الرواية البوليسية: عودة أم تحوّل؟


رواية الفرنسي فيليب جينادا «مجهولة رصيف جافيل» التي نالت جائزة غونكور الأدبية لعام 2026، تبدأ من تفصيل عابر عاديّ ويوميّ، وقد لا يُلام قارئ إذا دفعته إلى تثاؤب مبكر منذ السطور الأولى: رجل يتناول طعام الغداء، ويشكو من ندرة العثور على طبق «بلانكيت» لذيذ مع الأرز والصلصة والبصل والجزر في المطاعم الباريسية، والزمن معاصر لأنه يترك ورقة نقدية من فئة 5 يورو، قبل أن يغادر حانة «لابولينير» في باريس، لأنه يعبر رصيف أندريه سيتروين نحو جسر ميرابو، وسينحدر يساراً حتى جسر غاريغليانو. هنا، في عبارة خاطفة، عابرة بدورها وأشبه بتفصيل تافه، يدشن موضوع روايته هكذا: هنا، بالقرب من الجسر، خلال ليلة 6 إلى 7 أيلول (سبتمبر) 1949، عُثر على جثة شابة سمراء شبه عارية، كانت قد خُنقت في تلك الليلة.
والحال أنّ قرابة الـ 528 صفحة التالية سوف تتابع التحقيق في تلك الواقعة، الفعلية التي كانت جريمة قتل غامضة سقطت ضحيتها لويز كانسو، العارضة الشهيرة المفضلة لدى فناني حيّ مونمارتر في باريس تلك الأيام؛ ولم تفلح شرطة باريس في كشف ألغازها، فأغلقت التحقيقات بشأنها وسُجلت ضدّ مجهول، حتى توفّر لها روائي مولع بهذا الطراز من الحبكات، فتصدى لإماطة اللثام عن أسرارها. والدار الفرنسية فلاماريون، ناشرة الرواية، عريقة ورصينة وذات سمعة عالية؛ ومع ذلك يجد القارئ تصديراً من المحرر يقول إنّ جينادا، على سبيل الإعداد لروايته هذه، قرأ كامل التحقيقات الـ 75 للمفتش ميغريه، بطل كاتب الرواية البوليسية الفرنسي الشهير جورج سيمنون، التي تعود إلى مطالع ثلاثينيات القرن المنصرم.
فهل كانت الدار مضطرة إلى هذا النوع من الترويج التجاري، لروائي حاصد جوائز أصلاً، وينشر منذ سنة 1997؛ ولو لم يكن كعبه على علوّ وتميّز لما غربل أربع مراحل في اللوائح القصيرة، طبقاً لنظام غونكور: 18 رواية، ثمّ 8، ثمّ 4، قبل الفوز بالجائزة الأدبية الأرفع في فرنسا؟ في كلّ حال، بعد تتويج جينادا لم تعد الدار مضطرة لكثير من أفانين الترويج، إذ إنّ مبيعات الرواية سوف تبلغ معدلات فلكية، كما هو معتاد في ضوء علاقة الثقة الوطيدة بين القارئ الفرنسي وهذه الجائزة تحديداً، وهي في نهاية المطاف مثوبة الفائز الفعلية والكبرى؛ لأنّ قيمة الجائزة المالية أقلّ من رمزية: شيك بـ 10 يورو، لا أكثر!
وهذه السطور تقرأ في تصدير الناشر، وهو محرر الدار أيضاً وصلته بالعمل فنية بدرجات متقدمة، ولعلها تقترب من واجب التحصين المسبق لها؛ هامش استباق لطرازَين من إساءة الفهم، من جانب القارئ أوّلاً، ثمّ المُراجِع الصحفي غير الخبير أو عالي الارتياب تالياً: 1) أنها بوليسية، تحاكي سوية سيمنون أو تستلهم بعض ذُراه العالية، ولكنها ليست من نوع رواية الـPolar التي تميزت بها فرنسا عن جنس الكتابة الأعمّ المصنف عالمياً تحت مسمى الـDetective؛ و2) أنها لا تندرج في، أو لم يشأ لها الروائي ولا الناشر أن تُستقبل على منوال، تقاليد فرنسية عريقة في النوع البوليسي وأشباهه، اختطها أمثال موريس لوبلان وبطله الأشهر أرسين لوبين.
الأرجح، في احتمال ثالث قد لا يصحّ استبعاده، أنّ الناشر/ المحرر شاء إنصاف الرواية عن طريق إبعادها عن حدود التوثيق، التاريخي أو البوليسي أو الوقائعي؛ لأنّ الأصل في مكنون العمل، وبصمة السرد الأبرز، ليس الكشف عن هوية قاتل عجزت الأجهزة الأمنية الفرنسية عن كشفه زمن ارتكاب الجريمة، حتى إذا كان جينادا يقترح بالفعل خلاصة ما، شبه ملموسة، تختتم تحقيقاته حول الفاعل. وإذا صحّ الترجيح، فهذه السطور تثمّن عالياً ذلك المسار الطويل، العوليسي على وتيرة الترحال، الذي قطعه جينادا من شكواه حول طبق الـ»بلانكيت» غير الشهي في الحانة الباريسية، إلى ردّ اعتبار الضحية كانسو، وترسيم مكوّناتها كشخصية روائية، وكما يفعل سارد ماهر متمرس.
وعلى سيرة كريستي، وغير بعيد عن عودة للرواية البوليسية في فرنسا، كانت شهرية Lire الفرنسية المتخصصة بمراجعات الكتب قد كرست مؤخراً عدداً استثنائياً، غطى ثلاثة أشهر وامتدّ على نحو 100 صفحة؛ تناول «ملكة الجريمة»، كما جاء على الغلاف. وقد شملت المحتويات مستويات حضور كريستي، من الرواية والسينما والمسرح، إلى علوم الآثار (صحبة زوجها، في العراق وسوريا)؛ ليس من دون التوقف عند ورثتها هنا وهناك في العالم، ثمّ في فرنسا على وجه التحديد. وفي حصيلة موادّ العدد، ورغم أنه يحتفي بالذكرى الـ 50 لرحيل كريستي، لا تغيب عن القارئ تلميحات وتصريحات وخلاصات حول النوع الروائي البوليسي، وما إذا كان حضوره اليوم يمثل صحوة عودة، أم انعطافة تحوّل في قسط غير ضئيل من مقوماته الكلاسيكية.
وفي مطلع أربعينيات القرن الماضي كتب الناقد الأمريكي إدموند ولسن مقالة هجائية، شنّ فيها هجوماً عنيفاً على الرواية البوليسية وما تخلقه من عوامل زائفة ليس لها من هدف سوى التسلية الرخيصة، والإمتاع السطحي، ودغدغة مشاعر القارئ، وجرّه خلف خيوط الغامض والملتبس والخفيّ. وفوز جينادا ليس أقلّ من ردّ على ولسن، يستوي فيه أن تكون روايته بوليسية أم وثائقية أم… عوليسية!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *