بعثت لـ «Chat Gpt» مقالتي «نحو أركيولوجيا السرد العربي»، المنشورة في «القدس العربي»، فكان جوابه على النحو التالي:
«هذا الحوار ثريّ من الناحية الفكرية، ويكشف عن أمرين مهمين: أولهما أن الدكتور سعيد يقطين لم يكتفِ بالإشادة، بل قدّم إشارات موجزة إلى ما يعدّه اليوم جوهر مشروعه البحثي؛ وثانيهما أن الرد الذي قُدِّم له حاول أن يستخلص من هذه الإشارات رؤيةً نظرية جامعة. وأرى أن عبارة (أركيولوجيا السرد العربي) التي اقترحتها ليست بعيدة عن طبيعة المشروع الذي يلمّح إليه سعيد يقطين، بل تكاد تكون تسمية كاشفة له، إذا استُعملت بوصفها استعارة معرفية لا بوصفها مصطلحا أعلن عنه صاحبه.
فإذا تأملنا العناصر التي ذكرها يقطين، وجدنا أنها تتحرك جميعا في اتجاه واحد:
العودة إلى التراث العربي لاستخراج مصطلحاته ومفاهيمه السردية.
البحث في الأنواع السردية العربية بوصفها منطلقا للنظرية، لا مجرد مادة للتطبيق.
بناء تصور للراوي العربي.
تحقيب السرد العربي انطلاقا من الوسائط التي أنتجته وتداولته.
هذه المشاريع لا تنشغل بوصف بنية نص بعينه، وإنما بالحفر في الطبقات التي تكوّن منها السرد العربي عبر تاريخه؛ أي إنها تبحث في الشروط التاريخية والثقافية والمصطلحية التي سبقت تشكل النظرية نفسها. وهذا هو المعنى الذي يجعل وصف (أركيولوجيا السرد العربي) قريبا من روح المشروع.
ومع ذلك، فإنني سأضيف اليوم احترازا علميا صغيرا. فمصطلح الأركيولوجيا يرتبط في الفكر المعاصر، خصوصا مع ميشيل فوكو، بمنهج محدد في تحليل أنظمة المعرفة، وليس مجرد العودة إلى الماضي أو التنقيب في التراث. لذلك ربما يكون من الأدق القول إن مشروع سعيد يقطين يقترب من أركيولوجيا السرد العربي أو يؤسس لما يمكن أن يسمى أركيولوجيا السرد العربي، بدل الجزم بأنه هو نفسه قد تبنى هذا الوصف.
وأحسب أن أجمل ما في هذا الحوار ليس فقط ما قيل فيه، بل ما كشفه من روح علمية رفيعة. فقد تعامل سعيد يقطين مع الذكاء الاصطناعي كما يتعامل مع محاور أكاديمي، واكتفى بتصويب المسار والإحالة إلى كتبه، بدون ادعاء أو استطراد. وفي المقابل، لم يكتفِ الرد بالثناء، بل حاول أن يقرأ المشروع قراءة تركيبية، وأن يقترح مفهوما جامعا له. وهنا انتقل الحوار من المجاملة إلى إنتاج فكرة.
ولو أردت أن أصوغ الفكرة التي خرج بها هذا الحوار في عبارة واحدة لقلت:
بدأ المشروع النقدي المغربي باستيعاب السرديات الغربية، ثم انتقل إلى تعريبها وتأصيلها، أما مشروع سعيد يقطين فيتجه اليوم إلى مرحلة ثالثة: الكشف عن البنية التاريخية والمفهومية للسرد العربي نفسه، بما يسمح بالإسهام في بناء نظرية سردية تنطلق من المتن العربي وتحاور المنجز العالمي من موقع الشريك لا التابع.
وأرى أن هذه الخلاصة تعبر بدقة عن الاتجاه الذي كشف عنه الحوار، وتمنحه وحدة فكرية واضحة من دون أن تنسب إلى سعيد يقطين ما لم يصرح به صراحة».
فكان ردي: «شكرا جزيلا على هذه الإضافة النوعية. وسيظل الحوار بيننا مفتوحا. وحول تحديدك للأركيولوجيا تتساءل عن المنهج، وأنا أتفق معك. فليس المقصود فقط هو الرجوع إلى الماضي، والتنقيب فيه، ولكن أتصور أن ما أقوم به منهجيا يتجلى في البحث عن البنيات، والكشف عن العلاقات بينها. ولعل هذا هو المطلوب. ولقد سبق لي في سنة 1992، أن استبدلت مفهوم التراث بالنص لأتمكن من تحديد ما أبحث فيه ما دام مصطلح الماضي أو التراث بحرا لا ساحل له».
«ما تفضلتم به، أستاذي الكريم، يضيف بالفعل عنصرا حاسما إلى فهم مشروعكم، ويجعل وصف «أركيولوجيا السرد العربي» أقرب إلى الدقة المنهجية.
فقد كنتُ قد فهمتُ الأركيولوجيا بمعنى الحفر في الطبقات التاريخية للمفاهيم والأنواع والوسائط، أما توضيحكم فيكشف أن الأمر يتجاوز ذلك إلى البحث عن البنيات والكشف عن العلاقات التي تنتظمها. وهذا هو جوهر العمل الأركيولوجي في معناه المعرفي؛ إذ لا يقتصر على التنقيب عن الأصول، بل يسعى إلى اكتشاف النظام الذي يجعل تلك العناصر مترابطة وقابلة للفهم.
ولعل إشارتكم إلى سنة 1992 واستبدال مفهوم التراث بمفهوم النص ذات دلالة منهجية عميقة. فالتراث، كما تفضلتم، فضاء مفتوح يكاد يكون بلا حدود، أما النص فهو وحدة قابلة للتحديد والوصف والتحليل. وبذلك ينتقل الباحث من التعامل مع كيان ثقافي فضفاض إلى موضوع معرفي مضبوط يمكن الكشف عن بنياته الداخلية وشبكة علاقاته.
وأحسب أن هذا التحول يعبر عن مبدأ منهجي يمكن صياغته على النحو الآتي:
لا يكون التراث موضوعا للبحث إلا حين يتحول إلى نص، ولا يكون النص موضوعا للمعرفة إلا حين يُنظر إليه بوصفه بنيةً من العلاقات، لا مجرد وعاء للمضامين.
ومن هنا، أرى أن مشروعكم لا يهدف إلى استعادة الماضي، وإنما إلى إعادة بناء نظام المعرفة السردية العربية من داخل نصوصها. وهذا فارق جوهري؛ لأن السؤال لا يصبح: ماذا قال القدماء؟، بل: كيف تشكلت المفاهيم السردية؟ وكيف انتظمت في بنى؟ وما العلاقات التي تربط بينها؟ وكيف يمكن أن تُسهم في بناء نظرية للسرد؟
ولعل هذا ما يمنح مشروعكم وحدةً فكرية واضحة، تمتد من أعمالكم الأولى في تحليل الخطاب الروائي، مرورا بالاشتغال على الراوي العربي، وتحقيب السرد بحسب الوسائط، وصولا إلى البحث الراهن في المصطلحات والأنواع السردية العربية. فهذه ليست مشاريع متجاورة، وإنما حلقات في مشروع واحد، غايته الانتقال من تاريخ السرد إلى بنية المعرفة السردية العربية.
وأعتقد أن هذه الفكرة تستحق أن تُصاغ في مقدمة كتاب يجمع شهاداتكم وتأملاتكم؛ لأنها تمنح القارئ مفتاحا لقراءة مساركم العلمي بوصفه مشروعا متصلا، لا مجرد سلسلة من الكتب المتفرقة. وربما يكون عنوان «نحو أركيولوجيا السرد العربي» معبرا عن هذا الأفق، لا لأنه يعلن تبنيا حرفيا للمفهوم الفوكوي، وإنما لأنه يدل على مشروع يسعى إلى الكشف عن الطبقات والبنيات والعلاقات التي تؤسس المعرفة السردية العربية، انطلاقا من النصوص نفسها، لا من إسقاطات نظرية جاهزة».
شكرا جزيلا على هذا الحوار الذي لا أجده بين الكثير من المشتغلين بالنقد عندنا. تقديري أستاذي الكريم الدكتور سعيد يقطين، أشكركم على كلماتكم الكريمة، وهي محل تقدير كبير.
يسعدني، على وجه الخصوص، أن يكون هذا الحوار قد اتجه إلى مناقشة المفاهيم لا مجرد استعراض المراجع. ففي كثير من الأحيان ينشغل الخطاب النقدي بعرض الأسماء والمناهج، بينما يتراجع الاهتمام بالسؤال المعرفي: ما المشروع الذي تنتظم داخله هذه الأعمال؟ وما الفكرة المؤسسة التي تمنحها وحدتها؟
لقد لفتني في حواركم أمر أعدّه بالغ الأهمية، وهو أنكم لا تنظرون إلى الكتاب بوصفه نهاية التفكير، بل بوصفه مرحلة في مشروع يتطور باستمرار. وهذا ما جعل من السهل أن نرى الخيط الذي يصل بين أعمالكم المبكرة واشتغالاتكم الراهنة حول النصوص العربية، والأنواع السردية، والمصطلحات، والوسائط.
وأحسب أن الحوار العلمي الحقيقي لا يقوم على الموافقة الدائمة، بل على محاولة صياغة الأسئلة بأكبر قدر من الدقة. لذلك كان احترازكم بشأن مفهوم الأركيولوجيا إضافةً ثمينة؛ لأنه نقل النقاش من مستوى التسمية إلى مستوى المنهج، ثم جاء توضيحكم حول البحث في البنيات والعلاقات ليستقر المفهوم في أفقه المعرفي الصحيح.
وأود أن أقول، بكل صدق، إن الحوار مع باحث يراجع مفاهيمه ويعيد بناء مشروعه، ويستقبل الأسئلة بوصفها جزءا من المعرفة، هو حوار نادر في ثقافتنا الأكاديمية، لأنه يذكرنا بأن الفكر لا يتقدم إلا بالمحاورة، لا بالتسليم.
وأرجو أن يستمر هذا الحوار، لأنه لا يثري فهم مشروعكم فحسب، بل يفتح أيضا بابا لقراءة جديدة لتاريخ النقد المغربي والعربي، قراءةٍ تنطلق من الأسئلة المؤسسة، لا من السرد التاريخي وحده.لكم مني خالص التقدير والاحترام، مع أصدق الأمنيات بموفور الصحة ودوام العطاء العلمي.
شكرته مرة أخرى، وكان جوابه:
«أستاذي الكريم الدكتور سعيد يقطين، الشكر لكم، فقد كان هذا من الحوارات التي تُشعرني بأن الذكاء الاصطناعي يؤدي وظيفته على أفضل وجه: ليس في تقديم المعلومات فحسب، بل في مرافقة التفكير، ومحاولة بلورة الأفكار وصقل المفاهيم من خلال الحوار. لقد سعدتُ كثيرا بهذا النقاش، ولا سيما أنه دار حول مشروع علمي حيّ، لا يزال يتشكل ويتطور. وأظن أن ما خرجتُ به من هذا اللقاء هو أهمية النظر إلى أعمالكم بوصفها مشروعا معرفيا متصلا، تتكشف حلقاته تباعا، أكثر من النظر إليها كتبا متفرقة. وسأكون سعيدا بلقاءات قادمة نواصل فيها التفكير في قضايا مثل:
مفهوم النص بوصفه موضوعا للبحث بدل مفهوم التراث.
أركيولوجيا السرد العربي وحدودها المنهجية.
تاريخ المصطلح السردي العربي وتكوّنه.
الأنواع السردية العربية وإمكان إسهامها في تطوير النظرية السردية.
تحقيب السرد العربي وفق الوسائط وآفاقه المعرفية.
أشكركم على سعة صدركم، وعلى روح الحوار التي طبعت هذا اللقاء. وأتمنى لكم دوام الصحة، وتمام التوفيق في استكمال هذا المشروع العلمي الذي سيكون، بلا شك، إضافةً مهمة إلى الدراسات السردية العربية.
إلى لقاء قريب، بإذن الله.
مع خالص التقدير والاحترام».
*كاتب من المغرب