موريتانيا تنشغل بأزمة السنغال… فضول سياسي أم شبكة مصالح عميقة؟


نواكشوط – “القدس العربي”: تستمر أزمة الحكم الحالية في السنغال في جذبها غير المسبوق لاهتمام الأوساط السياسية والإعلامية في موريتانيا، وسط تصاعد النقاش حول تداعيات الخلاف بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء المُقال، عثمان سونكو، وانعكاسات ذلك على التوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة.

وبرزت في موريتانيا موجة واسعة من التعليقات والتحليلات لمجريات الشأن المتأزم في داكار، حيث انقسمت المواقف بين من يرى أن ما يحدث شأن داخلي يخص السنغاليين وحدهم، ومن يعتبر أن استقرار السنغال يرتبط مباشرة بأمن ومصالح موريتانيا بحكم الجوار والتداخل الاستراتيجي المتزايد بين البلدين.

ويرى مراقبون أن الاهتمام الموريتاني بالأزمة يتجاوز الفضول السياسي التقليدي، في ظل شبكة المصالح العميقة التي تربط نواكشوط وداكار، خصوصاً في ملفات الغاز والطاقة والاستثمارات المشتركة والتنسيق الأمني والهجرة.

شراكات الغاز والنهر

وتتقاسم موريتانيا والسنغال واحداً من أكبر مشاريع الطاقة في غرب إفريقيا، وهو مشروع استغلال حقل الغاز البحري “السلحفاة آحميم الكبير”، الذي تراهن عليه الحكومتان لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الإيرادات العمومية خلال السنوات المقبلة.

كما يرتبط البلدان بمشاريع استراتيجية ضمن منظمة استثمار نهر السنغال، تشمل الطاقة الكهرومائية والري والزراعة والبنى التحتية، فضلاً عن العلاقات التجارية والإنسانية الكثيفة بين السكان على ضفتي النهر.

تخشى بعض الأوساط الموريتانية من أن يؤدي أي تصعيد داخلي في السنغال إلى انعكاسات على ملفات الهجرة والأمن الحدودي

ويجمع محللون متابعون لهذا الملف على أن أي اضطراب سياسي في داكار قد يؤثر على مناخ الاستثمار الإقليمي، وعلى مستوى الثقة الدولية في المشاريع المشتركة، خصوصاً في منطقة تواجه أصلاً تحديات أمنية وسياسية معقدة.

كما تخشى بعض الأوساط الموريتانية من أن يؤدي أي تصعيد داخلي في السنغال إلى انعكاسات على ملفات الهجرة والأمن الحدودي، في ظل الحساسية الخاصة التي تطبع العلاقة بين البلدين منذ عقود.

ويأتي هذا القلق في وقت ينظر فيه إلى السنغال باعتبارها إحدى آخر واجهات الاستقرار السياسي والمؤسساتي في غرب إفريقيا، بعد سلسلة الانقلابات والأزمات التي شهدتها دول الساحل خلال السنوات الأخيرة.

وعبر النائب الموريتاني المعارض محمد الأمين سيدي مولود عن خشيته من تداعيات الخلاف داخل السلطة السنغالية، معتبراً أن الثنائي الحاكم في داكار “كان نموذجاً شبابياً رائعاً”، لكنه حذر من أن الانقسام بينهما قد ينعكس “على البلد والمنطقة”، وقد يسمح لـ”القوى التقليدية المنافسة” باستعادة زمام المبادرة.

ويرى متابعون أن هذا الطرح يعكس مخاوف داخل النخب الموريتانية من أن يؤدي تفكك التحالف الذي قاد المعارضة السنغالية إلى الحكم إلى إضعاف مشروع التغيير السياسي الذي استقطب اهتماماً واسعاً داخل المنطقة.

قراءة قانونية

وفي قراءة قانونية وسياسية لافتة، اعتبر الخبير القانوني الموريتاني، كورمو عبدول لو، أن إقالة عثمان سونكو من رئاسة الحكومة لا تعني بالضرورة إضعافه سياسياً، بل قد تتحول إلى نقطة إعادة تموضع تعزز نفوذه داخل مؤسسات الدولة.

وأوضح أن سونكو قد يصبح، بعد خروجه من الحكومة، أكثر حرية في الحركة السياسية، خاصة في ظل الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي يتمتع بها حزب “باستيف” الحاكم، والتي أفرزتها الانتخابات التشريعية المبكرة في نوفمبر 2024.

خبير موريتاني  أكد أن السنغال قد تكون مقبلة على “صيغة غير مسبوقة من التعايش السياسي”، يكون فيها الرئيس قائماً من الناحية الدستورية

وأشار إلى أن المادة 87 من الدستور السنغالي تمنع حل الجمعية الوطنية خلال السنتين الأوليين من الولاية التشريعية، ما يجعل أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد البرلماني أمراً بالغ التعقيد في المرحلة الحالية.

ويرى الخبير أن هذه المعطيات تمنح سونكو هامشاً واسعاً للمناورة السياسية، خصوصاً إذا قرر العودة إلى البرلمان أو السعي لرئاسة الجمعية الوطنية، وهو ما قد يحول المؤسسة التشريعية إلى مركز الثقل الحقيقي داخل النظام السياسي السنغالي.

وأضاف أن أي رئيس وزراء جديد سيجد نفسه في وضع هش، لأنه سيقود حكومة لا تمتلك قاعدة سياسية مستقلة، وتعتمد عملياً على أغلبية برلمانية لا تزال، في جوهرها، تدين بالولاء السياسي لسونكو المُقال.

واعتبر الخبير الموريتاني أن السنغال قد تكون مقبلة على “صيغة غير مسبوقة من التعايش السياسي”، يكون فيها الرئيس قائماً من الناحية الدستورية، لكنه معزول سياسياً، مقابل سونكو خارج السلطة التنفيذية، لكنه أكثر نفوذاً داخل البرلمان والحزب والأغلبية السياسية.

دعوات لعدم الاصطفاف

في المقابل، تصاعدت داخل موريتانيا أصوات تدعو إلى تجنب الانخراط الإعلامي والسياسي في الأزمة السنغالية.

ودعا مدير الصحافة في وزارة الاتصال أحمد عيسى اليدالي إلى “التحلي بالمسؤولية والتواضع السياسي”، محذراً من أن الاصطفاف في الخلافات الداخلية للدول المجاورة “لا يخدم مصالح موريتانيا”.

وأكد أن الدول “تمتلك مؤسساتها ونخبها القادرة على إدارة خلافاتها”، مضيفاً أن تحويل وسائل التواصل إلى ساحات تحكيم في نزاعات خارجية قد يخلق حساسيات دبلوماسية غير ضرورية.

لماذا ننشغل بأزمات الآخرين؟

ومن أبرز الأصوات التي في هذا النقاش، الإعلامي والسياسي المحسوب على التيار الإسلامي الهيبة الشيخ سيداتي، الذي تساءل عن أسباب الانشغال الموريتاني المبالغ فيه بالأزمات السياسية الخارجية، وخاصة ما يجري في السنغال.

وقال إنه لم يلاحظ اهتماماً مماثلاً من الإعلام أو الساسة السنغاليين بالأزمات السياسية في موريتانيا، متسائلاً عن سر “الفضول السياسي” الذي يدفع بعض الموريتانيين إلى التفاعل المكثف مع كل تطور يحدث خارج الحدود.

إعلامي تساءل عن أسباب الانشغال الموريتاني المبالغ فيه بالأزمات السياسية الخارجية

واعتبر أن جزءاً من الظاهرة يعود إلى طبيعة التكوين السياسي للنخب الموريتانية، المتأثرة تاريخياً بالتيارات القومية واليسارية والإسلامية ذات الامتدادات الإقليمية، لكنه رأى أن الأمر تجاوز حدود الاهتمام الطبيعي، ليتحول أحياناً إلى انخراط مبالغ فيه في صراعات لا ترتبط مباشرة بالمصلحة الوطنية.

كما حذر من أن الإفراط في التفاعل مع أزمات الجوار سبق أن ساهم في توترات مع بعض الدول، في إشارة إلى الأزمة الأخيرة مع مالي، معتبراً أن “السنغاليين لا يعنيهم خلاف عزيز وغزواني، كما لا ينبغي أن ننخرط نحن في خلافاتهم الداخلية”.

انتكاسة تيار التغيير

أما المدون البارز شيخنا محمد سلطان، فذهب في اتجاه أكثر حدة، معتبراً أن ما حدث في السنغال “ليس حدثاً عرضياً، بل تغير في موازين القوى وانتكاسة كبيرة لتيار التغيير”.

مدون اعتبر ما حدث في السنغال “انتكاسة كبيرة لتيار التغيير”

ورأى أن الأزمة الحالية قد تفتح ثلاثة سيناريوهات: قبول سونكو بالإقصاء السياسي التدريجي، أو اللجوء إلى الشارع بما قد يهدد الاستقرار، أو نجاح وساطات داخلية في الحفاظ على التعايش بين الرجلين حتى انتخابات 2029.

ومع استمرار الغموض حول مستقبل العلاقة بين فاي وسونكو، تبدو الأزمة السنغالية بالنسبة إلى كثير من الموريتانيين أكثر من مجرد خلاف سياسي في دولة مجاورة، بل تمثل اختباراً جديداً لاستقرار غرب إفريقيا، ولمستقبل مشروع التغيير في واحدة من أهم الديمقراطيات الإفريقية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *