يكرس الاتفاق انتقالاً من نموذج عسكري نشأ في ظروف الحرب، إلى علاقة بين سوريا وروسيا أكثر توازناً من حيث السيطرة على المنشآت.
تدخل العلاقة العسكرية بين سوريا وروسيا مرحلة مختلفة بعد مذكرة التفاهم التي أعلنتها دمشق في 9 آب/أغسطس 2026، والتي أعادت تحديد وظيفة المنشآت الروسية في الساحل بعد أكثر من عقد من تمركز موسكو في حميميم وطرطوس وفق ترتيبات منحتها نفوذاً عسكرياً وقانونياً واسعاً.
وبحسب ما أعلنته الحكومة السورية، تستعيد الدولة إدارة المنشآت المخصصة للاستخدام المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، فيما تتحول المنشآت العسكرية إلى «مراكز تدريب وتأهيل مشتركة» ضمن مرحلة انتقالية لا تتجاوز ثلاثة أشهر.
ويضع الاتفاق حداً، على الأقل من الناحية العملية، للصيغة التي نشأت بعد التدخل الروسي المباشر عام 2015، من دون أن ينهي الحضور الروسي في البلاد. فموسكو ستبقى شريكاً عسكرياً في التدريب والتأهيل، لكن ضمن إطار أضيق من الامتيازات التي تمتعت بها في عهد بشار الأسد.
وفي المقابل، لم يُكشف بعد عن النص الكامل للمذكرة أو عن الآلية القانونية التي ستنظم مصير الاتفاقات السابقة، ولا سيما تلك التي منحت روسيا حق استخدام المنشآت لعقود طويلة.
منذ عام 2011، حافظت موسكو على موقعها بوصفها الحليف الدولي الأبرز لنظام الأسد. واستمر التعاون العسكري وعقود التسليح، بالتزامن مع استخدام روسيا نفوذها السياسي في مجلس الأمن لحماية دمشق من ضغوط دولية متزايدة.
وخلال السنوات الأولى من الحرب بقي الدور الروسي خارج إطار التدخل العسكري المباشر، واقتصر بصورة أساسية على التسليح والدعم السياسي والاستشارات، إلى جانب استمرار استخدام نقطة الإسناد البحرية القديمة في طرطوس.
لكن تطورات الميدان خلال عامي 2014 و2015 دفعت موسكو إلى تغيير مستوى تدخلها. فقد تعرضت قوات النظام لخسائر واسعة، واقتربت فصائل المعارضة من مناطق تعدها دمشق وموسكو شديدة الحساسية، ما دفع روسيا إلى الانتقال من دعم النظام إلى المشاركة المباشرة في القتال.
وفي 26 آب/أغسطس 2015 وقعت الحكومتان اتفاقاً يسمح بتمركز مجموعة جوية روسية في مطار حميميم بمحافظة اللاذقية. ووضع الاتفاق منشآت المطار والأراضي اللازمة لعمل القوات الروسية تحت تصرف موسكو من دون مقابل، وأتاح لها إدخال المعدات والأسلحة والذخائر المطلوبة لعملياتها، مع منح العسكريين والمنشآت الروسية امتيازات وحصانات واسعة.
وبعد نحو شهر، في 30 أيلول/سبتمبر، بدأت الطائرات الروسية عملياتها العسكرية انطلاقاً من حميميم. ومنذ ذلك الوقت أصبحت روسيا طرفاً عسكرياً مباشراً في الحرب، وأسهم تدخلها في قلب التوازن الميداني لمصلحة النظام، خصوصاً في حلب ووسط سوريا ومناطق الساحل.
إذ تحولت حميميم إلى نقطة ارتكاز جوية روسية في شرق المتوسط، وموقع لنشر طائرات قتالية ومنظومات دفاع جوي وقوات قادرة على العمل بعيداً عن الأراضي الروسية.
مع استعادة النظام جزءاً كبيراً من المناطق التي خسرها، بدأت موسكو بتثبيت وجودها بصورة تتجاوز ظروف الحرب المباشرة.
وفي كانون الثاني/يناير 2017، وقّع الطرفان بروتوكولاً عدّل اتفاق حميميم وحدد مدة استخدام روسيا للمنشأة بـ49 عاماً، مع إمكانية التمديد تلقائياً لفترات إضافية تبلغ كل منها 25 عاماً.
وفي الفترة نفسها أبرمت موسكو ودمشق اتفاقاً منفصلاً لتنظيم وتوسيع الوجود البحري الروسي في طرطوس. وأتاح الاتفاق استخدام الأراضي والمنشآت المخصصة للجانب الروسي من دون مقابل، كما سمح بوجود ما يصل إلى 11 سفينة حربية روسية في وقت واحد، بما فيها السفن العاملة بالطاقة النووية.
ومنحت هذه الترتيبات الجانب الروسي استقلالاً واسعاً في إدارة منشآته، إلى جانب حصانات قانونية للعسكريين والممتلكات الروسية، وقيودا على وصول السلطات السورية إلى بعض المواقع الموضوعة تحت الاستخدام الروسي.
وبهذا انتقل الوجود الروسي من ترتيبات مرتبطة بالحرب إلى تمركز طويل الأمد كان يمكن أن يمتد، وفق الاتفاقات الموقعة، حتى عام 2066 وما بعده.
وشكلت تلك المرحلة الذروة الفعلية للنفوذ الروسي في سوريا؛ إذ جمعت موسكو بين قاعدة جوية متقدمة ومنشأة بحرية في المتوسط وحضور سياسي مؤثر في الملفات العسكرية والتفاوضية.
كما حصلت شركات روسية على عدد من العقود الاقتصادية خلال تلك المرحلة، لكن أحد أكثرها ارتباطاً بالنقاش الحالي كان عقد إدارة وتطوير ميناء طرطوس التجاري عام 2019. وهو عقد يختلف عن الاتفاق العسكري الخاص بالمنشأة البحرية الروسية، ولذلك لم يؤدِّ إلغاؤه بعد سقوط الأسد إلى إنهاء وضع القاعدة العسكرية تلقائياً.
وفي 2020 توسعت ترتيبات حميميم مرة أخرى من خلال بروتوكول إضافي أتاح للجانب الروسي استخدام مساحات جديدة مرتبطة بالقاعدة لإنشاء منشأة طبية وتأهيلية.
سقوط الأسد يعيد فتح الملف
سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 غيّر الأساس السياسي الذي استندت إليه تلك الاتفاقات.
فالقوات الروسية بقيت في مواقعها، لكن السلطة التي وقعت الترتيبات القديمة لم تعد موجودة. ومع أن تغيير الحكومة لا يلغي الاتفاقات الدولية بصورة تلقائية، فقد أصبح استمرار الحضور الروسي مرهوناً بقبول القيادة السورية الجديدة وبالتوصل معها إلى قواعد جديدة للعلاقة.
ومنذ مطلع 2025 بدأت اتصالات ولقاءات متتالية بين دمشق وموسكو. واختارت السلطات السورية الجديدة عدم الدفع نحو انسحاب روسي فوري، واتجهت بدلاً من ذلك إلى إعادة التفاوض على نطاق الوجود العسكري ووظائفه، فيما أبدت موسكو استعداداً للقبول بصيغة مختلفة تحفظ لها موطئ قدم في سوريا.
وتزامن ذلك مع رغبة أوروبية معلنة في تقليص النفوذ العسكري الروسي. فبعد سقوط الأسد، تحدثت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس عن موقف لدى عدد من دول الاتحاد يدعو إلى إنهاء الوجود العسكري الروسي في سوريا، بينما طالبت ألمانيا لاحقاً بإغلاق القواعد الروسية وانسحاب القوات.
ومع تحسن علاقات دمشق مع العواصم الأوروبية ورفع جانب واسع من العقوبات، اتسع هامش الحركة أمام السلطات السورية في تفاوضها مع موسكو. ومع ذلك، لم تختَر دمشق القطيعة، بل سعت إلى تعديل شروط العلاقة بما يعيد للدولة السورية قدراً أكبر من السيطرة على المنشآت ويضمن في الوقت نفسه استمرار قنوات التعاون العسكري مع روسيا.
ولا يقتصر الجدل بشأن مستقبل القواعد على دمشق وموسكو. ففي الوقت الذي دفعت فيه دول أوروبية باتجاه تقليص الوجود العسكري الروسي وصولاً إلى إنهائه، اتخذت إسرائيل موقفاً مختلفاً. فقد كشفت رويترز في شباط/ فبراير 2025 أن مسؤولين إسرائيليين ضغطوا على واشنطن للإبقاء على القواعد الروسية في سوريا، انطلاقاً من اعتبار أن استمرار وجود موسكو يمكن أن يشكل ثقلاً موازناً للنفوذ التركي المتزايد. ويكشف هذا التباين أن حميميم وطرطوس لم تعودا مجرد ملف ثنائي سوري ـ روسي، بل دخلتا في توازنات إقليمية أوسع؛ فأوروبا تنظر إلى تقليص الوجود الروسي باعتباره جزءاً من إنهاء إرث عهد الأسد، فيما ترى إسرائيل في بقاء روسي محدود أداة يمكن أن تحد من تمدد تركيا داخل سوريا.
وخلال 2025 و2026 بدأت موسكو نفسها تتحدث عن وظائف مختلفة لمواقعها في سوريا، تشمل التدريب والخدمات اللوجستية وربما الأنشطة الإنسانية، بدلاً من استمرارها بالصورة العملياتية التي ميزت سنوات الحرب.
جاء اتفاق آب/أغسطس ليترجم هذا المسار إلى صيغة معلنة. فعودة مطار حميميم والمنشآت التجارية في طرطوس إلى الإدارة السورية تفصل بصورة أكثر وضوحاً بين الجانب المدني والوجود العسكري الروسي، بينما تشير صيغة «المراكز المشتركة» إلى تراجع مستوى الإدارة الروسية المنفردة للمنشآت.
ويبدو وضع طرطوس أكثر حساسية بالنسبة إلى موسكو. فالمنشأة وفرت لروسيا موقعاً بحرياً ثابتاً في المتوسط، وهو ما يصعب تعويضه بالكامل عبر زيارات دورية إلى موانئ ليبيا أو الجزائر أو مصر. لذلك فإن تحولها من منشأة عملياتية روسية إلى مركز مشترك، إذا اكتمل بهذه الصورة، سيحد من حرية الحركة البحرية الروسية في المنطقة.
أما حميميم، فتختلف قيمتها الحالية عن السنوات الأولى للتدخل. فبعد تراجع دورها كمركز للعمليات القتالية داخل سوريا، ازدادت أهميتها كحلقة على خطوط النقل الروسية نحو ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي. ولهذا ستتوقف القيمة الاستراتيجية الفعلية للترتيبات الجديدة جزئياً على مدى احتفاظ روسيا بإمكانية استخدام المدرج لأغراض النقل والإسناد.
وفي المقابل، يمكن لعودة الجزء المدني من المطار إلى الإدارة السورية أن تفتح الباب أمام إعادة تشغيله ضمن شبكة الطيران المدني، بما يمنح دمشق استخداماً اقتصادياً ومدنياً لمنشأة ارتبط اسمها طوال سنوات بالعمليات العسكرية الروسية.
الغموض القانوني
يظل الجانب القانوني أكثر عناصر الاتفاق الجديد غموضاً. فالنص الروسي الرسمي الكامل لمذكرة 2026 لم يُنشر حتى الآن، كما لم يظهر بروتوكول معلن ينص صراحة على إلغاء أو تعديل الاتفاقات التي تنظم استخدام حميميم وطرطوس.
وتسمح الاتفاقات السابقة أصلاً بإدخال تعديلات عليها من خلال بروتوكولات جديدة يتفق عليها الجانبان، ما يرجّح أن تكون مذكرة آب/أغسطس إطاراً أولياً يعقبه تنظيم قانوني وعسكري أكثر تفصيلاً خلال الفترة الانتقالية.
وفي المحصلة، لا يعكس الاتفاق انسحاباً روسياً من سوريا بقدر ما يكرس انتقالاً من نموذج عسكري نشأ في ظروف الحرب واعتماد الأسد على موسكو، إلى علاقة أكثر توازناً من حيث السيطرة على المنشآت.
فروسيا التي دخلت حميميم عام 2015 من موقع القوة، وحصلت بعد ذلك على امتيازات تمتد لعقود، أصبحت بعد سقوط الأسد مضطرة إلى التفاوض على شروط بقائها. وفي المقابل، استعادت دمشق قدرة أكبر على تحديد وظيفة المواقع الروسية من دون أن تغلق باب التعاون العسكري مع موسكو.
وسيحدد نشر النصوص التنفيذية المقبلة مدى عمق هذا التحول. فإذا شملت التغييرات إلغاء الحصانات ومدة الاستخدام الطويلة والإدارة الروسية المنفردة، يكون الاتفاق قد أنهى فعلياً نموذج القواعد الذي رسخه عهد الأسد. أما إذا بقيت امتيازات أساسية من الترتيبات السابقة، فسيكون التغيير إعادة توزيع للصلاحيات أكثر من كونه نهاية للوجود الروسي.