال وسط مدينة تعز اليمنية، تتواصل حركة المارة والسيارات، وتفتح المحال التجارية أبوابها، فيما تحافظ الأسواق الشعبية على نشاطها اليومي، رغم تداعيات الحصار وتصاعد المواجهات العسكرية.

وجالت “القدس العربي” في شوارع المدينة وأسواقها، ووثقت تفاصيل الحياة اليومية واستمعت إلى شهادات سكان يحاولون التكيف مع واقع تزداد فيه صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، مع تعطل طرق الإمداد وتراجع تدفق الوقود والسلع.

وبعد 12 عاماً من الحرب، لم يعد الصمود في تعز مقتصراً على مواجهة المعارك في محيطها، بل امتد إلى تفاصيل المعيشة، من تأمين الغذاء والتنقل إلى الحفاظ على مصادر الرزق. وبينما توحي حركة الشوارع باستمرار الحياة، تكشف الأسواق عن جانب آخر من الأزمة، مع نقص بعض السلع وارتفاع الأسعار.

في السوق المركزي، تعلو أصوات الباعة وهم ينادون على بضائعهم، بينما يقف عثمان خلف بسطته، يتفقد ما تبقى لديه من الفواكه. يمد يده إلى حبات التفاح ويقلبها قبل أن يزن كيلوغراماً لامرأة توقفت أمامه. تبدو الأصناف المعروضة محدودة، والكميات أقل مما اعتاد السوق استقباله.

يقول عثمان لـ”القدس العربي” إن حركة البيع لم تتوقف، وإن السكان ما زالوا يقبلون على الشراء رغم الظروف الصعبة. ويضيف: “الناس عندها رغبة في الاستمرار والحياة وعدم الاستسلام”. لكنه، وهو يشير إلى ما تبقى من الفواكه على بسطته، لا يخفي قلقه من نفادها خلال أيام، في ظل تعثر وصول الإمدادات إلى المدينة.

يواصل السوق نشاطه تحت وطأة تطورات عسكرية تنعكس على حياة السكان. فمنذ أسابيع، تشهد المحافظة تصعيدًا ميدانيًا متزايدًا، مع اشتباكات تدور ليلًا، وأحيانًا نهارًا، في الجبهات المحيطة بالمدينة

ويأمل أن تُفتح الطرق قريباً، بما يسمح بدخول البضائع واستئناف حركة التجارة، قبل أن يستدرك: “نحن صامدون ومستمرون في البقاء، لأن التوقف يعني الموت”.

على مسافة نحو ستة كيلومترات من أقرب خطوط التماس شرقي المدينة، يواصل السوق نشاطه تحت وطأة تطورات عسكرية تنعكس على حياة السكان. فمنذ أسابيع، تشهد المحافظة تصعيدًا ميدانيًا متزايدًا، مع اشتباكات تدور ليلًا، وأحيانًا نهارًا، في الجبهات المحيطة بالمدينة.

عند تقاطع شارع التحرير، يقف نادر تحت شمس الظهيرة، ممسكًا بمجموعة من البالونات الملونة على هيئة شخصيات كرتونية وحيوانات. يتنقل بين السيارات والمارة محاولًا بيعها، في عمل اضطر إلى ممارسته بعدما نزح مع أسرته من ريف تعز الغربي.

يقول الشاب، بصوت أنهكه العمل، إنه يقضي يومه في الشارع لتأمين لقمة العيش، ويدخر ما يستطيع من المال لتوفير الاحتياجات الضرورية، بعدما فقدت الأسرة مصادر رزقها في الريف. ويضيف لـ”القدس العربي”: “نحن نكافح ونقاوم رغم صعوبة الوضع”.

لا تقتصر تداعيات التصعيد على خسارة مصادر الدخل، بل تمتد إلى نزوح السكان من مناطق المواجهات. ووفقًا لآخر إحصائية متاحة للمنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين في اليمن 200 ألف شخص منذ مطلع سبتمبر/أيلول 2026، فيما سجلت محافظة تعز نزوح 83,082 شخصًا خلال الفترة من الأول من أغسطس/آب إلى 29 سبتمبر/أيلول.

الوقود أزمة يومية

لم تعد آثار إغلاق الطرق مقتصرة على نقص البضائع في الأسواق. ففي شوارع تعز، أخذت أزمة المشتقات النفطية تنعكس على حركة المواصلات.

في شارع التحرير، ينحني محسن فوق دراجته النارية، ويضغط بقدمه مراراً على دواسة التشغيل، محاولًا إعادة تشغيل المحرك. يصدر المحرك أصواتًا متقطعة قبل أن يخفت مجدداً. يمسح السائق العرق عن وجهه، ثم يخرج من جيبه قنينة بلاستيكية صغيرة لا تتجاوز سعتها 750 مليلترًا، تحتوي على بترول بلون أحمر مائل إلى الوردي.

يقول محسن إنه توقف عن العمل ثلاثة أيام متتالية بسبب انقطاع البترول، بعد إغلاق الطريق الرابط بين تعز والتربة.

لم يجد، حسب روايته، سوى الوقود المعروض في السوق السوداء، فاشترى القنينة بخمسة آلاف ريال، بعدما كان سعرها في السابق نحو ألف ريال. ويضيف لـ”القدس العربي”، أنّ الوقود الذي اضطر إلى استخدامه يتسبب في تقطع المحرك ويهدد بإتلافه، لكنه لا يملك بديلًا آخر، إذ تمثل الدراجة مصدر دخله الوحيد.

ولا تقف تداعيات شح الوقود على تعطيل أعمال السكان ووسائل النقل، بل تطال الخدمات العامة. ففي عدد من شوارع المدينة، تتراكم أكياس النفايات عند نواصي الطرق، بعدما أدى توقف شاحنات النظافة، نتيجة نقص الديزل، إلى تعثر عمليات جمع القمامة ونقلها، ما يهدد بانتشار الروائح والحشرات، ويثير مخاوف صحية في الأحياء المكتظة بالسكان.

يقول عامر غلاب، عامل نظافة، إنّ نقص الديزل اضطرهم إلى التوقف عن نقل النفايات إلى المقلب المخصص لها غرب المدينة، مشيراً إلى أن اقتراب المواجهات العسكرية من المقلب يزيد صعوبة الوصول إليه، ويشكّل عبئاً إضافياً على عمليات التخلص من النفايات.

ارتفاع أسعار الغذاء

ألقى إغلاق الطرق المؤدية إلى مدينة تعز بظلاله على أسعار المواد الغذائية، لتواجه الأسر أعباءً إضافية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع قدرتها الشرائية.

ويقول مرشد المحمدي إنّ سعر كيس الدقيق بوزن 25 كيلوغرامًا ارتفع من 19 ألف ريال إلى 26 ألف ريال، فيما تضاعفت أسعار الخضراوات، إذ وصل سعر كيلوغرام الطماطم إلى ألفي ريال، بعدما كان يتراوح بين 800 وألف ريال.

يرى المحمدي أن إغلاق الطرق لا يفسر وحده حجم الارتفاعات، متهمًا بعض التجار باستغلال الأزمة لزيادة الأسعار وتحقيق مكاسب على حساب المستهلكين.

سعر كيس الدقيق بوزن 25 كيلوغرامًا ارتفع من 19 ألف ريال إلى 26 ألف ريال، فيما تضاعفت أسعار الخضراوات

ويشير في حديثه لـ”القدس العربي”، إلى أن الأسر محدودة الدخل هي الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار، مؤكدًا رفضه دخول الحوثيين إلى المدينة، ومطالبًا بفتح الطرق لتسهيل وصول الغذاء والسلع وتخفيف معاناة السكان.

تكشف هذه الشهادات جانبًا آخر من تداعيات الحصار؛ فحتى عندما تتوفر بعض السلع، تجعل أسعارها المرتفعة الحصول عليها أمراً صعباً على كثير من الأسر، وهو ما دفع السلطات إلى تكثيف النزول الميداني لمراقبة توزيع المواد الغذائية الأساسية والتحقق من الالتزام بالأسعار.

ويقول عبد الرحمن القليعة، مدير مكتب الصناعة والتجارة في تعز، لـ”القدس العربي”، إنّ الحصار المستمر منذ 12 عامًا على المدينة، إلى جانب وعورة طرق الإمداد وخطورتها، يفاقم معاناة السكان. ويضيف أن المكتب اتخذ مؤخرًا إجراءات بحق المخالفين والمغالين في الأسعار والمحتكرين، تشمل إحالتهم إلى نيابة التجارة والصناعة.

ويشير القليعة إلى أن المكتب رصد تحسنًا في تدفق السلع واستقرار الأسعار، لافتًا إلى أن كميات من المواد الغذائية المتنوعة في طريقها إلى المدينة، ومن المتوقع أن يسهم وصولها في زيادة المعروض وخفض الأسعار وتعزيز الاستقرار التمويني.

