لا تحاول التغطية على بيتك الخرب


سيفي هندلر – باريس

أصبحت هذه العبارة بمثابة شعار يكرر في كل حديث عن موجة العنف التي تجتاح أوروبا الغربية، من ساحة الجمهورية في باريس إلى ساحة الدومو في ميلانو: لقد انتهى أمر أوروبا. بكلمات أخرى، “لقد حذرناكم، أيها الأوروبيون السذج من الاحتلال الإسلامي، ولم تستمعوا لنا. أنتم تنهارون الآن”. لا يقتصر تكرار هذه العبارة على من هم في محيط يانون مغيل وتسفي يحزقيلي، بل إن تطبيق “واتساب” الخاص بي يغرق فيها أيضاً. وبغض النظر عن الفرح الشديد في هذه الدعوة، ثمة نواة في هذه الرسالة تستحق التأمل. هل أوروبا بالفعل في طور الانهيار، وما الموقف الذي يجب على الإسرائيلي اتخاذه في مواجهة هذه الأحداث؟

شهد الاتحاد الأوروبي من دون شك تحولات جذرية في السنوات الأخيرة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. تسارعت هذه التحولات مع قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي (2012)، وزادت شدتها عند غزو روسيا لأوكرانيا في 2022، وعودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2024. ووجدت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، التي تعتبر مركز الثقل السياسي والاقتصادي، التي يشكل اقتصادها مجتمعة نصف الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، وجدت نفسها في مشكلة ثلاثية: ارتفاع تكلفة الطاقة، ازدياد التهديد الأمني من الشرق، وانهيار التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة.

المهاجرون وأبناء الجيل الثاني والثالث للهجرة هم جزء لا يتجزأ من أوروبا اليوم، ومن الاضطرابات الاجتماعية في القارة. لقد جعلهم اليمين المتطرف هدفه الرئيس في حملاته، من المجر إلى فرنسا، وهو يحاول تحميلهم المسؤولية عن مشكلات القارة كلها

رافق هذه التحولات في هذه الدول تحول واضح في مواقف الناخبين من اليمين، إضافة إلى تطرف في الخطاب السياسي، الذي شجعته خوارزميات الشبكات الاجتماعية. هذه هي الخلفية التي تُفهم في ضوئها أعمال العنف التي شهدتها الأسابيع الأخيرة. يختزل الإسرائيليون (وترامب أيضاً) هذه العمليات إلى آلية واحدة للسبب والنتيجة: الهجرة الإسلامية إلى أوروبا، وهي عملية استمرت عقوداً وتسارعت وتيرتها قبل حوالي عقد ونصف، هي سبب العنف في شوارع القارة العجوز. ومن هنا إلى الادعاء بأن أوروبا تشهد انتفاضة تكون نهايتها المحتومة “اتحاد إسلامي”، تبدو المسافة قصيرة. وقد كتب ميشيل ويلبيك هذا الأمر بأسلوب أكثر بلاغة وخيالاً في كتابه بعنوان “الاستسلام” (2015).

كالعادة، الحقيقة معقدة أكثر. المهاجرون وأبناء الجيل الثاني والثالث للهجرة هم جزء لا يتجزأ من أوروبا اليوم، ومن الاضطرابات الاجتماعية في القارة. لقد جعلهم اليمين المتطرف هدفه الرئيس في حملاته، من المجر إلى فرنسا، وهو يحاول تحميلهم المسؤولية عن مشكلات القارة كلها. مع ذلك، اندلاع العنف حدث سياسي واقتصادي واجتماعي، وليس حدثاً قومياً أو دينياً. ولا يشير أي خبير جدي إلى وجود حركات إسلامية في طليعة الاحتجاجات أو إلى خطة منظمة للاستيلاء “الإسلامي” على أوروبا. إن تراجع أوروبا، إذا وجد، هو تراجع سياسي واقتصادي. لا توجد خلافة مستعدة للاستيلاء على السلطة في مدريد، لشبونة أو أثينا.

هل يدرك الإسرائيليون، الذين بقيت أوروبا وجهتهم المفضلة (وشريكتهم التجارية الأكبر، إسرائيل)، حقيقة الوضع، أو أن الكوفية التي يرتديها عدد كبير من المتظاهرين بشكل شبه تلقائي كعلامة تضامن مع غزة والفلسطينيين، تعمي عيونهم. إن اعتبار الكوفية والعلم الفلسطيني دليلاً على الانتفاضة التي تجتاح أوروبا، هو اختزال حدث معقد إلى مجرد رمز خارجي واحد.

إذا كان هناك أساس مشترك لفهم الاضطرابات التي تجتاح أوروبا وإسرائيل فهو ليس الإسلام المتطرف، بل عجز النظام السياسي القائم في روما أو باريس أو “القدس” [تل أبيب]، عن تقديم حلول في مواجهة انهيار النظام القائم. شاهد الإسرائيليون طوال أربع سنوات انهياراً للأطر التي تضمن لهم الأمن الداخلي والخارجي والتعليم، وتوفر المواصلات الفعالة وشبكة الأمان الاجتماعية. من غير الواضح إذا كانت الحملة الانتخابية الأخيرة ستجد حلاً لهذه المشكلة، رغم خطر الوضع الراهن. لذلك، فإن تعزية النفس بفكرة “أوروبا التي انتهى أمرها” ليست في الوقت الحالي إلا مجرد نكتة بيبية على حساب الإسرائيليين.

هآرتس 1/11/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *