دولة الحريديم: قبل الصهيونية وما بعدها


في ختام افتتاحيتها لعدد 5 حزيران (يونيو) الجاري، تقول صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: «يسجل نتنياهو كل يوم دركاً أسفل جديداً من تدهور أنماط السلوك السلطوية، والأمر يبدو كخطة عمل مقصودة غايتها تعظيم الاستقطاب والفوضى، وزرع اليأس في معارضيه». ورأي تحرير الصحيفة لا يقصد حروب رئيس حكومة الاحتلال، ضدّ قطاع غزّة ولبنان وإيران، من دون استثناء الجولان المحتل والجنوب السوري؛ بل مناورات نتنياهو في تسخير أعمال العنف المختلفة التي يرتكبها اليهود الحريديم ضدّ القضاة وضباط الشرطة والجيش، على خلفية رفض تجنيد شبابهم أو استدعائهم للاحتياط، وبالتالي إبعادهم عن التفرغ لدراسة التوراة والتلمود، وحرمانهم من المعونات المالية الحكومية.
وبالأمس، أيضاً، حذرت الرئيسة السابقة للمحكمة العليا الإسرائيلية من انزلاق دولة الاحتلال نحو «الفوضى من الداخل»، تعقيباً على محاولة جماعات الحريديم اقتحام منزل نائب رئيس المحكمة العليا، وإلحاق أضرار مختلفة بالمبنى وتحطيم زجاج مركبة القاضي الخاصة. وتضيف بأنّ «أحداث الشغب هذه وغيرها من الأحداث غير المألوفة والخطيرة التي تجري أمام أعيننا، تشكل انتهاكاً مستمراً لمبادئ نظامنا الديمقراطي، وفي مقدمتها مبدأ سيادة القانون».
تناست المتباكية على سيادة القانون أن أعمال الشغب جرت في مستوطنة ألون شفوت، حيث يقع منزل زميلها القاضي، أي على أرض، وفي منشأة، يعتبرها القانون الدولي غير شرعية من جهة أولى؛ كما أنها، من جهة ثانية ليست أقلّ خطورة وعبثاً بالأعراف الإنسانية، حاضنة كبرى لاستيلاد أشدّ المنظومات السلوكية عنفاً وتشدداً وعنصرية. كذلك تغافلت عن حقائق كبرى تكمن خلف تجاسر غلاة الحريديم على زميلها، وفي طليعتها أنّ استمرار هذا الطراز من أعمال الشغب ليس سوى مآل تلقائي لمناورات نتنياهو؛ الذي لا يردعهم لأنّ مصير ائتلافه الحاكم وثيق الارتباط بمَن يمثلهم في الكنيست، علاوة على أنهم يعزفون الأنغام ذاتها التي تُطرب جمهوره وناخبيه.
ولم يكن بعيداً ذلك الزمن الذي شهد صرخة رئيس دولة الاحتلال إسحق هرتزوغ: «هذه خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها!»، تعليقاً على واقعة رأى فيها خروجاً على «الإجماع» الصهيوني، رغم أنها لم تكن جديدة تماماً، وسبق لها أن تكررت في أشكال شتى. سبب الغضبة تلك كان لجوء الحاخام مئير مزوز، أحد أشرس قيادات الحريديم، إلى تسجيل فيديو يقول فيه إن بعض الوزراء الإسرائيليين «خونة لشعبهم، وهم يمقتون شعبهم. إنهم أسوأ من النازيين، لأنّ النازيين يحبون شعبهم، لكن الوزراء هؤلاء يكرهون شعبهم». بدوره تغافل هرتزوغ عن واقعة ليكودية، جرت تحت سمع وبصر نتنياهو، صوّرت إسحق رابين (وكان يومئذ رئيس الحكومة) في إهاب ضابط نازي.
وسجلّ العلاقات بين الرايخ الثالث وبعض القيادات الصهيونية الأوروبية، العلنية المفضوحة منها قبل تلك السرّية المخفية، يحفظ صفقة اليهودي الهنغاري رودلف كاستنر مع الضابط النازي البارز أدولف إيخمان؛ والتي تضمنت ترحيل نصف مليون يهودي هنغاري إلى معسكرات نازية، مقابل منجاة كاستنر شخصياً وبعض أقربائه، وتسهيل هجرة 1600 يهودي إلى فلسطين. وكي لا تكون أجنحة الصهيونية اليمينية هي وحدها المتهمة بالتعامل مع كبار ضباط أدولف هتلر، يقتضي التنويه إلى أنّ كاستنر كان أحد أقطاب الـ«ماباي»، حزب دافيد بن غوريون!
وهكذا فإنّ ما بعد الصهيونية، على غرار سلاسل «الـ ما بعد» الشهيرة، الجوفاء منها تحديداً، لا تفلح في المصالحة بين أكثر من دولة احتلال: تلك التي تُبصرها، بنظرة حولاء، القاضية السابقة المتباكية على دولة القانون؛ وتلك التي يشاغب على قوانينها حاخامات من عيار مزوز، وقبله رائد التطرف الحاخام أفرام إسحق كوك محتقر الصهاينة آكلي لحم الخنزير؛ أو التي يناور في تسخير أكاذيب قوانينها أمثالُ نتنياهو، صحبة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترش؛ من دون استبعاد شمعون بيريس وإيهود باراك ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان…



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *