الجزائر ـ “القدس العربي”: يتواصل في الجزائر الجدل السياسي والحقوقي حول قرار السلطات التوجه نحو تنفيذ عقوبة الإعدام في جرائم محددة، وسط انقسام واضح بين قوى سياسية وشخصيات ترى في العقوبة القصوى وسيلة للردع وحماية المجتمع، وأخرى تتمسك بموقفها الرافض لتنفيذها، محذرة من تداعياتها على حقوق الإنسان والتزامات البلاد الدولية.
وفي خضم هذا النقاش، صعّد رئيس جبهة العدالة والتنمية، الشيخ عبد الله جاب الله، لهجته تجاه المناهضين لتفعيل عقوبة الإعدام، معتبرا أن مواقفهم لا تتعلق فقط بتقييم العقوبة من زاوية قانونية أو حقوقية، وإنما تعكس، بحسبه، موقفا أوسع من الشريعة الإسلامية ومكانة الدين في المجتمع.
وفي تدوينة له تحت عنوان “الشيء من مأتاه لا يستغرب”، خصص جاب الله جزءا كبيرا من حديثه للهجوم على العلمانية، التي وصفها بأنها من “أسوأ المصائب” التي عرفتها الأمة، معتبرا أن دخولها إلى الجزائر يعود إلى الفترة الاستعمارية الفرنسية، وأنها استمرت، وفق رؤيته، في التأثير على الحكم والمجتمع بعد الاستقلال.
وربط جاب الله بين هذا الطرح وبين مواقف شخصيات وقوى سياسية ومدنية رفضت توجه الرئيس عبد المجيد تبون نحو تفعيل عقوبة الإعدام على خلفية الجرائم المرتبطة بالحرائق الأخيرة، خصوصا بعد ما خلفته من وفيات وإصابات وخسائر في الغابات والممتلكات والثروة الحيوانية.
واستند رئيس جبهة العدالة والتنمية إلى أنصار هذا الموقف في سؤاله عن الفئة التي تستحق الحماية أولا: هل هي حقوق من ارتكبوا الجرائم، أم حقوق المواطنين الذين يمكن أن يتعرضوا للقتل والحرق وإتلاف الممتلكات والغابات؟ مستشهدا بآيات قرآنية لدعم موقفه.
ويقصد جاب الله في هذا السياق، بصورة أساسية، الرافضين لتفعيل عقوبة الإعدام، الذين يرى أنهم يتذرعون باحترام حقوق الإنسان والحق في الحياة للدفاع عن موقفهم. وذهب إلى حد وصفهم بأنهم “أعداء الشريعة”، معتبرا أن دفاعهم عن حقوق المتهمين والمجرمين، بحسب تعبيره، يأتي على حساب حقوق الضحايا والمجتمع.
وكانت أحزاب ديمقراطية وشخصيات حقوقية قد أعلنت رفضها للعودة إلى تنفيذ العقوبة. فقد دعا حزب جيل جديد إلى معالجة ظاهرة الحرائق من خلال البحث في أسبابها المختلفة وعدم التعامل معها بعقوبة الإعدام باعتبارها حلا لمشكلة معقدة.
كما أعلن يوسف أوشيش، السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية، رفض حزبه العودة إلى تنفيذ الإعدام، معتبرا أن التعامل مع الجرائم لا ينبغي أن يتم كرد فعل على الغضب والصدمة. وأكد عثمان معزوز، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، معارضة حزبه لأي توسيع لعقوبة الإعدام، بينما اتخذت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون موقفا رافضا أيضا.
وفي رده المباشر على جاب الله، ذكر الحقوقي سعيد صالحي أن المطالبين بتطبيق الإعدام “تجار دين”، واتهمهم بالصمت تجاه العقوبة خلال سنوات العشرية السوداء. وحذر من أن إعادة تفعيل الإعدام قد تعيد البلاد، بحسب موقفه، إلى أجواء التوتر والانقسام، معلنا رفضه للعقوبة.
ويتصاعد الجدل بعد تحديد مجلس الوزراء، في اجتماعه الأخير، الجرائم التي يتجه مشروع تعديل قانون العقوبات إلى إدراج تنفيذ عقوبة الإعدام ضمن العقوبات المقررة لها. ويتعلق الأمر، وفق البيان، بـ”مفتعلي ومدبري الحرائق عمدا”، إضافة إلى “مختطفي القصر والمنكلين بهم”.
وكان الرئيس تبون قد وجّه وزير العدل بإعداد مشروع لتعديل قانون العقوبات، في أعقاب الحرائق التي ضربت عددا من ولايات شرق البلاد وخلفت قتلى وجرحى وخسائر كبيرة. ومع تحديد الجرائم المعنية في مجلس الوزراء، أصبح النقاش أكثر وضوحا، بعدما كان يدور حول مبدأ إعادة تنفيذ الأحكام بالإعدام بصورة عامة.
وحظي هذا التوجه بدعم أحزاب الموالاة مثل جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. كما أيدت أحزاب إسلامية هذا التوجه، مثل جبهة العدالة والتنمية وحركة مجتمع السلم التي عبّر رئيسها نائب رئيس الحركة ناصر حمدادوش عن موقف مؤيد، معتبرا أن قسوة العقوبة ينبغي أن تكون من حجم الجريمة، وأن تنفيذ الإعدام يمكن أن يعزز الردع.
والمعروف أن الجزائر لم تنفذ أحكام الإعدام منذ سنة 1993، رغم أن العقوبة لم تلغ من قانون العقوبات، وظلت المحاكم تصدر أحكاما بها في بعض الجرائم الخطيرة. لذلك، فإن التوجه الحالي لا يمثل استحداثا للعقوبة في التشريع الجزائري، بقدر ما يمثل توجها نحو إنهاء تجميد تنفيذها في جرائم محددة.
متابعة “متهمين بإشعال الحرائق” بجنايات ثقيلة
وبينما يستمر السجال السياسي والحقوقي، بدأ المسار القضائي يأخذ منحى عمليا في قضايا الحرائق. فقد أعلنت نيابة الجمهورية لدى القطب الجزائي الوطني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الوطنية بمحكمة سيدي امحمد بالجزائر العاصمة، الاثنين، إيداع أربعة أشخاص رهن الحبس المؤقت، للاشتباه في تورطهم في إضرام النار داخل الأملاك الغابية بولايتي تيزي وزو وسطيف.
وبحسب بيان النيابة، عالجت الجهة القضائية ثلاث قضايا تتعلق بجماعات إجرامية تقوم بإضرام النار في الأملاك الغابية، وذلك في إطار التحقيقات المرتبطة بالحرائق التي شهدتها بعض ولايات الوطن خلال الفترة الأخيرة.
وتتعلق القضية الأولى بشخص أوقف متلبسا بعد إضرام النار وسط أحراش كثيفة ويابسة بالقرب من المساحة الغابية الواقعة على مستوى طريق الآبار بالقرب من الإقامة الجامعية للإناث بتيزي وزو، مع استرجاع مقطع فيديو يوثق قيامه بإضرام النار.
أما القضية الثانية فتتعلق بشخص آخر أوقف بعد إضرام النار عمدا وسط غابة بمنطقة آيت عيسى أوزيان ببلدية معاتقة في تيزي وزو، حيث عثر المحققون على مقطع فيديو يوثق الواقعة، كما وجهت إليه تهمة رشق عناصر الحماية المدنية بالحجارة أثناء تدخلهم لإخماد النيران، إلى جانب ما ورد في التحقيق بشأن تصريحه بأنه من المتعاطفين مع التنظيم الانفصالي “الماك” المصنف على لوائح الإرهاب في الجزائر.
وتتعلق القضية الثالثة بشخصين أوقفا على خلفية إضرام النار في الأحراش والأشجار الغابية بغابة منتانو ببلدية تيزي نبشار في ولاية سطيف، حيث تم، بحسب النيابة، تأكيد وجودهما في مكان الحريق عن طريق الخبرة العلمية.
وبعد التحقيق الابتدائي الذي أنجزته مصالح الأمن والدرك، تمت متابعة الأشخاص الأربعة بجناية القيام بأفعال تخريبية تستهدف تعريض حياة الأشخاص وأمنهم و ممتلكاتهم للخطر، وجناية وضع النار عمدا في الأملاك الغابية للدولة، وهي أفعال استندت النيابة في تكييفها إلى المادة 87 مكرر من قانون العقوبات والمادة 138 من القانون المتعلق بالغابات والثروات الغابية. وبعد تقديم المشتبه فيهم أمام القضاء واستجوابهم من طرف قاضي التحقيق، صدرت أوامر بوضعهم رهن الحبس المؤقت.