إنه موسم انتخابي في إسرائيل والولايات المتحدة وكل شيء مسموح ومفتوح للبحث عن ضحية، في إسرائيل الضحية معروفة، وهم الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة وداخل إسرائيل، أما في الولايات المتحدة فالطرف المسؤول عن نهاية الحرب غير الضرورية التي بدأها دونالد ترامب بتحريض من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هي إيران.
ومن هنا جاءت تصريحات جيه دي فانس نائب الرئيس دونالد ترامب عندما اتهم الإيرانيين بأنهم يبرمون اتفاقات ولا يلتزمون بها، وتصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة بأنه سيعلن منطقة مضيق هرمز أرضا أمريكية، وذلك بعد فشله في إعادة فتح المضيق أمام الملاحة البحرية.
إلا أن عنف المستوطنين في الضفة الغربية هو عنوان الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في تشرين الأول/أكتوبر، فقد زاد عن حده وبات المستوطنون يتجرأون الآن على حصار القرى الفلسطينية القريبة من المستوطنات دونما رادع أو خوف من الجيش. وكانت قصرة القرية الفلسطينية التي تمت فيها محاصرة عائلتين من مستوطنين وعدم تدخل الجيش ثم تدخله لحماية المستوطنين ومنع دخول المساعدات للعائلتين، صورة عن هذا، وهو أمر ليس جديدا عندما يروع المستوطنون الفلسطينيين في الضفة الغربية وهم يحاولون «حسم» الأمر وإخراج الفلسطينيين من قراهم وبيوتهم بل وحتى من فلسطين نفسها.
إنه عنف خارج عن السيطرة كما وصفه نيكولاس كريستوف المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز» (12/8/2026) وقال إن معدل هجمات المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين أصبحت ست هجمات في اليوم ومنذ بداية العام الحالي، ما يشير لجرأتهم وشعورهم بالحماية من المؤسسة المتطرفة الحاكمة. وقال كريستوف إن تصرفات المستوطنين تخلق فجوة بين إسرائيل والعالم وأن هذا هو الإرث الحقيقي لرئيس الوزراء بنيامين لنتنياهو. وتساءل إن كان هذا العهد الخبيث سينتهي في تشرين الأول/أكتوبر، مجيبا، ربما ولكن، فرغم ان استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال وصول غادي إيزنكوت، رئيس الأركان السابق، الذي تشير تصريحاته إلى أنه سيسعى إلى توجيه إسرائيل نحو مسار أكثر اعتدالا والسيطرة على المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية. ولكنه يظل غير معتدل في المعادلة الإسرائيلية، فهو من كان وراء عقيدة الضاحية التي طبقها نتنياهو حرفيا في غزة. وكان في بداية الحرب على القطاع جزءا من الحكومة الأمنية التي أشرفت على دماره قبل استقالته. وحتى لو فاز فلن يكون قادرا على إعادة الجني إلى قمقمه بعدما أصبح مسلحا وجريئا في عهد بتسليئل سموتريش وإيتمار بن غفير ويسرائيل كاتس، حيث يحاول الثلاثي في ائتلاف نتنياهو فرض واقع لا رجعة فيه بالضفة الغربية وبالإرهاب. وبات مصطلح «الإرهاب اليهودي» عملة مستخدمة لدى ساسة المعارضة وغيرهم لوصف هذا العنف الخارج عن عقاله ويجد حماية من الجيش الإسرائيلي الذي يرافق المستوطنين بشكل روتيني. ووصف تامير باردو، الرئيس السابق لجهاز الموساد الأمني، للتلفزيون الإسرائيلي بعد جولة في قرى الضفة الغربية: «كانت والدتي من الناجيات من الهولوكوست، وما رأيته ذكرني بالأحداث التي وقعت ضد اليهود في القرن الماضي».
ويهدف إرهاب المستوطنين إلى تخويف الفلسطينيين ودفعهم للخروج من قراهم حتى يسرقها المستوطنون الذي يزيدون من بؤرهم الإستيطانية وبدعم من سموتريش الذي يتولى منصب المالية ومناصب في الجيش الإسرائيلي وعمل وتحت شعار منع قيام الدولة الفلسطينية على تغيير طابع الإدارة المدنية في الضفة ونقل الصلاحيات إلى مستوطنين بدلا من الجيش، وسهل عمليات السيطرة على أراضي «جيم» المصنفة حسب اتفاقيات أوسلو الفارطة.
هذا إلى جانب سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها كاتس في المخيمات الفلسطينية ومحاولات فرض أمر واقع على الأقصى بقيادة وزير الأمن بن غفير. يجري كل هذا وسط قبول من نتنياهو وتردد دولي في شجب أعمال المستوطنين، بل ويرى كريستوف أن إدارة ترامب، كما يبدو متساهلة بشكل ملحوظ مع هذا النوع من الإرهاب، حتى عندما يصاب أو يقتل فلسطينيون أمريكيون. ورغم ما تتركه هجمات المستوطنين من أثر على شعبية إسرائيل في العالم، إلا أن قادة إسرائيل واثقون على ما يبدو من الدعم الأمريكي واستمراره لهم. وقد نفى السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر وجود انقسام مع الإدارة، وبخاصة فانس الذي انتقد إسرائيل الشهر الماضي وذكرها بأن الإدارة الحالية، هي الصديق الوحيد الموجود لها في العالم. ونقل إيشان ثارور، من مجلة «ذي نيويوركر» (13/8/2026)، وتفاخر بأن إسرئيل لها علاقات قوية مع دول مثل الإمارات والهند وأذربيجان، بل وتقوم بتوثيق صلاتها مع اليمين المتطرف في أوروبا ودول أمريكا اللاتينية الخائفة من ترامب والمتأثرة بالإنجيلييين المسيحيين.
إلا أن الدعم الرسمي ليس بديلا عن الدعم الشعبي، حيث تزداد الهوة بين إسرائيل وداعميها التقليديين. وفي الولايات المتحدة لاحظ كريستوف أن هجمات المستوطنين وعنفهم يجب أن تثير قلق المسؤولين الأمريكيين، وذلك لأن الولايات المتحدة تقدم الدعم للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية فـ «نحن الأمريكيون نساعد في بعض الإرهاب هذا». كما أن مواصلة الدعم الأمريكي لنتنياهو يزيد من درجة هذا التواطؤ، حيث دعمت أمريكا نتنياهو بدون حساب، ولا تزال تدعمه، وأزهقت أرواح أعداد من الناس لا تحصى خدمة لمصالحه السياسية و«أننا نحن الأمريكيون، على الأقل حتى وقت قريب، لم نمعن النظر في تواطؤنا». وفي ظل العنف المسلح للمستوطنين وحصولهم على السلاح والمركبات، فلا يوجد هناك أمل بأن تتغير سياسة الحكومة القاضية بإرهاب الفلسطينيين وحتى لو رحل نتنياهو ومن معه من المتطرفين، فليس معروفا عن أي حكومة إسرائيلية أنها واجهت المستوطنين، ولأنهم أصبحوا كتلة انتخابية مع الأحزاب الدينية، فقد باتوا يشعرون بأنهم «دولة دينية» داخل دولة علمانية تتراجع فيها الحقوق وتمارس فيها القيود، وتدفع الكثيرين على الهجرة من إسرائيل، وهو ما كشفت عنه صحيفة «فايننشال تايمز» (14/8/2026) في تقرير قالت فيه إن هناك أكثر من 150.000 إسرائيلي هاجروا منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكذلك بسبب الإجراءات التي اتخذتها حكومة نتنياهو لتقييد القضاء وحماية نتنياهو من المحاكم.
ومن هنا فقرار كاتس تسليم المهام للشرطة الإسرائيلية لمواجهة عنف المستوطنين وليس الجيش هي محاولة منه لرمي المسؤولية على طرف آخر وتبرئة الجيش من مسؤولية الفشل كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (14/8/2026) وقالت إن كاتس الطامح بزعامة حزب الليكود قام بحركة سياسية وأعلن عن نقل المهام للشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية. ومن المعروف أن الجيش هو من يملك القدرات والعناصر هناك أكثر من الشرطة، كما ويستطيع الرد وحشد قواته في المناطق التي تعاني من عنف المستوطنين. ويرى خبراء أن تسليم المسؤولية إلى الشرطة هي مثل جعل الثعلب حارسا لقن الدجاج. وذلك لأن الشرطة خاضعة لبن غفير وهو نفسه مستوطن متطرف. ويظل الإجراء سياسيا، فبدلا من منح الجيش السلطة لسجن المستوطنين المتهمين بالإرهاب والعنف تحت قانون الاعتقال الإداري يتم إلغاء العقوبات. وتقول الصحيفة إن إسرائيل بصفتها قوة محتلة، فجيشها مسؤول حسب القانون الدولي عن حماية المدنيين الفلسطينيين، وهو المكلف بهذه المهمة منذ احتلال الضفة عام 1967. وترى الصحيفة أن وجود شرطة إسرائيلية لحماية المستوطنين في الضفة يجعل من توسيع سلطتها وتولي شؤون الفلسطينيين فرضا لأمر الضم الزاحف الذي تسعى إليه حكومة نتنياهو. وقالت «نيويورك تايمز» إن تصاعد العنف من المستوطنين الذي طالما قللت من شأنه القيادة الإسرائيلية ووصفته بأنه من عمل «مجموعات مارقة» أو «شباب غاضبين»، كشف عن الجانب الذي وقف معه قادة إسرائيل: المستوطنون وليس الجيش. وكان بن غفير واضحا في تصريحاته يوم الخميس الذي سارع باتهام الفلسطينيين عن مسؤولية ما حدث في قصرة وعبر عن اعجابه بمن يستوطنون في «أرض إسرائيل» ويقيمون بؤرا استيطانية. وكما هو الحال في إسرائيل تحولت الضفة الغربية إلى ساحة تسجيل نقاط في معارك انتخابية، فما يحدث في قصرة دفع النخبة السياسية لمواجهة «العنف اليهودي»، وحتى نفتالي بينيت، رئيس الوزراء السابق والذي قاد مجلس يشع للمستوطنين في وقت ما، وصف ما حدث بأنه «فعل إرهابي»، وانتقد بطء الرد من الحكومة الإسرائيلية بالتدخل.
ولم تظهر إدارة ترامب أي تحرك للضغط على نتنياهو في مسألة المستوطنين. وهي بالضرورة متواطئة في زيادة عنفهم وجرأتهم، وبخاصة بعدما ألغت العقوبات التي فرضتها إدارة جو بايدن على عدد من المنظمات والمستوطنين المعروفين بعنفهم. ورأى باحث أن ترامب لديه فرصة في الحد من عنف المستوطنين ومنع انفجارجديد في الضفة الغربية، وبخاصة بعد رفض نتنياهو لخطته الأخيرة في غزة. وجاء في مقال الباحث بمجلة «فورين بوليسي» (11/8/2026) إن خطة ترامب الأخيرة لغزة، لا تملك فرصة كبيرة للنجاح بسبب معضلة كلاسيكية: فإسرائيل لن تنسحب بالكامل من غزة ما لم تنزع حماس سلاحها، وحماس لن تنزع سلاحها ما لم تنسحب إسرائيل. ويرى الكاتب أن مشكلة ترامب كامنة في مكان آخر، غير غزة، حيث تتجاهل إدارته أزمة متفجرة تلوح في الأفق في الضفة الغربية. وقال الباحث إن خيارات البيت الأبيض السياسية تغذي جزئيا العنف في الضفة، فمن خلال تقاعس الإدارة عن كبح جماح حليفها، ورفع العقوبات عن المستوطنين، تتحمل الإدارة جزءا كبيرا من المسؤولية عما يجري في الضفة. فإلى جانب الإجراءات التي تتخذها وزارة المالية لخنق الاقتصاد الفلسطيني ومنع المصارف الإسرائيلية التعامل مع الفلسطينية، لم تعبر إدارة ترامب عن موقف واضح من سياسات الحكومة الإسرائيلية في الضفة. مع أن لديها فرصة حقيقية، لأن نتنياهو لا يملك في الوقت الحالي خيارات لمواجهة ترامب في الموسم الانتخابي. وعليه، فإعادة فرض العقوبات على المستوطنين المتطرفين سيرسل إشارة واضحة لا لبس فيها إلى إسرائيل. والسؤال: هل لدى واشنطن الجرأة على تصعيد الأمور؟ في نهاية المطاف، نتنياهو هو من سيخسر أكثر بكثير، فمكانته السياسية الداخلية تعتمد بشكل كبير على علاقته الفريدة المزعومة مع ترامب.
وأثبتت الحملة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران أنها كارثة محرجة، ولا يوجد ما يمنع ترامب من جعل نتنياهو كبش فداء. وإذا انهارت هذه العلاقة، فسيكون ذلك كارثيا من الناحية السياسية على نتنياهو. كما أنه إذا اندلعت الحرب في الضفة الغربية، فإن أي خريطة طريق حالية أو مستقبلية لغزة ستنهار تماما.
وفي الوقت الحالي، عللت الإدارة نفسها أن رفض نتنياهو لخريطة الطريق في غزة لم يكن سوى مجرد استعراض. وأن رفض نتنياهو للخطة هو مجرد استعراض، حسبما أفادت مجلة «بوليتيكو» (12/8/2026). وقال مسؤول أمريكي إن الولايات المتحدة ليست مهتمة بما يقوله نتنياهو بقدر ما تقوم القوات الإسرائيلية بعمله. والإدارة راضية، في الوقت الحالي عن موقف نتنياهو وأنها تريد منحه فرصة لمخاطبة قواعده المتطرفة. وقال المسؤول «نعترف بالتعقيد النابع من الانتخابات الإسرائيلية، وسنعطي بيبي [نتنياهو] المساحة ومحاولة التحرك».
وتظل المشكلة في الضفة وغزة وحتى إيران مرتبطة بديناميات العلاقة بين ترامب ونتنياهو، هل هما على خلاف أم وئام، وهل تخلى ترامب عن حليفه الذي زاره للمرة الثامنة في البيت الأبيض الشهر الماضي وإن من الباب الخلفي. وكما قالت صحيفة «واشنطن بوست» (11/8/2026) فالرئيس ترامب ونتنياهو يجدان نفسيهما مدفوعين في اتجاهين متعاكسين تمليهما ضرورات السياسة الداخلية لكل منهما. ولعل غزة وإيران هما أبرز قضيتين تشغلان إدارة ترامب الذي يحتاج إلى إظهار إنجازات قبل انتخابات التجديد النصفي، لا سيما في ظل غياب أي تقدم في الملفين الإيراني والأوكراني. وعكس هذا الخلاف مظهرا علنيا غير معتاد للتوترات التي ظلت تتفاقم منذ فترة طويلة بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن مستقبل غزة، ومؤخرا، بشأن الحرب مع إيران. ونقلت الصحيفة عن آرون ديفيد ميلر قائلا إنه من قبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تمر بـ «ضغط أكبر» مما هي عليه الآن، في ظل سعي كل من الطرفين لاستمالة قواعدهما الانتخابية المحلية. ولكن ترامب يواجه بالإضافة للمشاكل التي يخلقها له نتنياهو، معضلات أخرى، وهي إيران التي جلبت عليه مشاكل من حلفائه في الخليج، كما يقول ميلر. فقد فتح ترامب «صندوق المتاعب» أو صندوق باندورا، في هذه الحرب الاختيارية دونما يكون لديه أية فرصة لإغلاقه. ونقل عن محلل آخر قوله: «في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تسود قناعة بأن ترامب عاجز فعليا عن إنجاز المهام، يعود ذلك جزئيا إلى السمة التي يفتخر بها، وهي عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، إذ تتضاءل قدرته على تحقيق النتائج». وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» (12/8/2026) عن عملية نقل الرئيس ترامب في طائرة خاصة بعد تهديدات بالقتل قيل أنها من إيران ومصدرها الاستخبارات الإسرائيلية. ورغم عدم ثقة المخابرات الأمريكية بالمعلومات من إسرائيل، وهي التي قللت من مصداقية المعلومات من نتنياهو حول ضعف إيران، إلا أنها قررت التحرك بناء عليها واحترازيا. وتعطي شكوك سي آي إيه صورة عن مدى الشكوك فيما تقدمه إسرائيل وخاصة في عهد نتنياهو من معلومات تتعلق بحماس أو إيران وميله للتلاعب فيها.
وعليه فالحرب المستمرة في الخليج ومنذ أكثر من خمسة أشهر تظهر الكيفية التي انجرت فيها أمريكا إلى «مستنقع» الحرب مع إيران، وهو مستنقع بملامح جديدة، كما أوردت مجلة «بوليتيكو» (12/8/2026) وقالت إن تورط أمريكا في الحرب، يعيد إلى الأذهان حرب العراق في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين بدت الولايات المتحدة عاجزة عن انتشال وقف التمرد ومنع الحرب الأهلية، ومع أن معدل الوفيات في الحرب مع إيران كان أقل حتى الآن، إلا أن المخاطر المترتبة عليه أكبر بكثير. فالحرب الحالية تخلف تداعيات عالمية تفوق في أثرها حمام الدم الهائل الذي شهدته حرب العراق. ويكفي النظر إلى المعاناة الاقتصادية الناجمة عن سيطرة النظام الإسلامي في طهران على مضيق هرمز. ففي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت التحديات التي تواجه النفوذ العالمي للولايات المتحدة أقل حدة، وكان بوسعها تحمل تبعات فشل ذريع. أما الآن، فإن مصداقية أمريكا تتراجع جراء تعثر خطواتها في الشرق الأوسط، في حين يتصاعد نجم الصين.
ويقول مراقبون من الحزبين إن الرئيس دونالد ترامب يلحق مزيدا من الضرر بسمعة أمريكا من خلال تردده المستمر بشأن كيفية التعامل مع إيران، وعبر تقويض التحالفات الأمريكية مع دول كان من الممكن أن تقدم المساعدة. كما ويسود شعور باليأس بين بعض الموظفين في المستويات الأدنى من الإدارة الأمريكية. وقال مسؤول أمريكي مطلع على استراتيجية الإدارة تجاه الشرق الأوسط: «لا أرى مخرجا من هذا الوضع». وأوضح المسؤول أن فريق ترامب «يسيء فهم» حكام إيران بشكل جوهري، فترامب ومساعدوه «لطالما اعتقدوا أن بإمكانهم الاستمرار في ممارسة الضغوط المؤلمة لدرجة تجعل إيران تنهار، لكن النظام لن ينهار». وعليه تمثل إيران تحديا مختلفا عن العراق. فهي دولة أكبر مساحة، ولا توجد قوات برية أمريكية على أراضيها، كما أن نظامها لا يزال ممسكا بزمام السلطة، فضلا عن أن ردود فعلها تطال حلفاء أمريكا في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ووسط تيارات تدعو للتشدد وضبط النفس أو بين المعسكرين تتخبط الإدارة، وتقول سوزان مالوني الخبيرة في الشأن الإيراني بمعهد «بروكينغز» في واشنطن: «على غرار ما حدث في العراق، نحن أمام مأزق من صنع أيدينا، مأزق كان ينبغي توقعه، وكان من الممكن تخفيف حدته لو اعتمدنا تخطيطا أكثر استنارة ومعرفة». وكلما زاد ترامب تشددا وأعلن هرمز أرضا أمريكية، زاد تشدد إيران التي يخطط مرشدها الجديد آية الله مجتبى خامنئي لحرب طويلة، على حد قول سينا طوسي في مجلة «فورين بوليسي».
فبعد مرور عدة أشهر على توليه منصب المرشد الأعلى، بدأ مجتبى خامنئي في وضع بصمته الخاصة على المؤسسة العسكرية والأمنية القومية في إيران. فمن خلال سلسلة واسعة من التعيينات، أعاد خامنئي تشكيل القيادة العليا في إيران فعليا، وعمل على إعادة تنظيم المؤسسات المسؤولة عن إدارة كل من الحرب والدبلوماسية. وتشير هيكلية القيادة الناشئة إلى تحول أوسع في الطريقة التي تعتزم بها طهران إدارة المرحلة المقبلة من الصراع، حيث تتجه نحو قيادة عسكرية أكثر مركزية، وتركيز أكبر على العمليات الهجومية وفرض تكاليف باهظة لتعزيز الردع، فضلا عن تحقيق تكامل أوثق بين السياسات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية وتلك المتعلقة بالأمن الداخلي. وتشير الخطوات الأخيرة مجتمعة إلى مسعى لتوحيد قيادة إيران في زمن الحرب وتبني نهج ردع أكثر عدوانية، حيث تقابل الهجمات بتصعيد مضاد أشد، يهدف إلى إقناع الخصوم بأن كل جولة جديدة من الصراع ستؤول بهم إلى وضع أسوأ. وقال طوسي إن طهران تسعى الآن لتحويل ما لديها من أوراق ضغط إلى نظام إقليمي أكثر ديمومة يستوعب القوة والمصالح الإيرانية بشكل أفضل. وبعبارة أخرى، فإن إصرارها على ترتيبات بحرية جديدة في مضيق هرمز، ورفضها إعادة فتح المضيق مقابل مجرد وعود بتخفيف العقوبات، يعكسان طموحا أوسع للخروج من الصراع بمكانة إقليمية أقوى.
ولعل أفضل ما نختم به هذا العرض هو ما كتبه فريد زكريا في «واشنطن بوست»(14/8/2026) بأن الحرب كانت درسا بليغا في إضاعة مصداقية قوة عظمى. ووصف زكريا اتفاق مكة في الأسبوع الماضي بأنه زلزال جيوسياسي طفيف. فقد تعهدت السعودية وتركيا، وهما دولتان كانتا على خلاف علني في معظم العقد الماضي، بالدفاع عن بعضهما البعض في الحرب. ووقعتا، إلى جانب باكستان، اتفاقية مكة للدفاع المشترك. ورغم ما كان بين تركيا والسعودية من خلافات إلا أنهما تشتركان على ما يبدو في الرأي مع باكستان من ترامب الذي لا يثق أحدب بكلمته. ولنتذكر أن السعودية وقطر حصلتا على التزامات أمنية من ترامب في العام الماضي فقط. لكن كلمة ترامب لا تقل مصداقية لدى نظرائه في الخارج عن مصداقيتها لدى مصرفييه في نيويورك.