فجّر تحقيق لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أزمة سياسية واستخباراتية كبيرة في إسرائيل. اتهم التحقيق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتجاهل تحذير إماراتي من الهجوم الكبير الذي قامت حركة «حماس» بشنّه في 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023، وبعدم إطلاع قادة المؤسسة الأمنية عليه.
يقول التحقيق إن رئيس الإمارات، محمد بن زايد، حذّر نتنياهو، قبل نحو أسبوع ونصف من الهجوم الذي غيّر وجه الشرق الأوسط، وأنه أخبره أن يحيى السنوار يعدّ «لحدث كبير»، وأن رئيس المخابرات المصرية نقل تحذيراً مشابهاً في وقت متزامن. المفارقة قاسية: قادة عرب، يفترض الخطاب الإسرائيلي أنهم أبعد عن تفاصيل الأمن الإسرائيلي من أجهزته، رأوا اقتراب الانفجار وحاولوا منعه، فيما كان رأس السلطة في إسرائيل مطمئناً إلى أن الخطر الحقيقي في الضفة الغربية. والأشد خطورة أن التحذير، وفق التحقيق، لم يتم أخذه في الاعتبار ضمن الاستعدادات الاستخباراتية التي كانت تتكوّن آنذاك.
أخطر ما في هذا التحقيق، إذا صحّت الوقائع التي كشفها، ليس أن إسرائيل فشلت مرة أخرى في قراءة إشارات «حماس»، بل أن إنذاراً سياسياً مباشراً جاءها من قلب النظام الإقليمي الذي تفاخر نتنياهو بأنه أعاد هندسته عبر «اتفاقات أبراهام»، ثم انتهى، حسب التحقيق، في مكتب رئيس الحكومة ولم يصل إلى قادة الشاباك والموساد والجيش.
يفتح التحقيق نافذة أكثر إزعاجاً من سؤال «من عرف ماذا؟». فهو يكشف أن الأشهر السابقة للهجوم شهدت قناة تفاوض، وافق عليها نتنياهو، وبحثت ترتيباً طويلاً في غزة: تخفيف الحصار، زيادة المواد والسلع، إنشاء مناطق عمل، تسهيل السفر عبر مصر، واستثمار غاز غزة، إلى جانب صفقة لإعادة إسرائيليين محتجزين وجثامين جنود مقابل أسرى فلسطينيين. وحسب التحقيق، فقد اقترب الطرفان في أواخر آب / أغسطس من صيغة قابلة للتنفيذ، قبل أن يقوم نتنياهو بتعمّد تعطيلها عبر تأجيل اجتماع اللجنة الوزارية اللازمة للمصادقة عدة مرات.
يصف التحقيق الاستراتيجية التي استخدمها يحيى السنوار، المتعمّق بقوة في شؤون إسرائيل، وتقوم على بناء قوة عسكرية كبيرة، وفي الوقت نفسه اختبار إمكان حلول سياسية تخفف الأزمات التي تحيق بأهالي غزة. لم يبدأ قائد «حماس»، عمليا، يرسل تهديداته بحصول «زلزال» و»أم المفاجآت» إلا عندما انقطعت قناة التفاوض وانعدم الأمل في التقدم، وهو ما يعني أن المستوى السياسي الإسرائيلي أغلق قاصدا نوافذ التسوية وحصر «حماس» في ركن واحد لا مناص منه: العودة للقتال.
حتى بعد الهجوم، يورد التحقيق مؤشرات إلى أن قنوات عربية حاولت فتح باب سريع لإطلاق رهائن مدنيين: عبر قطر، وعبر اتصالات مرتبطة بمحمد دحلان. ويقول إن القيادة الإسرائيلية، تحت وقع الصدمة ومع رفع منطق أولوية الحرب، لم تكن مستعدة في الأيام الأولى لخوض تفاوض جدي. هذه الوقائع، إن ثبتت، تعزز صورة قيادة كانت ترى في القوة الحل الوحيد، فيما كانت الوساطة العربية تحاول إبقاء السياسة على قيد الحياة.
بعد نفي نتنياهو حصول المكالمة مع بن زايد، وتهديده بمقاضاة «هآرتس» أكد تقرير لاحق في «يديعوت أحرونوت» (تنشره «القدس العربي» في صفحة الصحف العبرية في عدد اليوم) نقل عن مسؤول استخباري إقليمي تأكيده أن تحذيراً إماراتياً بشأن عملية كبيرة وقريبة نُقل إلى إسرائيل، من دون أن يؤكد تفاصيل المكالمة نفسها. لذلك فإن السؤال المشروع ليس عن مؤامرة، بل عن عقيدة سياسية ترى في إدامة الحروب في المنطقة، و»إدارة الصراع» فيها، الحلّ الأمثل لتحقيق أجنداتها الكبرى في التطهير العرقيّ للعرب في فلسطين التاريخية.
أعلت حكومة نتنياهو وشركاؤه من زعماء اليمين اليهودي الصهيوني المتطرف أمثال سموتريتش وبن غفير، من أولوية السيطرة وفرض الوقائع على الفلسطينيين لكنّها راهنت، في الوقت نفسه، على إمكان التطبيع مع دول عربية تقبل هذا الوضع. يختزن الحدث الجديد، بهذا المعنى، مفارقة كبيرة: لقد سعت إسرائيل لاختراع شرق أوسط يتجاوز الفلسطينيين، ثم جاء التحذير من العرب أنفسهم بأن تجاهل الفلسطينيين قد يفجر الشرق الأوسط كله.