الفوز الصاعق الذي أحرزه الحزب اليميني المتطرف «البديل من أجل ألمانيا»، خلال انتخابات ساكسونيا انهالت الأخيرة في ألمانيا، ينطوي على دلالات عميقة ويعكس مؤشرات بالغة الخطورة، لن تقتصر آثارها على واحدة من ولايات ألمانيا الاتحادية الست عشرة، أو ألمانيا بأسرها في مسارات انتخابات مماثلة مقبلة.
ذلك لأن العواقب هنا تحديداً، في ألمانيا ذاتها التي كانت حاضنة النازية ومهد الرايخ الثالث، سوف تنتقل سريعاً إلى الجوار الأوروبي عموماً فتشجع ولادة المزيد من مجموعات اليمين المتطرف، كما ستساند مواقع أحزاب يمينية متطرفة صاعدة لتوها في فرنسا وبريطانيا والنمسا والسويد وهنغاريا وسواها. نتيجة أخرى ليست أقل أهمية سوف تتمثل في تجميل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مستويات عالمية، خاصة وأنه لا يخفي تعاطفه مع الصعود المتزايد للقوى الشعبوية والعنصرية والفاشية.
وأشد تحليلات فوز «البديل» قصوراً، خاصة وأن بعضها ليس خالياً من التعصب العنصري والرهاب من الآخر الأجنبي، سوف تكون تلك التي تحصر انتصار اليمين الألماني المتطرف في ملف واحد وشبه حصري، هو أعداد اللاجئين والمهاجرين والأجانب عموماً، وخوف الناخب الألماني من خسران شخصيته ومعاشه وثقافته.
وإذا كان هذا العامل غير ضئيل في تكييف ميول المواطنين على امتداد أوروبا، فإنه ليس جديداً أو طارئاً، كما أنه يحتل مراتب لاحقة على سلّم هواجس الناخب إذ يخلو بنفسه أمام صندوق الاقتراع. هنالك مشكلات الاقتصاد والعمل والصحة والتعليم والخدمات العامة، التي لا تنفصل في ناظر المواطن الأوروبي عن الإفلاس المضطرد للأحزاب التقليدية وعجز برامجها التنموية والسياسية والاجتماعية عن ملاقاة هموم المواطن.
المؤشر الأول على هذه الخلاصة تجسد في أن «البديل» فاز بنسبة 43,8٪، أي أعلى بـ4 نقاط من أفضل استطلاعات الرأي التي رجحت فوزه، ضمن نسبة إقبال على التصويت بلغت 78٪ بالمقارنة مع 60.3٪ في انتخابات 2021، ويصعب منطقياً أن تكون مسائل الهجرة وحدها وراء هذه المعطيات.
ومن جانب آخر، ليست سياسات «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» رحيمة باللاجئين والمهاجرين، خاصة في عهد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ومع ذلك فقد تراجع الحزب إلى 17,2٪ من 37,1٪ في انتخابات 2021. والحال لم تكن مضيئة مع تيارات يسار الوسط أو الخضر، مما يعكس تآكل ثقة الناخب الألماني بغالبية الأحزاب التقليدية.
ولعل أكثر الاستنتاجات تمشياً مع المنطق السليم هي تلك التي تضع فوز «البديل» ضمن المنطق العريض لصعود اليمين المتطرف في معظم أوروبا، إن لم يكن في سائر الديمقراطيات الغربية. ذلك لأن خطط وبرامج وسياسات الأحزاب والقوى الموروثة، الحاكمة أو حتى المعارضة، تعاني من هبوط في القبول الشعبي لا يكفّ عن الاتساع، فيتلاقى في رفضه نزوع ترقية ما هو غير مجرَّب مع مزاج معاقبة المجرَّب.
فكيف إذا نجحت مشاريع التطرف في ادعاء إيجاد الحلول لمشكلات الاقتصاد والبطالة والخدمات والعدالة الاجتماعية، وكيف إذا تمكنت من اختراق التفاوت في الفئات العمرية وكسر التقسيمات التقليدية كما حدث مؤخراً مع «البديل»؟