حياد سويسرا وحياد الجزائر


يوم الأحد الأخير من هذا الشهر سيتوجه السويسريون إلى استفتاء آخر من الاستفتاءات الكثيرة التي يُستدعون لها كل سنة.
لكن على عكس الاستفتاءات الأخرى، التي تتراوح من الموافقة أو لا على صيد البجع، أو زيادة قيمة غرامات مخالفات السرعة، يكتسي استفتاء الـ27 من هذا الشهر أهمية خاصة ونكهة مختلفة. فهو يخص موضوعا يعز على السويسريين وله أبعاد دولية: حياد سويسرا.
سيجري الاستفتاء تحت شعار «حماية الحياد السويسري». وكما هو واضح من الشعار، فالتصويت لا يتعلق بين الاختيار بين التخلي عن الحياد أو التمسك به، بل مراجعته ليصبح أقل سلبية ويتكيّف مع الواقع الدولي الجديد والمعقد.
استعدادا لهذا الاستفتاء، وعلى عكس الاستفتاءات الأخرى التي أحيانا لا يسمع عنها السويسريون ذاتهم، تعيش سويسرا نقاشا سياسيا وأكاديميا حول الحياد.
ليس سراً أن سويسرا مفرطة في التمسك بالحياد. (لم تنضم إلى الأمم المتحدة إلا في خريف 2002 إثر استفتاء في بداية السنة نفسها). لكنه كان، ولا يزال، حيادا ريعيا انتهازيا، إذ لم تتوقف سويسرا طيلة عقود الحياد عن التربح ماديا وسياسيا من الحروب والأزمات الدولية. ولم تمتنع يوما عن استضافة هيئات وفروع الأمم المتحدة مع كل ما يجلبه لها ذلك من أضواء ومكاسب مادية ومعنوية. ولا تتوانى إلى اليوم عن تكديس الأسلحة الحربية، بما في ذلك الفتاكة منها.
لن أنتظر نتيجة الاستفتاء لأجزم بأن فكرة الحياد في سويسرا بدأت تفقد أنصارها. بغض النظر عن النتيجة، مجرد طرح الموضوع لاستفتاء شعبي يكفي للجزم بأن الحياد لم يعد محل إجماع كما كان، وفكرته لم تعد مقدّسة كما كانت.
إذا كان هذا حال سويسرا، فما بالك بالآخرين.. الجزائر مثلا!
تزامن موضوع سويسرا مع «التدخل العسكري» الجزائري في النيجر. أنهى هذا «التدخل» عمليا أكثر من 6 عقود من الحياد الدبلوماسي والعسكري حرصت عليه الجزائر.
من حيث المضمون، «التدخل» الجزائري في النيجر رمزي. على الرغم من التغطية الواسعة التي أفردتها له وسائل الإعلام الجزائرية والعربية، هو ليس عملا عسكريا بالمعنى الحقيقي، ولا مشاركة في حرب أو قتال، بل تسجيل حضور للمساعدة في منع توجه النيجر وجهة لم تكن لتخدم مصالح الجزائر الأمنية والاستراتيجية.
لكن هذه الرمزية والمحدودية لن تقللا من أهمية «التدخل» بعد أن أصبح الحياد وسياسة «عدم التدخل في شؤون الغير» بلا طائل، وكلّفا الجزائر الكثير خلال السنوات الماضية.
أرى أن «التدخل» في النيجر خطوة محمودة ومُثمّنة. حماية أمنك القومي ومصالحك الاستراتيجية تبدأ أحيانا خارج حدودك. لقد تأخرت الجزائر كثيرا في التحرك في دول الساحل الإفريقي (باستثناء مالي في وساطة 2015)، وقبلها ليبيا التي يجب أن تكون درسا للجزائريين للمئة سنة المقبلة.
كان «الحياد» في الأزمة الليبية والساحل الإفريقي إخفاقا دبلوماسيا واستراتيجيا. التذرع بعدم التدخل في شؤون الآخرين مقبول لو طلب أحد بتدخل الجزائر في نزاع كشمير مثلا. أما عندما يكون الحريق في بيت جارك ويوشك على التسلل إلى بيتك، فتصبح الحجة واهية. أخطأ نظام الرئيس بوتفليقة عندما وقف متفرجا بينما جاءت فرنسا ومصر وروسيا وتركيا وقطر والإمارات وأمريكا لتقرير مصير ليبيا بعد 2011.

 أخطأ نظام الرئيس بوتفليقة عندما وقف متفرجا بينما جاءت فرنسا ومصر وروسيا وتركيا وقطر والإمارات وأمريكا لتقرير مصير ليبيا بعد 2011

من المفروض أن الجزائر أول من يتدخل في ليبيا وآخر من يخرج منها. إذا افترضنا أن بوتفليقة آثر الحياد في ليبيا، ولاحقا في الساحل، احتراما للدستور الذي كان يمنع نشر الجيش الجزائري خارج الحدود، حتى في بعثات حفظ السلام الدولية، فالدستور لم يمنع المناورة السياسية والدبلوماسية. ولم يحظر التواصل مع أطراف النزاع لكسبهم إذا كان هذا النزاع يدور على حدود الجزائر ويهدد أمنها.
كانت مشكلة الجزائر أن بوتفليقة استولى على صلاحيات وزارة الخارجية، ثم ألمَّ به المرض، فتعطلت الآلة ولم يجرؤ أحد من المحيطين به على مطالبته بإعادة الصلاحيات الدبلوماسية لأهلها.
في 2020، في السنة الثانية من حكم عبد المجيد تبون، أدخلت الجزائر تعديلات على الدستور. أحد التعديلات (المادة 31) نصَّ على إمكانية مشاركة الجيش في قوات حفظ سلام في الخارج «مع احترام مبادئ وأهداف الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية».
لكن هذا التعديل أُلحق بآخر (المادة 91) لا يقل أهمية عن الأول، ويقيّده. تنص هذه المادة على أن نشر قوة عسكرية في الخارج يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء البرلمان.
شكّلت حالة النيجر اختباراً للمادتين 31 و91. سرعان ما برز إشكالان: الأول أن نشر مقاتلات سلاح الجو الجزائري تقرر ونُفّذ من دون انتظار موافقة البرلمان. والثاني أثار تساؤلا حول ما إذا كان ممكنا قانونا تصنيف التحرك في النيجر ضمن مهام حفظ السلام التي ينص عليها الدستور.
كان في الإمكان استدعاء البرلمان خلال ساعة واحدة ويصادق، بلا تردد، على التحرك العسكري في النيجر، فيُحل إشكالا من الاثنين.
من المفيد وضع «التدخل العسكري» في النيجر في سياقه السياسي والموضوعي. تزامن هذا «التدخل» مع فاجعة الحرائق التي اشتعلت ببعض ولايات الشرق الجزائري، ومع تركيز قوي على شخصية الرئيس تبون وإظهاره السلطة الوحيدة والأقوى التي في يدها كل المفاتيح. من السهل ملاحظة ذلك في متابعة الإعلام الجزائري للنشاطات الرسمية: لا شيء ولا أحد يتحرك من دون أمر أو توجيه أو رغبة من تبون.
بعض القراءات ترى أن تقاطع كارثة الحرائق مع التركيز القوي على تبون أثمر تجاوز البرلمان في موضوع النيجر. كأن هذا خدم ذاك.
رغم أن هذا التحرك تاريخي، من الخطأ الاعتقاد بأن نشر الجيش الجزائري في الخارج أصبح تحصيل حاصل. هناك عامل نفسي، أجده أقوى من كل العوامل الأخرى، سيُبقي أي تحرك في حدوده الرمزية ويمنع أي مشاركة جزائرية في حروب ومعارك خارج الحدود. في المدى المنظور على الأقل.

٭ كاتب صحافي جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *