نهب الآثار الفلسطينية: جبهة الحرب المفتوحة


عميت هاليفي، عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب الليكود، مدعوماً من 23 عضواً آخرين ممثلي أحزاب يمينية وقومية ودينية صهيونية متطرفة، يسابق الزمن لتمرير تصويت الكنيست على مشروع قانون يحمل مسمى «سلطة تراث يهودا والسامرة». وفي حال إقراره سوف يتكفل القانون بنقل سائر قطاعات الآثار في الضفة الغربية وقطاع غزة من إدارة تابعة لجيش الاحتلال، إلى هيئة إسرائيلية مدنية مستحدثة تتبع لوزارة التراث، وتمتلك سلطة مصادرة الأراضي الفلسطينية، كما تتمتع بصلاحيات واسعة في التنقيب والاستملاك وحيازة المكتشفات.
هاليفي لا ينطق عن هوى بالطبع، وهو ينوب عن زعيم حزبه ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في تطبيق الخطط الإسرائيلية الهادفة إلى الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتسهيل إنشاء البؤر الاستيطانية، وتوسيع المستوطنات القديمة والجديدة، وتهويد ملفات الآثار والتراث المادي واللامادي الفلسطيني، وصولاً إلى الهدف الاستراتيجي الأعلى المتمثل في ضمّ الضفة الغربية وربما مساحات غير محدودة من قطاع غزة.
ويبذل هاليفي جهوداً محمومة لتمرير مشروع القانون قبل أن تبدأ إجراءات حلّ الكنيست هذه الأيام، عملاً بمشروع تقدم به الائتلاف الحاكم تمهيداً للدعوة إلى الانتخابات المقبلة، ومن باب المناورة أيضاً على مشاريع مماثلة لحلّ الكنيست تقدمت بها المعارضة. كذلك يجهد هاليفي لتسريع التصويت بالنظر إلى أن مشروع قانون الآثار هذا قوبل بتحفظات من قسم القانون الدولي في وزارة الحرب الإسرائيلية، لأنه يضع دولة الاحتلال في موقع انتهاك صريح للقانون الدولي بصدد الآثار في المناطق الخاضعة للاحتلال العسكري.
وفي ضوء الصلاحيات الواسعة التي يمنحها مشروع القانون للهيئة المستحدثة، وبينها إجراء عمليات التنقيب وتشغيل المواقع وإدارتها وممارسة الرقابة عليها ومصادرة الأراضي واستملاكها والاستيلاء على المكتشفات والانفراد باستخدامها، فإنّ عدداً غير قليل من الآثاريين الإسرائيليين أنفسهم يتخوفون من عواقب دولية قد تنجم بسببه، على رأسها حجب التمويلات والمقاطعة في المحافل الآثارية العالمية والمقاضاة في المحاكم.
وبالمعنى السياسي والقانوني، فإن استحداث هيئة الآثار هذه سوف يشكل خرقاً صريحاً وفاضحاً لاتفاقيات أوسلو التي وقعت عليها دولة الاحتلال، وذلك لأن صلاحيات الاستملاك والاستيلاء والتنقيب والحيازة لا تنطبق على المنطقة «ج» الواقعة تحت السيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية وحدها، بل تشمل أيضاً المنطقة «ب» التي تديرها السلطة الفلسطينية، فضلاً عن مساحات أخرى في قطاع غزة.
وإذا كانت 78 سنة منذ زرع الكيان الصهيوني في فلسطين التاريخية قد انطوت على أنماط شتى من نهب الآثار وتدمير العمران، إلى جانب الاحتلال والتهجير القسري والتطهير العرقي ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات، بالتوازي مع تخريب الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والزراعية والصناعية والثقافية الفلسطينية، فإن مشروع الهيئة المستحدثة لا يضيف جديداً على هذا التاريخ.
ما خلا البرهنة مجدداً على أن جرائم الحرب الإسرائيلية كانت على الدوام متعددة ومتنوعة ومتكاملة، لا تبدأ من المجازر وارتكاب الفظائع بحقّ الفلسطيني المدني، ولا تنتهي عند اجتثاث أشجار الزيتون ونهب الآثار.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *