التصعيد الحوثي وهدف إيران في باب المندب


مع الضغط الأمريكي عسكرياً واقتصادياً على إيران، ومع كبح الأمريكيين لمحاولاتها بسط سيادتها على مضيق هرمز وعرقلة حركة الملاحة فيه، ومع محاولات تفعيل الممر الجنوبي من المضيق، بدا واضحاً أن طهران تسعى لتخفيف الضغط عليها، وتعويض ارتخاء قبضتها على هرمز، وذلك بتفجير جبهات أخرى، والوصول إلى مضيق آخر، لا يقل أهمية عن هرمز، بالنسبة لحركة الملاحة الدولية، وهو مضيق باب المندب، في اليمن.
وانسجاماً مع هذه الاستراتيجية عززت طهران الحوثيين بشحنات أسلحة، شملت طائرات مسيرة، ومعدات حساسة لتشغيل الصواريخ الباليستية، وخبراء في القوات الجوية، وذلك من خلال وسائل تهريب معروفة، بما فيها رحلات شركة الطيران المدني التابعة للحرس الثوري، «ماهان» التي فُرضت عليها – من قبل – عقوبات أمريكية وأوروبية، بسبب نقلها أسلحة لنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
وفي الواقع لم يخف الإيرانيون نيتهم إغلاق باب المندب، بل وتحدثوا علناً، وعملوا على تحقيق ذلك الهدف، من خلال دعم سيطرة الحوثيين على المضيق الاستراتيجي، وذلك لإغلاقه، أمام حركة الملاحة، كسلاح ووسيلة ضغط في يد إيران، في حربها الحالية، مع الولايات المتحدة، دون مراعاة لأية اعتبارات دبلوماسية، في خطابها الذي يهدد بإغلاق مضيق يقع ضمن المياه الإقليمية لدولة أخرى.
ولتنفيذ الخطة الإيرانية، بدأ الحوثي هجومه على عدد من المناطق الجبلية، غرب تعز، أملاً في تحقيق هدفين: أحدهما تكتيكي، والآخر استراتيجي. أما الهدف التكتيكي فهو السيطرة على المرتفعات الجبلية، غرب تعز، وذلك لتحقيق هدفين مرحليين آخرين: أولهما: عزل المدينة، من الجهة الغربية، وقطع خطوط إمدادها، من جهة المخا، ليضاف إلى حصارها من الشرق حصاراً آخر من الغرب، وبالتالي تصبح تعز معزولة تماماً عن عدن، لإضعاف مقاومتها، حيث تشكل هذه المدينة عقدة أساسية، تعرقل خطط الحوثيين، في استمرار السيطرة، غرباً وجنوبا. وأما الهدف المرحلي الثاني الذي يريد الحوثيون تحقيقه بالسيطرة على تلك المرتفعات فهو التحكم في الطريق الساحلي الممتد بين عدن والمخا من جهة، وجنوب الحديدة من جهة أخرى، وبالتالي يتحقق لهم قطع الطريق الساحلي، ومن ثم حصار القوات الحكومية جنوب الحديدة، تمهيداً للسيطرة على الساحل الغربي، في سبيل تحقيق الهدف الاستراتيجي الأهم، وهو السيطرة على باب المندب الذي يعتبر الهدف الأساس لهذه الهجمة الحوثية على مناطق غرب تعز، وجنوب الحديدة، حتى يتم للحوثيين وإيران ما أرادوا بالسيطرة على مضيق باب المندب، والتأثير على حركة الملاحة فيه، للضغط على الاقتصاد العالمي، لوقف الحرب على إيران.

لم يخف الإيرانيون نيتهم إغلاق باب المندب، وعملوا على تحقيق ذلك الهدف، من خلال دعم سيطرة الحوثيين على المضيق الاستراتيجي، أملاً في مضاعفة كلفة الحرب الاقتصادية لوقف الحرب العسكرية عليها

في اليوم الأول للهجوم حقق الحوثي بعض التقدم، وذلك لعدم توفر عناصر القوة البشرية والنارية الكافية في مناطق غرب تعز، غير أن عدداً من المفاجآت أربكت الهجوم الحوثي الشديد. من هذه المفاجآت سرعة تحرك القوات الحكومية، ووصول ألوية من قوات العمالقة ومن درع الوطن، لتلتحق بقوات المقاومة الوطنية والتهامية في الساحل الغربي، وقوات الجيش الوطني والمقاومة، غرب تعز، وبسرعة لم يكن الحوثيون يتوقعونها، وذلك لأن تلك القوات أصبحت تتحرك، وفقاً لغرفة عمليات واحدة تم تشكيلها، قبل شهور وتتولى التنسيق بين هذه القوات، في عموم المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية.
أما المفاجأة الثانية، فقد كانت دخول القوات الجوية اليمنية، بشكل مكثف، سواء بالطيران المسير، أو التقليدي، الأمر الذي أثر على حجم تدفق الإمدادات، وعمل على ضرب خطوط الحوثيين الدفاعية، وهو ما كان له أثر فعال في دعم القوات الحكومية التي استطاعت إجلاء الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها.
ومفاجأة أخرى لم يكن الحوثيون فيما يبدو يحسبون لها حساباً، وهي تفجر جبهات أخرى متعددة ضد قواتهم، في مأرب والجوف والبيضاء، وهو ما لم يكن متاحاً من قبل، حين كان الحوثيون ينفردون بالجبهات واحدة، تلو الأخرى، الأمر الذي أفقد الحوثيين ميزة تحديد مكان وزمان المعركة، بعد أن تفجرت الجبهات ضدهم في أماكن أخرى، في ظل تصميم القوات الحكومية على عدم ترك زمام المبادرة في يد الحوثيين.
ومع اشتداد الضغط العسكري على قوات الحوثيين في المعارك البرية أعلنوا من جانب واحد استعدادهم للقبول بهدنة، فيما يخص المعارك الداخلية، دون أن يشمل ذلك استهداف المناطق الجنوبية في المملكة العربية السعودية التي استهدفوها بعدد من الهجمات يوم الثلاثاء. وبطبيعة الحال يهدف الحوثيون من وراء هذا التكتيك إلى تجميد الجبهة الداخلية، ووقف الاستنزاف الحاصل برياً، مع استمرار هجماتهم على السعودية، لكي يظهروا بأنهم يدافعون عن الوطن، ضد عدوان خارجي، وبالتالي يقف استنزاف رصيدهم العسكري، بوقف المعارك البرية، ويزداد – حسب تصورهم – رصيدهم السياسي والدعائي، بالعزف على وتر مهاجمة «العدو السعودي»، داخل أراضيه، مع ما في ذلك من أهداف إيرانية غير خافية، في مهاجمة السعودية، دون إغفال محاولات الحوثيين إظهار أنفسهم بمظهر من يستجيب لدعوة المبعوث الأممي هانس غرودنبيرغ لخفض التصعيد.
وعلى أية حال، تظل جولات المعارك البرية محكومة بموازين القوى التي يمكن أن تتغير تماماً، إذا ما تدخلت السعودية وحلفاؤها مجدداً، في الحرب، بعد استهدافها من قبل مليشيات الحوثي، الأمر الذي من شأنه أن يجعل الهدف الإيراني بالسيطرة على باب المندب أمراً في غاية الصعوبة، على الرغم من محاولات الحوثيين المستميتة للسيطرة على المرتفعات غرب تعز، في طريق السيطرة على الساحل الغربي لليمن، ومن ثم على باب المندب الذي تريد طهران توظيفه في الحرب، بعد أن بدا أن توظيف طهران مضيق هرمز كانت له آثار كارثية على الاقتصاد الإيراني نفسه، عدا عن معاناة هذا الاقتصاد، جراء العقوبات والحصار البحري المفروض على كافة الموانئ الإيرانية.

٭ كاتب يمني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *