ازدحام في الأسواق … والوضع المعيشي يغيّر الطقوس


دمشق – “القدس العربي”: رغم الواقع الاقتصادي المثقل بالتحديات، تستعيد مدينة دمشق ملامحها الاحتفالية مع حلول عيد الأضحى، فتعود الأسواق والأزقة التاريخية إلى نبضها، وبينما تستعيد المتاجر حركتها، وتتعالى أصوات الباعة وتمتلئ الواجهات بصواني وقوالب الحلويات، وتتزاحم العائلات في أسواق الحميدية والحرير والخياطين والعصرونية بين محال الحلويات والألبسة والهدايا، حيث تفوح من سوق البزورية روائح البهارات والقهوة والمكسرات والمعمول والكعك. وعلى امتداد أزقة القيمرية الحجرية، ومدحت باشا، ينتشر الناس بين المقاهي التراثية، فيما تبقى “بوظة بكداش” في سوق الحميدية محطة لا يمكن تجاوزها، حيث يصطف الزوار في كل الأعياد لتذوق البوظة العربية بالفستق الحلبي، في مشهد يختصر ذاكرة العاصمة وأعيادها الممتدة.

مشهد حيوي

في وسط حي الزبلطاني، أحد أهم المراكز التجارية في دمشق، إذ تنتشر معامل الحلويات الدمشقية وأسواق المكسرات والسمن ومستلزمات صناعة المعمول والبقلاوة والكنافة، يوضح معاذ شميس، أحد تجار المدينة، ملامح التحولات التي طالت سوق الحلويات خلال الفترة الأخيرة، معتبراً أن هذا المشهد الحيوي الظاهر يواجه اليوم واقعاً اقتصادياً مثقلاً بالتحديات، ما ينعكس مباشرة على حركة الإنتاج والبيع.

ويقول لـ “القدس العربي” إن المرحلة السابقة، التي تلت تحرير سوريا في العام الماضي، شهدت دخول أصناف متعددة من الحلويات والضيافات المستوردة من تركيا ومصر ودول الخليج، وكانت تلك البضائع تصل إلى الأسواق دون فرض ضرائب، ما انعكس حينها على حركة استهلاك نشطة وإقبال واضح من قبل الأهالي.

المشهد تغيّر اليوم، حسب شميس، إذ بدأت البضائع التي دخلت إلى البلاد خلال الشهرين الماضيين عبر شركات مختلفة تفُرض عليها رسوم وضرائب مرتفعة

لكن المشهد تغيّر اليوم، حسب شميس، إذ بدأت البضائع التي دخلت إلى البلاد خلال الشهرين الماضيين عبر شركات مختلفة تفُرض عليها رسوم وضرائب مرتفعة، الأمر الذي انعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطن، وأدى إلى حالة من الركود في سوق العيد.

ويضيف أن الضرائب لم تقتصر على السلع الجاهزة فحسب، بل طالت أيضاً المواد الأولية الداخلة في صناعة البسكويت والحلويات الوطنية، ما تسبب في ارتفاع إضافي في الأسعار. كما ساهم تذبذب سعر الصرف خلال الأسابيع الماضية وارتفاع الدولار في زيادة الأعباء على التجار والمستهلكين على حد سواء، ما جعل موجة الغلاء أكثر حدة.

ويشير إلى أن الدخل المعيشي للمواطن يتراجع تدريجياً، في ظل تزايد الالتزامات اليومية من فواتير الكهرباء إلى متطلبات المعيشة الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على حجم الإنفاق خلال موسم العيد.

ويؤكد أن أصنافاً كانت تعد من الأكثر طلباً مثل المعمول الدمشقي بالفستق الحلبي والحلويات الشرقية المحضرة بالسمن البلدي، إضافة إلى البرازق المقرمشة والبقلاوة الطرية والغريبة والنمورة، بدأت تشهد تراجعاً في الإقبال، خاصة الأنواع الفاخرة منها.

ويضيف: “المعمول المحشو بالفستق الحلبي أو الجوز أو المحضر بالسمن البلدي، الذي كان يدخل البيوت الشامية في كل عيد، بات اليوم مقتصراً على طبقة محدودة، وهي نخبة من الناس، نتيجة ارتفاع تكلفته”.

ويتابع أن “الكثير من الإنتاج المحلي في المعامل أصبح يعتمد على الفستق السوداني بدلاً من الحلبي، وعلى السمن النباتي بدل البلدي، في محاولة لتخفيض التكلفة، بينما لم تعد بعض الأنواع الفاخرة متوفرة إلا لدى فئة محدودة من الزبائن”.

بين قوالب وصواني الحلوى التي كانت تتجاوز في السابق أكثر من 300 صنف، يشير “أهل الكار” في هذه الصناعة إلى تراجع ملحوظ في حركة البيع

وبين قوالب وصواني الحلوى التي كانت تتجاوز في السابق أكثر من 300 صنف، يشير “أهل الكار” في هذه الصناعة إلى تراجع ملحوظ في حركة البيع، سواء بالنسبة للحلويات المنزلية الشامية أو أصناف الضيافة التقليدية مثل النوجا والحلقوم والملبّس – وهو اللوز المغلف بطبقة رقيقة من السكر – إضافة إلى الشوكولا، في ظل ضعف الإقبال مقارنة بالمواسم السابقة.

وفي صورة تعكس اتساع تأثير الأزمة المعيشية على مختلف المناطق، تنقل سلام هاروني من محافظة القنيطرة القريبة لـ “القدس العربي” مشهداً مختلفاً للعيد هذا العام، حيث تقول إن التحضيرات داخل البيوت باتت تقتصر على أبسط التفاصيل من تنظيف المنزل وترتيب غرفة الضيوف، إلى تشغيل تكبيرات العيد في الصباح، مع ذهاب الرجال إلى صلاة العيد، لكن دون المظاهر الاحتفالية الواسعة التي كانت ترافق المواسم السابقة.

وتشير إلى أن أعداد الحجاج من المنطقة هذا العام كانت محدودة جداً، في حين شهدت الأضاحي ارتفاعاً كبيراً في أسعارها، ما جعل الإقبال عليها ضعيفاً ومحصوراً بعدد قليل من العائلات القادرة على تحمل التكلفة.

أعداد الحجاج من القنيطرة هذا العام كانت محدودة جداً، في حين شهدت الأضاحي ارتفاعاً كبيراً في أسعارها

وفي تفاصيل الاستعدادات داخل البيوت، تقول إن عدداً كبيراً من الأهالي عزف عن شراء ملابس العيد للأطفال، واكتفى باستخدام ملابس عيد الفطر، كما اكتفت معظم الأسر بصنع صنف واحد فقط من الحلويات هو معمول التمر، بعد أن كانت الموائد تتنوع بين عدة أصناف في كل عيد. وتضيف: “حتى إن فكرة الاستدانة من الأقارب باتت صعبة بسبب تراكم الديون وضعف القدرة على السداد”.

الحوالات الخارجية

وفي ظل اعتماد الأسر بشكل أساسي على الحوالات الخارجية، تقول هاروني: “إنها العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه الأهالي غير أنه غير كاف لجميع الاحتياجات وبالكاد يغطي نفقات الطعام ولا مجال لإنفاقها على الزينة أو الحلويات أو هدرها للرفاهية”.

 وتعتمد أغلب العائلات، بحسب هاروني، على الزراعة والعمل في الأرض كمصدر رزق رئيسي، إلا أن هذه الموارد تأثرت بدورها بسبب القيود المفروضة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي على فلاحي المنطقة، وصعوبة الوصول إلى الأراضي، ما زاد من حدة الأزمة المعيشية في موسم العيد.

تنقل روشان، وهي شابة كردية (30 عاماً) من عفرين في ريف حلب، صورة العيد كما تعيشه الأسر بين التحضيرات البسيطة وضغوط المعيشة وحنين الطقوس العائلية

وتنقل روشان، وهي شابة كردية (30 عاماً) من عفرين في ريف حلب، صورة العيد كما تعيشه الأسر بين التحضيرات البسيطة وضغوط المعيشة وحنين الطقوس العائلية.

وتقول لـ”القدس العربي” إن شراء ملابس العيد أصبح رمزياً أكثر منه ضرورة، فحتى لو كانت الظروف لا تسمح، “لا بد من قطعة واحدة على الأقل لإحياء أجواء العيد”.

وتشير إلى أن ارتفاع الأسعار بات يشكل عبئاً على العائلات، معتبرة أن ما يجري هو نوع من “الاستغلال”، إذ لم تعد الأسعار كما كانت في السابق، ولم يعد هناك فرق يذكر بين الاحتياجات الأساسية والكماليات من حيث الكلفة. وتؤكد أن الحوالات المالية القادمة من الخارج أصبحت عنصراً أساسياً في دعم الأسر، بل هي، حسب وصفها، “التي تحرك السوق اليوم”، في ظل غياب فرص العمل واعتماد كثير من العائلات عليها لتغطية احتياجاتها.

أما عن طقوس العيد لديها، فتوضح أنها لم تتغير، وتبدأ بتبادل الزيارات مروراً باجتماع العائلة وتبادل التهاني، وتنتهي بذبح الأضاحي.

فقدان “لمة زمان”

وعن طقوس المناسبة تحت وطأة الغلاء وتراجع الدخل، تروي نسرين مطره جي (45 عاماً) من اللاذقية، وهي ربة منزل وأم لولد وبنت، تفاصيل استعداداتها للعيد، وكيف يحرص الأهالي على عاداتهم.

تقول نسرين: “لا أستطيع الاستغناء عن طقس تزيين مائدة العيد”، معتبرة في حديث مع “القدس العربي” أنه جزء أساسي من أجواء المناسبة لا يكتمل العيد بدونه، لكنها في المقابل تختصر كثيراً من تفاصيل الزينة المنزلية، وتكتفي بتزيين السفرة وتنوع الحلويات بدلاً من تزيين البيت بالكامل، في محاولة لمواءمة التقاليد مع القدرة المادية.

وتضيف أن كل ربة منزل باتت تعرف كيف تدير احتياجاتها بحسب دخلها، دون أن تخصص مبالغ كبيرة للزينة، بل يمكن الاكتفاء بما هو “على قد الحال”.

وتقول: “جهزت حلويات العيد وملابس للأطفال، ولو بحدها الأدنى، لأن إدخال الفرحة إلى قلوب الأبناء يبقى أولوية، كجزء من طقس ديني وتقاليد موروثة عن الأهل، رغم أن الأسعار باتت مرتفعة بشكل كبير يدفع إلى الاختصار قدر الإمكان”.

في اللاذقية إعداد حلويات العيد في المنزل قد فرض نفسه كبديل لحلويات السوق الجاهزة، نتيجة ارتفاع أسعار الأنواع الفاخرة في الأسواق

وتعتبر أن إعداد حلويات العيد في المنزل قد فرض نفسه كبديل لحلويات السوق الجاهزة، نتيجة ارتفاع أسعار الأنواع الفاخرة في الأسواق، بينما الأنواع الأرخص لا ترقى إلى المستوى المطلوب من حيث الجودة، لذلك فإن “شغل البيت” يبقى الأفضل.

أما أكثر ما يحرص عليه أهالي اللاذقية هو لمّة العائلة في العيد، رغماً عن الظروف الاقتصادية والحرب والاغتراب التي أثرت على هذه العادات، بحسب قولها.

وفيما يخص العادات عند أهالي القامشلي بريف الحسكة، تقول دعاء يوسف العمر، وهي إعلامية (24 عاماً)، إن عيد الأضحى ما يزال يحمل رمزيته الدينية والاجتماعية لدى السكان، حيث يحافظ الجميع على طقوسه بأداء صلاة العيد، ثم خروج الأطفال إلى الشوارع لطلب العيديات وتبادل التهاني، تليها زيارات عائلية تحاول الحفاظ على روح المناسبة “فالناس هنا يتمسكون بالطقوس حتى وهم يغرقون بالفواتير”.

السكاكر بدل الحلويات

وعن الأضاحي تقول دعاء إنها “أصبحت خارج قدرة معظم العائلات، بعد الارتفاع الكبير في أسعار المواشي، حيث باتت أقل أضحية تقدر بنحو 400 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة الكثيرين في المنطقة”. وفيما يتعلق بحلويات العيد، تشير إلى أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية مثل السمن والفستق والجوز أدى إلى تراجع واضح في كميات التحضير المنزلي، ما دفع العديد من الأسر إلى الاكتفاء بشراء كميات محدودة من سكاكر العيد البسيطة، رغم ارتفاع أسعارها أيضاً، إذ يبلغ سعر أرخص كيلو من الضيافة نحو 55 ألف ليرة سورية (قديمة).

الانفاق بات محسوباً بدقة، حيث لم تعد بالإمكان تغطية كل تفاصيل العيد كما في السابق، ما جعل كثيراً من العائلات تكتفي بالأساسيات فقط،

وتضيف: “الانفاق بات محسوباً بدقة، حيث لم تعد بالإمكان تغطية كل تفاصيل العيد كما في السابق، ما جعل كثيراً من العائلات تكتفي بالأساسيات فقط، ورغم ذلك، ما زلنا نحاول إعداد أصناف تقليدية مثل المعمول والغريبة والبرازق في المنازل، لكن بكميات أقل بكثير، في محاولة للحفاظ على جزء من روح العيد وطقوسه المعتادة”.

العيد الأكثر عزلة

وإزاء ضيق الحال رغم الأعياد التي تكاد لا تمر على المخيمات في المناطق الحدودية، حيث يلخص عبد اللطيف فطراوي من مخيم قاح بريف إدلب، واقعاً مختلفاً للعيد، تغيب فيه مظاهر الاحتفال التقليدية أمام ثقل الظروف المعيشية.

ويقول فطراوي: “نستقبل عيد الأضحى ضمن طقوس باتت مألوفة لدى معظم سكان المخيمات، لكنها لا تتجاوز حدود الحد الأدنى من التحضيرات. فلم يتمكن أحد من أداء فريضة الحج هذا العام، كما لا يوجد أي استعداد لذبح الأضاحي بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة”.

ويشير إلى أن تحضيرات العيد داخل الخيمة أو المنزل المؤقت تقتصر على أبسط التفاصيل، من دون زينة ولا تجهيزات خاصة، لافتاً إلى أن الملابس المستخدمة هي ذاتها من عيد العام الماضي.

تحضيرات العيد داخل الخيمة أو المنزل المؤقت تقتصر على أبسط التفاصيل، من دون زينة ولا تجهيزات خاصة

وعن أكثر ما يرهق عائلته في المخيم، يقول فطرواي إنه الارتفاع الكبير في الأسعار، ويضيف: “لم يتمكن أطفال من الاستعداد للعيد كما يرغبون، سواء من حيث الملابس أو الأجواء الاحتفالية”.

ويتابع: “نحاول قدر الإمكان إحياء شعائر العيد من صلاة وزيارات للمقابر، رغم بساطة الإمكانيات وتراجع الأجواء الاحتفالية”، معتبراً أن الأوضاع الاقتصادية أثرت على تفاصيل الحياة اليومية.

ويضيف: “لم نصنع حلويات العيد مثل المعمول أو الغريبة أو البرازق، بل لم يتم حتى شراء أصناف جاهزة رخيصة كما كان يحدث في السابق، بسبب ضيق الحال وفقدان الدخل”.

وعن اجتماع العائلة يقول: “بقي هذا المخيم دون أقارب، بعدما عاد معظم أفراد العائلة إلى أماكنهم الأصلية أو إلى داخل البلاد، ما جعل أجواء العيد أكثر عزلة”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *