لندن- “القدس العربي”: اعتبر المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في ملف الصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، في تقرير له إلى مجلس الأمن، أن المفاوضات في نزاع الصحراء تشهد تعثرا، وفي المقابل راهن على الحكم الذاتي “بضمانات دولية”. ويلتقي هذا الطرح مع توصية سابقة لمبعوث أممي سابق، هو الهولندي بيتر فان والسوم في هذا الشأن.
وجاءت هذه الخلاصات في الإحاطة التي قدمها دي ميستورا إلى أعضاء مجلس الأمن في جلسة مغلقة يوم الخميس الماضي، وهي إحاطة من أربع صفحات، تختلف عن التقرير السنوي الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى الدول الأعضاء الأسبوع الماضي.
وانفردت جريدة “لكم” المغربية بنشر أبرز معطيات مضمون تقرير دي ميستورا. وأوضح المبعوث أن نوعا من التفاؤل ساد بعد صدور القرار 2797 خلال أكتوبر الماضي، ولا سيما بعد المفاوضات السياسية المباشرة التي جرت بين الأطراف المعنية. ويتعلق الأمر بمفاوضات السلام التي احتضنتها الولايات المتحدة وإسبانيا، فيما بين يناير وفبراير الماضيين. وأبرز التقرير انخراط واشنطن بكثافة في هذه المفاوضات.
على الرغم من أنه وصف التقدم المحرز في هذه المفاوضات بأنه “تاريخي، فإنها لم تنجح في تجاوز الخلافات الجوهرية بين الأطراف”
وعلى الرغم من أنه وصف التقدم المحرز في هذه المفاوضات بأنه “تاريخي، فإنها لم تنجح في تجاوز الخلافات الجوهرية بين الأطراف”. ويأتي الاعتراف بصعوبة التوصل إلى حل بعد أسبوعين فقط من إقرار مسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، في حوار مع قناة “فرانس 24” بالنسخة الإنكليزية، بأنه «لا يوجد حل وشيك لنزاع الصحراء، وننتظر ملاحظات البوليساريو حول الحكم الذاتي».
ورمى دي ميستورا بالكرة إلى مجلس الأمن، مبرزا أنه الجهة الوحيدة القادرة على تحريك إيقاع المفاوضات. ووفقا للوثيقة نفسها التي اعتمدتها “لكم 2″، فقد سلط التقرير الضوء على ثلاث قضايا تعيق تقدم المفاوضات: أولا، غياب الثقة بين الأطراف المتفاوضة، ولا سيما المغرب وجبهة البوليساريو، وثانيا، رفض البوليساريو الخوض بجدية في مقترح الحكم الذاتي، وأخيرا، صعوبة معالجة بعض القضايا الشائكة.
وبعدما أثنى على القرار 2797، الصادر في نهاية أكتوبر الماضي، شدد هذه المرة على ضرورة أن يتسم قرار مجلس الأمن المقبل بالوضوح، للدفع بالمفاوضات إلى الأمام. واعتبر أن الحكم الذاتي، في الوقت الراهن، هو الحل الأمثل، غير أنه وضع ثلاثة شروط، نقلتها جريدة “لكم 2” الرقمية حرفيا عن التقرير، وهي: “أن يكون الحكم الذاتي فعليا وليس مجرد تسمية، وأن يخضع لعملية ذات مغزى لتقرير مصير سكان الصحراء، وأن يحظى بضمانات دولية قوية من مجلس الأمن لمراقبة تنفيذه الكامل”. وكان المغرب قد تقدم بمقترح للحكم الذاتي في السنة الماضية، وهو تطوير للمقترح الذي كان قد تقدم به سنة 2007.
وتابع دي ميستورا موضحا تصوره للحكم الذاتي، قائلا إنه “ينبغي أن يقوم على مؤسسات تتمتع بصلاحيات فعلية، تتيح لسكان الصحراء التحكم في القرارات السياسية التي تؤثر في حياتهم اليومية. ويجب أن يسمح للاجئين الصحراويين بالعودة في ظروف آمنة وكريمة، وأن يمكن الصحراويين من سن القوانين التي تنظم حياتهم، وإدارة المؤسسات والخدمات العمومية، وتولي مناصب القضاء، والمشاركة في الأنشطة الاقتصادية والتجارية، والاضطلاع بمسؤوليات حفظ النظام والأمن”.
لم يتردد دي ميستورا في مطالبة جبهة البوليساريو بقبول مقترح الحكم الذاتي، وبدء مناقشته، واستعراض مطالبها لتحسين العرض المغربي
وشدد على أنه يجب ألا تكون هناك ضمانات تحول دون إلغاء الحكم الذاتي بمرسوم، في إشارة إلى احتمال منح الحكومة المركزية في الرباط لنفسها الحق في تعليق الحكم الذاتي في حالة الطوارئ. وتتوفر بعض الدول على قوانين تسمح لها بتعليق الحكم الذاتي مثل حالة الحكم الذاتي في اسبانيا.
ولم يتردد دي ميستورا في مطالبة جبهة البوليساريو بقبول مقترح الحكم الذاتي، وبدء مناقشته، واستعراض مطالبها لتحسين العرض المغربي. وهو بذلك يميل إلى الرهان على الحكم الذاتي حلا للنزاع، كما أوردت جريدة “القدس العربي” الأسبوع الماضي. ويلتقي في هذا مع موقف المبعوث الشخصي السابق للأمين العام للأمم المتحدة في النزاع، بيتر فان والسوم، الذي اقترح سنة 2008 أن الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والواقعي. وكان هذا من أسباب رفض الجزائر وجبهة البوليساريو استمراره في مهمته وسيطا. وتكهن دي ميستورا باحتمال تعرضه لانتقادات مثل فان والسوم، وقال إن دعوته الى الحكم الذاتي قد يتم تفسيرها بالتخلي عن الحياد.
وتشير كل المؤشرات إلى احتمال تركيز مجلس الأمن، في اجتماعه المقبل حول نزاع الصحراء، على اتخاذ قرار يدعو إلى تطوير المفاوضات على أساس الحكم الذاتي، وسيربط ذلك، بدون شك، بمعايير دولية لإقناع جبهة البوليساريو.
وفي خطوة لافتة من طرف الملك محمد السادس، وكأنها استجابة للتطورات الجارية في ملف الصحراء، وعلى الرغم من عدم تطرقه إلى الملف في الخطاب الذي ألقاه أمام البرلمان أمس الجمعة، فإنه تحدث عن الجهوية، وهي نوع من الحكم الذاتي على الطريقة المغربية، وذلك بدعوته إلى “نقل الصلاحيات والموارد من المركز إلى الجهات والأقاليم، وإنهاء التأخر في تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري”.
وهي رسالة إلى المنتظم الدولي بأن المغرب مقبل على تجربة جديدة، هي الجهوية نظاما لتسيير البلاد، وبالتالي استعداده لتطوير الحكم الذاتي في منطقة لها خصوصيات تاريخية فاقمتها الحرب.