تحذيرات

تتزامن هذه الضغوط المعيشية مع تصعيد عسكري متواصل في محيط مدينة تعز، حيث تمكن الحوثيون، خلال الأسابيع الماضية، من السيطرة على مناطق في الريفين الغربي والجنوبي للمحافظة، بينها الطريق الرابط بين تعز وعدن ولحج. ومنذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تواجه المدينة مزيدًا من العزلة عن طرق الإمداد، بالتوازي مع استمرار المواجهات في محيطها.

وحذرت 15 منظمة حقوقية، في بيان مشترك نشرته منظمة سام للحقوق والحريات، من تدهور الأوضاع الإنسانية في تعز جراء إغلاق الطرق وعرقلة وصول الغذاء والدواء والوقود.

البيان أشار إلى أن القيود المفروضة على حركة البضائع أدت إلى استنزاف المخزون الغذائي وارتفاع الأسعار وتراجع قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها، محذرًا من أن نقص المشتقات النفطية يهدد أيضًا تشغيل المرافق الصحية ومنظومات ضخ المياه.

تزامنت هذه التحذيرات مع تنبيه وزارة الصحة إلى اقتراب نفاد المستلزمات الطبية والوقود في المرافق الصحية.

وفي ظل الأزمة المعيشية والمخاوف الأمنية، يواصل السكان أعمالهم اليومية، بالتزامن مع مساعيهم لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والوقود.

بين الجبهة والحياة

في شارع جمال عبد الناصر، يسير أبو محمد، البالغ من العمر 35 عاماً، مرتدياً زياً عسكرياً مغبراً، وحاملاً رشاشاً من نوع “معدل شيكي”.

في أبريل/نيسان 1964، سار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في الشارع الذي سُمّي باسمه لاحقاً، تخليداً لزيارته إلى تعز ودعمه الثورة اليمنية. وكانت المدينة آنذاك إحدى أبرز ساحات الصراع بين الجمهوريين والملكيين، في سياق المعركة التي شهدتها البلاد لتثبيت النظام الجمهوري.

بعد أكثر من ستة عقود، يجد أبو محمد نفسه في الشارع ذاته، منخرطاً في معركة يقول إنها امتداد للصراع دفاعاً عن الجمهورية، في ظل محاولات جماعة الحوثيين السيطرة على المدينة.

ويضيف، في حديثه لـ”القدس العربي”، أنّ الحوثيين يحشدون قواتهم باتجاه تعز، رغم إعلانهم خوض معركة ضد السعودية.

ويؤكد: “هذه مدينتنا، ولن نفرط بها مهما كان الثمن”. ويوضح أنّ دفاعه عن تعز يتجاوز حدودها الجغرافية، ليشمل ما تمثله له من كرامة وحرية، حد تعبيره، مؤكدًا أنه مستعد للمخاطرة بحياته في سبيل ذلك.

مشهد أبو محمد، بسلاحه وزيه العسكري، لا يلخص وحده صورة تعز

لكن مشهد أبو محمد، بسلاحه وزيه العسكري، لا يلخص وحده صورة تعز. ففي شوارع أخرى، يحاول بائعون وسائقون وعمال وطلاب مواصلة حياتهم تحت ضغط الحرب، ولكل منهم معركته الخاصة لتأمين احتياجاته أو الحفاظ على مصدر رزقه.

في شارع المغتربين، يسير سعيد علي، البالغ 55 عامًا، بمحاذاة جدار لا تزال آثار شظايا قصف قديم محفورة عليه.

يقول سعيد إن القصف والمعارك ومحاولات التخويف لن تدفع السكان إلى التخلي عن حياتهم أو التراجع عن موقفهم. ويضيف: “لم يعد لدينا ما نخسره من أجل هذه المدينة”.

وبالنسبة إليه، لا يقتصر الصمود على مواجهة القصف، بل يشمل مواصلة الأنشطة اليومية التي تحاول الحرب تعطيلها. يقول لـ”القدس العربي”: “نحن نمارس حياتنا بشكل طبيعي تماماً نتسوق، ونتبضع، ونسير في الشوارع، لأن هذا هو أحد سلاح المقاومة والصمود”.

منذ سنوات تسيطر القوات الحكومية على مركز مدينة تعز، بينما يتمركز الحوثيون في أجزاء من شمالها وشرقها. وخلال سبتمبر/أيلول الماضي، امتد التصعيد إلى المحاور الجنوبية والغربية، حيث دارت مواجهات على المرتفعات المطلة على الطريق الرئيسي الممتد جنوباً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *