لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا للمعلقة نسرين مالك، قالت فيه إن منطقة الخليج دخلت عهدا جديدا من عدم الاستقرار، وسيخطئ قادتها إن اعتقدوا أن بإمكانهم مواصلة الاعتماد على التحالفات القديمة.
وأشارت الكاتبة للهجوم الدامي الذي شنه الحوثيون على العاصمة السعودية الرياض يوم السبت. وقالت إنه يمثل منعطفا خطيرا في صراع إقليمي يزداد حدة. وكان هذا الهجوم الأكثر دموية على أي دولة خليجية منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في شباط/فبراير. وفي السعودية، الدولة غير المعتادة على مثل هذه الخسائر في الأرواح، فإن عدد القتلى المرتفع مذهل، ومن المرجح أن يثير ردا دمويا.
وأضافت مالك أن منطقة الخليج دخلت خلال العام الماضي مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وهي مرحلة طويلة الأمد ولا يمكن التراجع عنها.
واستدركت قائلة إن كلامها يبدو مبالغا فيه، وبخاصة أن الخسائر البشرية كانت منخفضة نسبيا، مقارنة بغزة وإيران، إلا أن التآكل التدريجي لمفهوم السلام والأمن في أماكن مثل السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة حول المنطقة بشكل جذري أكثر مما يريد قادتها الاعتراف به.
وقد وقع أول عمل جريء وغير متوقع قبل ما يزيد قليلا عن عام، عندما أطلقت إيران صواريخ على قاعدة جوية في قطر تستضيف قوات أمريكية، ردا على الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية. وأضاءت الصواريخ سماء الدوحة وتناثرت شظاياها، وكانت لحظة عصيبة على القطريين الذين سعوا جاهدين للحفاظ على علاقات طيبة مع إيران. ولكن حتى في ذلك الحين، كان هناك قدر من التحذير والتنسيق يشير إلى أن هذا كان إجراء لحفظ ماء الوجه من جانب الإيرانيين. ولكن وفي وقت لاحق من عام 2025، ودون أي تحذير أو تنسيق مماثل، شنت إسرائيل غارة على الدوحة، مستهدفة عناصر من حماس، مما أسفر عن مقتل خمسة فلسطينيين وقطري واحد.
وكانت تلك بداية النهاية للمفهوم الراسخ عن قدسية أرواح سكان الخليج وسيادتهم، وهي قدسية تم الحفاظ عليها عبر إدارة العلاقات مع إيران والتحالفات مع الولايات المتحدة.
ثم جاءت حرب دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إيران، والتي أدخلت الخليج نهائيا في أتون الصراع. وردا على ما اعتبرته إيران دعما سياسيا وعسكريا ولوجستيا للهجوم عليها، شنت هجمات على السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وعمان. واستهدفت إيران مواقع عسكرية ومنشآت طاقة ومحطات تحلية مياه، أي بنية تحتية متكاملة تشكل ركيزة اقتصاديات هذه الدول، مما تسبب بأضرار جسيمة نتيجة توقف الحياة الطبيعية وإغلاق المدارس لأشهر وكذا إغلاق المطارات والمجال الجوي.
ومن أخطر النتائج لهذه الحرب، وبحسب وجهة نظر حكام الخليج، هي الطريقة التي عرقلت بها هذه الهجمات اندماج هذه الدول في المجتمع الدولي كوجهة سياحية وتجارية ورياضية وترفيهية. فقد أنفقت مليارات الدولارات لتأمين حقوق امتياز بطولات الفورمولا 1 والغولف والملاكمة، ليأتي وابل من الطائرات المسيّرة الرخيصة ليعرض كل ذلك للخطر.
بل وأدت الحرب إلى تفعيل عداء كان ساكنا، مثل الحرب الأهلية اليمنية التي بدأت 2014 عندما سيطر المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران، والذين كانوا يطمحون إلى مزيد من الحكم الذاتي في مناطقهم ذات الأغلبية الشيعية، على العاصمة صنعاء. وفي عام 2015، شن تحالف دولي بقيادة السعودية حملة عسكرية وحشية لإخراج الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها، مما فاقم الحرب الأهلية الضارية التي أودت بحياة مئات الآلاف وأدت إلى كارثة إنسانية. وانخفضت حدة الحرب عام 2022 مع تقسيم فعلي، وإن كان غير رسمي، للبلاد بين الحوثيين وحكومة معترف بها دوليا ومدعومة من السعودية وأعقب وقف إطلاق النار تقارب بين السعودية وإيران.
إلا أن حرب 2026 ضد إيران فتحت آفاقا استراتيجية وأثارت ولاءات سياسية، مما أدى إلى تصاعد تقدم الحوثيين في اليمن.
فعلى سبيل المثال، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى زيادة حركة الملاحة التجارية على طول الساحل اليمني، وهو ما فتح الطريق أمام الحوثيين إلى التقدم والاستيلاء على أراض للتحكم بمضيق باب المندب في البحر الأحمر. وبلغت التوترات ذروتها بعد خمسة أشهر من بدء الحرب، حيث صعدت السعودية غاراتها على الحوثيين، وقامت الحكومة المدعومة سعوديا بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية.
وتقول مالك إن هذه التطورات لم تكن مجرد نتيجة تحرك جماعة مخربة تستغل الموقف وتسعى إلى إفساد صراع أكبر بين إيران والغرب. صحيح أن الحوثيين يحظون بدعم إيراني، إلا أنهم ليسوا مجرد وكلاء لها، بل لديهم طموحات داخلية وعداوات إقليمية حادة، لا سيما ضد آل سعود، الذين يرونهم سيدا متغطرسا ومتكبرا لن يخضعوا له أبدا. ونقل عن مسؤول حوثي بارز قوله إن هجوم السبت جاء “ليدرك العالم” أن البنية التحتية المدنية اليمنية كانت ولا تزال مستهدفة من قبل السعودية في إشارة إلى شعور البعض بأن الرياض لا تبالي بأرواح اليمنيين.
وترى الكاتبة أن ما نشهده في المنطقة، ومن منظور آخر، هو نتيجة أخرى لهجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر على إسرائيل، وما تلاها في حروب في غزة ولبنان وإيران. وقد انهار آخر عنصر كان يساهم في استقرار التوازن الهش في المنطقة عندما قرر ترامب أن سلامة وأمن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج تأتي في المرتبة الثانية بعد “غزوه” لإيران، كما وصفه. وباتت حدود الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية واضحة للحلفاء والأعداء على حد سواء.
وفي الشهر الماضي، رفضت إدارة ترامب تقديم مساعدات عسكرية للسعودية لمحاربة الحوثيين، بعد اجتماع مسؤولين أمريكيين مع الحوثيين، الذين أكدوا أنهم لن يهاجموا السفن الأمريكية في البحر الأحمر، بل السفن السعودية فقط. وقالت مالك إن السعودية تواجه الآن حربا طويلة مستعصية مع خصم بارعٍ ومتحمس، مستعد لتحمل قدر كبير من الألم بطرق لا تستطيع الرياض مجاراتها بدون أن تتكيف بالكامل باتجاه الحرب. وإذا ما قسنا على حملة 2015، فستحصد آلاف الأرواح مع احتمال ضئيل للغاية لتحقيق نتيجة حاسمة.
وبهذه الطريقة تنجرف السعودية، والخليج بأسره، أكثر فأكثر في هذه العاصفة العاتية ولا يستطيع ترامب إنهاء الحرب مع إيران، وتبقى غزة جرحا مفتوحا، وتواصل إسرائيل قصفها واحتلال أجزاءٍ من لبنان.
وبهذه المثابة، يمثل صعود الحوثيين واقعا جديدا في منطقة تعاني من الفوضى وتفقد الأرواح والموارد، عالقة بين تحالفات قديمة لم تعد تجدي نفعا وعداوات جديدة كارثية كبيرة بحيث لا يمكن مواجهتها.