البديل العملي عن الحسم العسكري في السودان


كتبنا في مقالنا السابق، أن إصرار بعض الأطراف على تبني خيار الحسم العسكري لإنهاء الحرب الدائرة الآن في السودان، يمكن أن يُقرأ كتصور سياسي وأجندة سياسية يجري تسويقها في قالب عسكري تعبوي. بمعنى أن شعار الحسم العسكري قد تجاوز دلالته التكتيكية البحتة عند هؤلاء ليصبح مشروعاً سياسياً لمستقبل الدولة، ووسيلة لإقصاء الخصوم والتيارات المناوئة، سياسيين أو عسكريين أو مجموعات قاعدية، ومحاولة لفرض رؤية أحادية لشكل السلطة القادم. وفي ذات المقال، قدمنا الحجج لقراءتنا هذه، وأيضا لاستنتاجنا باستبعاد خيار الحسم العسكري نسبة لما يواجهه من صعوبات وتحديات ترجح كفة استحالته.
اليوم، مباشرة نقول إن البديل عن الحسم العسكري، ليس مطالبة السودانيين بالقبول بتسوية كيفما كانت، ولا إجراء حوار شكلي يتجاهل الجرائم المرتكبة ومسببات الحرب وجوهر الأزمة المتمكنة من البلاد. البديل الحقيقي والناجع، من وجهة نظرنا، هو معالجة وقف الحرب كحزمة واحدة تتكامل فيها ثلاث حزم فرعية، تجمع بين الضغط لإنهاء القتال، والمساعدات الإنسانية العاجلة، ومسار سياسي وأمني قابل للتنفيذ. ومن الواضح أن المجتمع الدولي والإقليمي له دور رئيسي في الحزمتين الأولى والثانية، أما الحزمة الثالثة فحصرية للقوى المدنية والسياسية السودانية، ولا دور للمجتمع الدولي فيها إلا عبر الرؤية التي تجترحها هذه القوى. لكن، إذا أردنا فعلا معالجة هذه الحزم، وتحقيق هدف إنهاء الحرب بنجاح، فإن المدخل الأساسي هو الفهم الصحيح لجوهر الحرب وطبيعتها، وأنها اندلعت نتيجة تفاعل عوامل متعددة ومتداخلة ومتكاملة، لا يستطيع أي عامل لوحده أن يفسرها تفسيرًا كاملًا، بل يظل تفسيره ناقصا وجزئيًا. وكنا في مقالات سابقة قد استعرضنا هذه العوامل بالتفصيل، ونلخص هنا، وباختصار، أبرزها:

 البديل الحقيقي هو معالجة وقف الحرب كحزمة واحدة تتكامل فيها ثلاث حزم فرعية، تجمع بين الضغط لإنهاء القتال، والمساعدات الإنسانية، ومسار سياسي وأمني قابل للتنفيذ

العامل الأول: الصراع الداخلي على السلطة بين مراكز القوة في الجيش وقوات الدعم السريع، إضافة إلى محاولات نظام الإنقاذ استعادة سلطته التي أطاحت بها الثورة الشعبية.
العامل الثاني: الخلاف بين قيادتي الجيش والدعم السريع حول الترتيبات العسكرية ومواقيت دمج القوات، وهو عامل ضاعف من حالة التوتر لدرجة كبيرة، لكنه وحده لا يكفي لتفسير اندلاع القتال، نظرًا لكثرة المشتركات بين القيادتين وإمكانية معالجة الخلاف بسهولة نسبيًا. ومواقيت دمج القوات الثانية في الأولى. فالقيادتان ولدتا من رحم واحد، وصنعتا معا تاريخا مشتركا في دارفور وفي حرب اليمن، وكذلك أثناء ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 وما صاحبها من أحداث جسام، خاصة مذبحة فض إعتصام ميدان القيادة العامة في 3 يونيو/حزيران 2019، وإنقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، كما يتشاركان ذات العلاقة الخاصة مع حلفاء خارجيين، في الجزيرة العربية وفي شرق البحر الأبيض المتوسط. هذه السمات المشتركة، وغيرها، كان من الممكن أن تجعل من الخلاف حول الترتيبات العسكرية أمرا يمكن معالجته بكل بسهولة، خاصة أن مسألة دمج القوات أصلا ليست بذلك التعقيد العصي على الحل.
العامل الثالث: الأزمة الوطنية العامة الممتدة منذ فجر الاستقلال، والناتجة عن فشل النخب في إنجاز مهام بناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنية، وتفاقمها بفعل الأنظمة المتعاقبة التي لم تهتم بإنجاز هذه المهام وركزت على البقاء في السلطة. وتجلّت الأزمة في الحلقة الشريرة، الانقلابات والانتفاضات والنزاعات والحروب الأهلية، وفي انفصال الجنوب، ثم جاءت الحرب الأخيرة شكلًا جديدًا لهذه الأزمة بعنوان التهجير وتدمير البنى التحتية وتفتيت وحدة البلاد.
العامل الرابع: العوامل الإقليمية والدولية المرتبطة بالصراع حول الأمن الغذائي والمياه والموانئ والممرات المائية، وبالموقع الجيوسياسي للسودان في مرمى نزاعات الجوار والقرن الأفريقي والساحل والصراع العربي الإسرائيلي، وبالتنافس بين أمريكا والغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، وبالمواجهة ضد تيارات الإسلام السياسي. وهنا لابد من التوقف عند استمرار تغذية نيران الحرب بالدعم وتدفق الأسلحة، وتقاصر الجهود الإقليمية والدولية في لجم ذلك، ممل يجعل الحرب أيضًا حربًا بالوكالة وضد السيادة السودانية، حيث تسعى بعض الأطراف لاستغلال هشاشة الدولة لضربها وتقسيمها. لذلك، فإن أي رؤية لوقف الحرب يجب أن تتناول المصالح الإقليمية والدولية وارتباطاتها بالصراع، ووضع حلول عملية لمعالجتها، وتحديد كيفية تعامل القوى المدنية والسياسية السودانية مع الشركاء الدوليين الداعمين لوقف الحرب دون التفريط في السيادة الوطنية، وفق رؤية موحدة ومتوافق عليها تشكل سدًا أمام التدخلات الخارجية التي تستفيد من الحرب لتنفيذ مخططاتها ونهب موارد البلاد.
وهكذا، فإن الفهم الصحيح لطبيعة الحرب عبر الإدراك الجيد لهذه العوامل، في تكاملها، هو المدخل لمعالجة الحزم المشار إليها أعلاه وصولا إلى وقف الحرب. أما تنفيذ هذه الحزم، فيمكننا تصوره في أربع خطوات مترابطة، ويكمل بعضها البعض: الخطوة الأولى، فرض هدنة أو وقف إطلاق نار إنساني قابل للمراقبة يتيح حماية المدنيين ووصول المساعدات، علما بأن المجاعة تمكنت من مئات الآلاف، ودخل الملايين في مرحلة إنعدام الأمن الغذائي. الخطوة الثانية، فرض وقف مستدام لإطلاق النار بآليات واضحة للرصد والتحقق وتحديد المسؤولية عن الخروقات، ومصحوبا بوقف تدفق السلاح والدعم الخارجي. الخطوة الثالثة، عملية سياسية بصياغة وقيادة مدنية سودانية تعالج مستقبل الحكم، والعدالة الانتقالية، وأسباب التهميش والنزاعات المتكررة، من دون منح الأطراف المسلحة حق احتكار تقرير مستقبل البلاد. والخطوة الرابعة، ترتيبات أمنية تدريجية تتناول مصير القوات والتشكيلات المسلحة، ونزع السلاح أو التسريح أو الدمج وفق معايير وطنية ومهنية واضحة.
سنتناول كل خطوة من الخطوات الأربع هذه بالتفصيل في مقالاتنا القادمة، بما في ذلك مقترحاتنا حول خيارات تنفيذها. ولكن نشير هنا إلى ضرورة أن تسند عملية التنفيذ هذه إلى إعلان مبادئ، يُشترط أن توافق عليه كل الأطراف المتحاربة، وأن تجمع عليه القوى المدنية والسياسية السودانية، وهي أصلا المناط بها ابتدار مسودته. وهنا، لابد أن نرحب بمحاولات وإجتهادات القوى المدنية لصياغة إعلان المبادئ هذا، ونواصل في المقالات القادمة.

٭ كاتب سوداني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *