نداء الهوية في متاهة العتمة


تتجسّد في أعمال الفنان سمير بعداش رحلة بصرية ونفسية، لا يمكن وصفها بالترف في مزج الألوان والحروف، إنما هي فعل مقاومة إبداعي ضدّ الصمت والنسيان. فمعظم لوحاته هي ومضات من سرد بصري مكثّف، يُعيد تشكيل العلاقة الأزلية بين الهوية واللغة، بين الجسد الحاضر والكلمة الغائبة التي يشكلها الجسد والكتابة: في تداخل الوجود. فالعمل الذي يتوسطه وجه امرأة، يتكشّف فيه المعنى بأسلوب درامي. فهنا، لم تعد الحروف أداة للكتابة، إنما أصبحت أنسجة الجلد، خلايا الوجود، وقناع الروح، حيث يختفي الوجه خلف متاهة من الخطوط المتشابكة، كأنّ الهوية الأنثوية، بكل عمقها وغموضها، لم تعد تُعرّف بملامحها السطحية، وإنما بالمدونة الثقافية التي تحملها. العين الواحدة، البؤرة المضيئة في سديم العتمة، ليست مجرد عضو للإبصار، إنما هي نافذة الوعي المتمرد الذي يرى من خلال ركام الكلمات. كما أن الشفاه المكتنزة، بلون الحياة، تنطق بغير صوت، مُعلنة أن الكلام الحقيقي يكمن الآن في الصمت الموشّى بالحبر.
إنّ هذا العمل هو تأمل في كيفية تحول الإنسان إلى مخطوطة حية، إلى نصّ مفتوح يُكتب وتُعاد كتابته بلغة الجذور كصرخة هوية في قفص الحروف.
​يأتي رأس النسر ليُعيد تجسيد الفكرة بصلابة ذكورية وميتافيزيقية. النسر، رمز الشموخ والبصر الحاد والتحليق فوق الزمن، يُغلّف جسده ريش من الخط العربي الأبيض والذهبي. هذا التناغم بين الرمز الحي والرمز اللغوي يُشيّر إلى أن القوة الحقيقية ليست قوة الجناح، إنما قوة الكلمة الموروثة. الطائر، وكأنه خرج للتوّ من سفر الأساطير العربية القديمة، يُحاصر بكلماته ذاتها. هذا الحصار ليس سجناً، إنما هو درع الهوية، تأكيد أن الذات الأصيلة لا يمكن أن تتجرد من لسانها وتاريخها. والنظرة الصفراء الثاقبة تستلهم معنى وجودها من التعقيد الدائري الملتف للحروف والتي تشكّل كيانها، وكأنها تسأل من دون تعثر أن تطلق عنان الأجنحة لحرية الحروف.
في العمل التجريدي الدائري، ينتقل الفنان من تجسيد الهوية الفردية إلى الهوية الكونية والجماعية. فالدائرة، دوامات الروح وسر التكوين، التي تُحيل إلى فكرة التكرار الأزلي، والخلود، والرقص الصوفي للوجود، تُبنى بالكامل من تدفق الحروف الخضراء الباهتة. وهذه ليست كتابة مقروءة، إنما طاقة خطيّة، تجريد للصوت في حركة. اللون الأخضر الخافت على الخلفية الداكنة يذكّر بـالبذرة الأولى، الضوء الخفي في أعماق العتمة، أو ربما ظل قصيدة عتيقة لم يعد يتذكرها أحد سوى الروح. واللوحة هنا هي منظار للذات الداخلية، دوامة تُمتص فيها الأشكال والكلمات، لتصبح في النهاية إيقاعاً خالصاً، مادة خاما للتأمل في سر التكوين كما أسلفت، وكأنّ الحرف هو المفتاح الروحي الذي يفك شيفرة هذا الوجود المتشابك.

سمير بعداش

​أما العمل الأخير، الذي يجمع بين هيكل معماري غامض وإطار من الحروف والنباتات، فيُركز على فكرة حماية المركز وقدسيّة المكان. فالهيكل، الذي يشبه البرج أو المئذنة، يبدو كأنه مُعاد صياغته من الحروف نفسها، مما يؤكد أن العمارة العربية هي امتداد لفلسفة الخط. يحيط به إطار دائري من الحروف المتدفقة والأغصان الخضراء المُزهرة بلمسات حمراء حادة، وليصنع هالة من المألوف والمقدس. وهو إطار ليس للتزيين، إنما سدّ ثقافي يُحاصر به الفنان المركز المادي والروحي، وكأنه يقول: المُنجز المادي يبقى محميّاً بالذاكرة اللغوية والجمالية التي تشكله. واللوحة أيضاً دعوة للتفكير في جزئية مهمة تتمثل في أن الخط العربي ليس مجرد جمال، إنما إجراء احترازي للهوية، ضمانة لاستمرار الروح في وجه فناء المادة
​إنّ فن سمير بعداش، بتركيزه على ثنائية الضوء والعتمة والكلمة والجسد، هو صدى حقيقي لقلق الإنسان المعاصر الذي يبحث عن مرجعيته الأصيلة في عصر طمس الهويات. كائن يتنفس بالخط، ويُحوّل الرؤية إلى تجربة حسّية عميقة حيث يغدو الحرف جسداً، والجسد حكاية، والحكاية شهادة على الوجود الإنساني المُرصّع بالجمالية والبحث الدائم عن موطئ قدم للروح
لقد تشكلت علاقتي بالفنان سمير بعداش عبر مساحات الفن التشكيلي واللقاءات العابرة في أكثر من منتدى فني، غير أن الاقتراب منه ظل محدودا ومحاطا بمسافة من الصمت الهادئ، إذ كان يبدو دائما كائنا يعيش داخل لوحته، أكثر مما يعيش خارجها، مأخوذا بسكونه العميق وانطفائه النبيل عن ضجيج العالم. كأن حضوره أشبه بظل يتسرب بهدوء بين الألوان والحروف، من دون حاجة إلى الكلام أو ادعاء الظهور، وكأنه اختار أن يترك لأعماله مهمة الإفصاح عنه، تاركا ذاته تتوارى خلف ذلك المناخ التأملي الذي يشيّد فيه عزلته الجمالية بروح متصوفة وعين تنظر إلى الأشياء من الداخل. لهذا بدت لوحاته امتدادا حقيقيا لطباعه الإنسانية، هادئة في ظاهرها، عميقة في طبقاتها، ومشبعة بذلك القلق الخافت الذي لا يصرخ، وإنما يترسب ببطء داخل الروح، حتى يصبح الحرف عنده أثر حياة، وتغدو العتمة مساحة إنصات طويلة لما تعجز اللغة العادية عن قوله. *كاتب من ليبيا



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *