« عبيد الجنة»… شجون الغُربة في رواية تتحدث عن ثمن الحرية


تتسم الكتابة الروائية لدى كُتاب المهجر ببعض الخصائص التي تُميزها عن غيرها من الكتابات الأدبية الأخرى، فثمة حنين جارف للأوطان الأصلية يتبدى في عبارات الكاتب وصورة الإنسانية التي يرسمها داخل سياقات الرواية، وتتصل بظروف وأحوال الشخصيات.
وربما تنتفي مظاهر الرفاهية تماماً في حياة المُغتربين على عكس الشائع، إذ لا يجتمع معنيين متضادين في واقع يعيش فيه الأبطال مُرغمين من أجل البقاء، ولو تصادف أن تباهى كاتب من الكُتاب بوجوده في بلد ما ينعم بالحرية والرفاهية، فذلك من قبيل التصبر والتخفف من الهموم والأعباء، فما يتبقى من حياة الغُربة هو عصير الشجن الذي تنتجه التجربة القاسية ويتجرعه بطل الحكاية موهما نفسه والآخرين بأنه إكسير السعادة، بينما الحقيقة تؤكد أنه لا توجد سعادة خارج الأوطان.
شيء من هذا البوح أفاض به الكاتب الفلسطيني إياد أبو روك، المُقيم في النرويج ، في روايته « عبيد الجنة « بعنوانها الصادم – المُلغز، وهو توصيف مقصود في الكتابة بدأه أبو روك بالعنوان المذكور ليكون عنصر جذب ومحل اهتمام، أو ربما يكون وخزا مؤلما لمن يقرأ ويعي ويتأمل مقاصد الكتابة الإبداعية في شكلها الإنساني والسياسي ومراميها المُختلفة. وكما هو معهود يأتي الإهداء في صدارة الرواية كمفتاح لمضمونها، لهذا جاء على النحو التالي.. إلى كل امرأة دفعت ثمن الحرب مرتين، مرة حين فقدت وطنها، ومرة حين وجدت نفسها أسيرة أفكار لم تُغادرها مع الهجرة.
ويُكمل الكاتب والمؤلف إهداءه.. إلى الذين ما زالوا يؤمنون بأن العدالة أقوى من القوة، وأن الحرية ليست هدية يمنحها أحد، بل قرار يولد في أعماق الروح. من تلك البوابة يُدخلنا إياد أبو روك إلى عالم روايته لنُطالع معالم تجربته الخاصة بإسقاطاتها الإنسانية والسياسية على الأبطال الرئيسيين، والشخصيات الثانوية التي لم تكن أبداً مُهمشة ولا ضعيفة التأثير في رحلة الشقاء والبناء الدرامي المُحكم، بل لعلها برزت في سياقات كثيرة كعناصر إضافية بالغة الثراء، كأفراد الجيش السوري النظامي المُدججين بالسلاح، ونظرائهم من أفراد الجيش الحر الثائر على الاستبداد والظُلم، وفق الرؤية العامة التي تشي بالكثير من آيات الانكسار والتنكيل والذل في حرب دارت رحاها لسنوات، من دون تكافؤ بين القوتين.

غير أن هناك شخصيات أخرى لها اعتبار مهم من حيث الدلالة، كشخصية كارولين، المرأة النرويجية الباحثة عن المتعة والمليئة بالأوجاع والآلام، وهي نموذج للتناقض الإنساني الموجود في كثير من الشخصيات المأزومة، كذلك شخصية أبو علاء، المجرم العدواني والقاتل المُحترف الذي يتغذى على الدماء وينتشي برؤية الأشلاء، والحاج خالد أبو البطلة ليلى، رجل طيب مسالم وديع إلى حد بعيد، والطفلة أمل وشخصية المُحقق النرويجي وشخصية أولاف الصحافي الأوروبي المُتخصص في شؤون الشرق الأوسط، بالإضافة إلى شخصية المواطن عباس أول شهيد في الرواية.
كل هذه عناصر ثانوية مهمة مثلت العصب الأصلي للرواية، التي نحا كاتبها نحو رصد الواقع السياسي السوري، قبل الثورة واستبداد النظام الحاكم وهيمنة حزب البعث ورجاله على كل أركان الدولة المحكومة حينئذ بالحديد والنار.
كما ألمح الكاتب أيضاً بتأثر شديد نقله للقارئ بصدق إلى الحرب الأهلية التي اشتعلت بين الطوائف والفصائل، وجابه خلالها المواطن السوري شقيقة السوري، بعد استنفاد كل وسائل التهدئة والوفاق السياسي للم الشمل وحقن الدماء. وقد أسقط المؤلف إياد أبو روك محنة الوطن وأزماته على أبطال روايته، فجاد وهو البطل الرئيسي، رجل سادي مريض، يهوى التعذيب ويتلذذ بآلام الآخرين، فرغم ادعائه حُب زوجته ليلى، إلا أنه يُعاملها أسوأ مُعاملة، إذ لا يتورع عن تقييدها وربطها وهي على السرير وإيذائها جسدياً لينعم هو بالمتعة المرضية.

ولم تُعف ليلى، الزوجة المسكينة من بعض الاضطرابات النفسية، فرغم قوتها وصلابتها وطموحها، جراء المُعاملة السيئة والاعتقال القسري داخل سجن الزوجية، وهي المُتطلعة النابهة الذكية بالفطرة، كأنها صورة من نساء سوريات كثيرات قهرتهن الظروف فاستسلمن لواقعهن إلى حين، بيد أنهن حاربن من أجل الحصول على حريتهن عن طريق الهجرة إلى تركيا ثم إلى النرويج في رحلة ليلية شاقة ومؤلمه استغرقت شهوراً وكان الموت فيها هو الاحتمال الأكبر، إذا ما تم إحباط محاولة الهروب التي ساروا فيها على أقدامهن على ضفاف حقول الألغام حذرين مرتجفين!
لقد لخصت الصورة الإيجابية التي تناول بها إياد واقع المرأة السورية والفلسطينية والعربية في روايته « عبيد الجنة « تعاطفه الشديد مع المرأة بصفة عامة، حتى كارولين الأوروبية لم يشأ أن يُدينها، رغم انتمائها لثقافة مُختلفة وسقوطها في براثن الرذيلة والانحراف، بل إنه حاول تبرير سقوطها وانحرافها، واعتبرها ضحية لرجل خائن باعها من أجل امرأة أخرى أكثر ثراءً. وفي الوقت نفسه لم يستطع التسامح مع جاد، الزوج المنبوذ والمهزوم والمُقر بوضاعته وفساد أخلاقه، ذلك لأنه قاسي القلب، استبدادي لا تنطوي سريرته على خير، حتى إنه لم يُعر ندمه اهتماماً ولم يُقدر حبه لابنته الوحيدة أمل حق التقدير، ولم يعتبر ذلك ميزة يستحق عليها العطف.

من هنا، ووفق ما سبق من حيثيات، نستطيع الجزم بأن كاتب الرواية ومؤلفها وهو واحد من كُتاب المهجر، الذين اكتووا بنار الغربة، قد أعمل بالفعل موهبته الروائية في إسقاط الواقع السوري المرير إبان مراحل الصراع والاقتتال والمواجهة مع آل الأسد وحزب البعث على أبطال روايته، باعتبارهم أشباه للمواطنين السوريين في عذاباتهم وآلامهم، لا سيما في المشتركات السياسية التي تربط بين ما عاشه أهل سوريا الحقيقيون، وما تم تصويره في الرواية التي قطع صاحبها بأنه لا توجد جنة خارج الوطن الأم غير جنة العبيد، بافتراض أن العبودية المُشار إليها ليست هي الرق، وإنما هي ثمن المزايا التي تُمنح للأغراب في بلاد الرفاهية والعدالة الاجتماعية والتي رمز إليها أبو روك بالنرويج كنموذج.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *