نتنياهو وآيزنكوت… خلافات تتجاوز حدود الأسلوب


باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان: “بنيامين نتنياهو أم غادي آيزنكوت؟ الأمر مختلف والمسألة لا تتعلق بالأسلوب فحسب”؛ قال آلان فراشون، كاتب عمود في صحيفة “لوموند” الفرنسية، إن هناك خلافات عديدة بين الرجلين. فمن وجهة نظر خارجية، من المغري تطبيق المقولة الفرنسية الشهيرة على المشهد السياسي الإسرائيلي: “وجهان لعملة واحدة”. ففي نهاية المطاف، سواء شكّل بنيامين نتنياهو أو غادي آيزنكوت الحكومة المقبلة، لن يكون لذلك، في نظر البعض، أهمية كبيرة.

وأضاف الكاتب القول إن الانتخابات لم تطرح، في واقع الأمر، السؤال الأساسي المتعلق بمستقبل التعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين، حيث ما تزال فظاعة هجوم السابع من أكتوبر عام 2023 تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد. والأكثر من ذلك، أن رئيس الحكومة المنتهية ولايته وزعيم المعارضة يتبنيان الموقف نفسه بشأن هذه القضية: لا دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، كما يقول الرجلان.

فزعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو، البالغ من العمر 77 عاماً، والذي أمضى في السلطة قرابة ربع قرن، وزعيم حزب “ياشار” اليميني- الوسطي، غادي آيزنكوت، البالغ من العمر 66 عاماً، يعكسان توجهاً سائداً في المجتمع الإسرائيلي. أما مستقبل التعايش بين شعبين على أرض واحدة، فيبدو بعيد المنال.

وتقول مئيراف زونزهاين، الخبيرة الإسرائيلية الأمريكية في مجموعة الأزمات الدولية: “إن نزعة معادية للفلسطينيين تهيمن على الحياة السياسية الإسرائيلية، وتجعل التفكير الجاد في هذه القضية المصيرية أمراً مستبعداً في الوقت الراهن”.

تباين واضح

مع ذلك، فإن نتنياهو أو آيزنكوت ليسا وجهين لعملة واحدة. فالأمر لا يتعلق باختلاف الأسلوب فحسب. فمن جهة، هناك سياسي مخضرم، يجمع بين أساليب التواصل السياسي الأمريكية والحنكة السياسية التقليدية، ويمزج بين القناعات الأيديولوجية والشعبوية، دون أن يغفل الاهتمام بمصالحه الشخصية والمادية الأكثر مباشرة. ومن جهة أخرى، هناك عسكري يتحدث بصراحة، بأسلوب مباشر وخشن، لا يعرف كثيراً من البلاغة، أشبه ما يكون بدبابة لا تعرف المراوغة، لكنه يولي اهتماماً للانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي ولضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة.

بعيداً عن اختلاف الشخصيتين، فإن ما يمثّله آيزنكوت من اختلاف، له أهمية على الصعيدين الداخلي والخارجي. فالانقسام الانتخابي، الذي يكاد يقسم الناخبين إلى نصفين متساويين، يعكس شرخاً حقيقياً داخل المجتمع الإسرائيلي. فزعيم حزب “ياشار” يدين تحالف الليكود مع تشكيلات سياسية تتبنى تفوق اليهود على غيرهم. أما نتنياهو، فقد ساهم في جعل التيار السياسي الذي كان ينتمي إليه يغئال عمير، قاتل رئيس الوزراء العمالي إسحاق رابين عام 1995، تياراً عادياً ومقبولاً، أو طبيعياً، أو حتى مشروعاً، بحسب التعبير الذي نختاره.

آيزنكوت ليس غريباً عن عقيدة الرد العسكري غير المتناسب، كما أظهر خلال المواجهة مع حزب الله في لبنان. لكنه ينتقد تأثير الوزراء الأكثر تطرفاً في حكومة نتنياهو على طبيعة الرد الإسرائيلي على هجمات 7 أكتوبر، والذي اتخذ شكل تدمير قطاع غزة، وسقوط 74 ألف قتيل فلسطيني، فضلاً عن تفضيل الحرب على حساب المفاوضات الرامية إلى تحرير الرهائن. وخلال المعارك في غزة، فقد الجنرال السابق ابناً له واثنين من أبناء إخوته.

أما نتنياهو، فمن أجل ضمان دعم الأحزاب الحريدية (اليهودية المتشددة دينياً) لائتلافه الحكومي، يدافع عن الإعفاء من الخدمة العسكرية الذي تستفيد منه عائلات هذه الأحزاب. في المقابل، يعتزم حزب “ياشار” إلغاء هذا الإعفاء. ويريد آيزنكوت تشكيل لجنة تحقيق للنظر في الإخفاقات الأمنية التي ربما أدت إلى هجمات 7 أكتوبر 2023. بينما يرفض الليكود ذلك.

غزة والضفة والاستيطان

أما بشأن مستقبل غزة، حيث يُحاصر أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة لا تتجاوز ثلث مساحة القطاع، فإن آيزنكوت يبدي استعدادا لقبول الخطوط العريضة لخطة السلام الأمريكية، وهي الخطة التي رفضها نتنياهو منذ البداية بشكل كامل. ومع ذلك، فإن الجنرال السابق يمنح نفسه مهلة ثمانية عشر شهراً لتحييد حركة حماس، في حال رفضت نزع سلاحها.

في الأراضي الفلسطينية الأخرى، أي الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، انتهج الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته سياسة استيطانية محمومة ومتسارعة. كما شجّع الاعتداءات وأعمال التخريب والتدمير التي نفذتها مجموعات من المستوطنين، في كثير من الأحيان بتواطؤ من الجيش الإسرائيلي.

وقد دان آيزنكوت هذه الحملة القائمة على بث الرعب. ورغم أنه لا يعارض الاستيطان من حيث المبدأ، فإنه يرفض إقامة مستوطنات من شأنها تقسيم الضفة الغربية إلى شطرين منفصلين. كما أنه يؤيد استئناف التعاون مع السلطة الفلسطينية، التي لم يتوقف نتنياهو عن العمل على إضعافها.

عزلة دولية

فيما يتعلق بإيران، فإن رئيس الأركان السابق، المعروف بنهجه المتزن والحذر، يتجنب إطلاق التصريحات النارية والتهديدات العسكرية. في المقابل، يدعو رئيس الوزراء المنتهية ولايته إلى شن موجة جديدة من القصف، قائلاً: “يجب أن نحقق القضاء الكامل على النظام الإيراني”. ومتى؟ الآن، ربما بهدف خلق مناخ من الالتفاف الوطني حول الحكومة وتوحيد الرأي العام.

يتباهى نتنياهو بأنه “سيد الأمن” في إسرائيل، أي الرجل الذي يضمن أمنها. فقد نجح في تقليص التهديد الذي تمثله حماس، وإضعاف تهديد حزب الله اللبناني، وإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، وضرب الميليشيات الحوثية في اليمن، وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، التقليدية والنووية على حد سواء.

لكن كل ذلك لم يحقق ما يسميه “النصر الكامل”. لقد تحقق هذا التفوق العسكري الإسرائيلي على المستوى الإقليمي بالتوازي مع عزلة دولية غير مسبوقة تعيشها إسرائيل، نتيجة حرب غزة والسياسة المتبعة في الضفة الغربية.

وكانت الكلفة السياسية والدبلوماسية باهظة: تحول تاريخي في مواقف الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا، ناهيك عن دول الجنوب العالمي، وبصورة خاصة تراجع مسار اتفاقيات أبراهام، التي كانت تمثل عملية تدريجية لإدماج إسرائيل في محيطها العربي.

أما نقطة الخلاف الأخيرة بين الرجلين، فليست أقل أهمية من سابقاتها، وتتعلق بدولة القانون وسيادة القانون. فحزب “ياشار” يدين محاولات نتنياهو توجيه الديمقراطية الإسرائيلية نحو نموذج ديمقراطي غير ليبرالي، يقوم على إضعاف الضوابط والمؤسسات الديمقراطية.

وعلى مستوى الخطاب والممارسة السياسية، يتعلق الأمر بالخروج من أجواء الحرب الأهلية التي يتعمد نتنياهو، بحسب الكاتب، تغذيتها والاستفادة منها. هذه هي مجمل أبعاد الاختلاف الذي يمثله غادي آيزنكوت.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *