“الدولة الفلسطينية قائمة”.. أين تكمن القصة الحقيقية للعاصفة التي أثارها منصور عباس؟


سغيت الكوبي فيشمان

كانت جملة واحدة لمنصور عباس في مؤتمر قائمة “راعم” (القائمة العربية الموحدة) في يوم السبت، “الدولة الفلسطينية قائمة”، كانت تكفي لإثارة عاصفة سياسية. سارع نتنياهو إلى توضيح أنه ما دام هو رئيس الوزراء فلن تقام دولة فلسطينية، وصرح غادي آيزنكوت “لا توجد دولة فلسطينية، ولن تقام دولة فلسطينية في ظل الحكومة التي سنشكلها”.

لم يقل أحد أي شيء مثل “أعارض قيام دولة فلسطينية في ظل الظروف الراهنة، وهذه هي الظروف التي قد تجعلني أفكر بخلاف ذلك”، مثل هذه الجملة، تستبعد أيضاً قيام دولة فلسطينية، لكنها تترك الأمر معلقاً. إن غياب مثل هذا التصريح هو جوهر العاصفة.

يمكن القول إن هناك من يقول ذلك. “راعم” قالت، وحداش – تاعل وبلد، تقول ذلك علناً. ولكن المشكلة تكمن في أن الأطراف الوحيدة التي تتعامل مع القضية كقضية سياسية هي التي صنفها الخطاب الإسرائيلي بالفعل خارج نطاقه، لذا لا تبدو أقوالها موقفاً، بل تأكيداً للشكوك.

إن تصريح عباس ليس رؤية أو تهديد، بل وصف للوضع الراهن. تعترف معظم دول العالم بدولة فلسطينية، وانضمت إليها فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا قبل أقل من سنة. قد يعتقد البعض أن هذا الاعتراف خاطئ أو سابق لأوانه، وأنه يمكن اعتباره مكافأة لحماس. هذه مطالب سياسية مشروعة. مع ذلك، لم يناقشها أحد في الخطاب الإسرائيلي؛ بل ظهر الاعتراف نفسه كتهديد. لذلك، لم يتم النقاش حول صحة الاعتراف أو كونه سابقاً لأوانه أو خطيراً، بل حول من هو مستعد للظهور بمظهر من لا يرفضه رفضاً قاطعاً.

الفرق ليس لفظياً. فعندما يناقش طلب ما كطلب سياسي يكون له نطاق واسع، حيث يمكن التفاوض حول الحدود وترتيب العمليات والضمانات والجداول الزمنية. عند مناقشة الادعاء نفسه باعتباره تهديداً أمنياً فلا مجال للنقاش، بل حدود منيعة. لم تعد الدولة الفلسطينية موضوعاً للتفاوض، بل مرادفة للخطر الوجودي، وبالتالي فإن أي نقاش حولها يعتبر تنازلاً، وكل من يجريه يصبح موضع شك.

يمكن عزو ذلك إلى الحملة الانتخابية التي لا يستفيد فيها أحد من اللباقة. لكن هذا الرفض سبق الحملة. فعلى مدى ثلاثة عقود، دار نقاش في إسرائيل بين مسارين: مسار دبلوماسي يسعى إلى تسوية النزاع بالتراضي ومسار أمني يسعى إلى إدارته بالقوة. لقد حطمت أحداث 7 أكتوبر الشعور بالأمان، وشطب المسار الأول من الساحة. لم يبق إلا سؤال واحد وهو كيف نمنع الكارثة التالية، ولغة واحدة فقط للإجابة عنه.

كانت الصدمة حقيقية، وكان للاستنتاجات الأمنية المستخلصة أساس. لكن من خلال الادعاء الذي ظهر بعد 7 أكتوبر، باستحالة إقامة دولة فلسطينية في ظل الظروف الحالية، استنتج بسرعة أنه لا توجد مثل هذه الظروف ولن تكون بل إن عبارة “الدولة الفلسطينية” بحد ذاتها خيانة عظمى. وهكذا، ومن دون قرار أو نقاش عام، تبنت إسرائيل سياسة لم يخترها بصراحة، وهي “السيطرة المطلقة”.

يمكن القول إن المسار السياسي لم يشطب، بل هُزم، بدءاً بكامب ديفيد ومروراً بالانفصال وانتهاء بـ 7 أكتوبر. وحسب هذا الرأي، فإن ما يبدو أنه تضييق في الخطاب ليس إلا تعلماً. هذا صحيح جزئياً، لكن الاستنتاج المستمد من التجربة يعرف ما يفنده. فكل من استنتج أنه لا يوجد شريك في ظل الظروف الراهنة، ينبغي أن يكون قادراً على وصف التغيير الذي قد يغير رأيه، ولا أحد مستعد لقول ذلك.

يمكن إضافة أن الصمت تكتيكي. فمن يحدد شرطاً يحوله على الفور إلى حد أدنى في المفاوضات. أما من يبقي لنفسه مجالاً للمناورة فيختار صياغة غامضة وغير قاطعة. إن عبارة “لن تقام دولة فلسطينية” ليست حكماً يصدر عن شخص يترك مجالاً للنقاش، بل هي حكم من يرفض البدء في الحوار. خطة ترامب مطروحة، وإسرائيل تفحصها، بما في ذلك بنود نزع السلاح وتخزينه وخطوط الانسحاب والجداول الزمنية. ولكن الهدف الذي تحدده الخطة في النهاية، وهو مسار موثوق نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية – يكاد لا يناقش في الخطاب الإسرائيلي، بل يتم إنكاره. حتى عندما يقدم لنا إطار عمل متكامل، لا نعرف منه إلا فصول الأمن.

المسألة السياسية لا تختفي، بل نتجاهل طرحها. لا تجيب أي عملية أمنية، مهما كان مبررها، على سؤال من يسيطر على من؟ وبأي حق؟ وإلى متى؟ لغة الأمن بارعة في وصف الخطر، لكنها قاصرة على وصف المستقبل. وحتى من منظار أمني ضيق، يتراكم الثمن: فغياب الأفق السياسي يحول الحملة الدولية من ساحة تملك فيها إسرائيل ذرائع إلى ساحة لا تملك فيها ذرائع. كان من المفروض أن يكون الأمن وسيلة. عندما يصبح هذا هو المصطلح الوحيد فإنه يفقد جدواه.

ما لم يقله آيزنكوت ونتنياهو – أي ما هي الشروط التي قد تدفعهما إلى التفكير بخلاف ذلك – لا يعتبر تنازلاً، ولا يضمن حتى تحقق هذه الشروط، هو يفترض ببساطة أن تكون للسؤال إجابة. تجاهل ذلك ليس إجراء احترازياً أمنياً، بل استسلام للخيال.

هآرتس 25/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *