متابعة/المدى
سجلت الاستيرادات العراقية خلال عام 2025 تراجعاً لافتاً بعد سنوات من الارتفاع المتواصل، في تطور يعكس تحولات اقتصادية ومالية مرتبطة بانخفاض الإيرادات النفطية وتراجع مستويات السيولة في السوق، إلى جانب تشديد الرقابة على عمليات الاستيراد والتحويلات المالية.
وأظهرت بيانات التجارة الدولية الخاصة بعام 2025 انخفاض قيمة الواردات العراقية إلى 51.1 مليار دولار، مقارنة بـ87.4 مليار دولار خلال عام 2024، ما يعني تراجعاً بأكثر من 36 مليار دولار خلال عام واحد، وهو من أكبر الانخفاضات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التراجع بعد مسار تصاعدي استمر عدة أعوام، إذ بلغت قيمة الاستيرادات نحو 60.9 مليار دولار في عام 2021، لترتفع إلى 76.1 مليار دولار في عام 2022، ثم إلى 85 مليار دولار في عام 2023، قبل أن تصل إلى ذروتها خلال عام 2024.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن هذا الانخفاض لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة، بل يمثل نتيجة لتداخل مجموعة من العوامل المالية والاقتصادية التي أثرت على حركة السوق والقدرة الشرائية والأنشطة التجارية.
وقال الباحث الاقتصادي مصطفى فرج، في حديث تابعته (المدى)، إن التراجع الحاد في أسعار النفط خلال عام 2025 فرض ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد العراقي، الأمر الذي دفع المؤسسات الحكومية إلى تبني سياسات أكثر تحفظاً في الإنفاق، سواء على مستوى النفقات التشغيلية أو المشاريع الاستثمارية.
وأضاف أن إجراءات الترشيد التي اتبعتها الجهات الحكومية انعكست بشكل مباشر على حجم الاستيرادات، ولاسيما تلك المرتبطة بالمؤسسات الرسمية والمشاريع الحكومية، مبيناً أن انخفاض الإنفاق العام أدى إلى تراجع الطلب على السلع والخدمات المستوردة.
وفي موازاة ذلك، أشار فرج إلى أن القطاع المصرفي شهد تراجعاً في حجم الودائع خلال عام 2025، إذ انخفضت من نحو 123 تريليون دينار في عام 2024 إلى 111 تريليون دينار، وهو ما أثر على مستويات السيولة المتاحة في السوق وقدرة القطاع الخاص على تمويل عمليات الاستيراد.
وبحسب القراءة الاقتصادية، فإن جزءاً من انخفاض الاستيرادات يعكس تشديد الرقابة على التحويلات المالية وتقليص بعض مظاهر الاستيراد الوهمي أو غير الحقيقي التي كانت تسجل خلال السنوات الماضية، وهو ما يعد مؤشراً إيجابياً على صعيد تنظيم التجارة الخارجية ومراقبة حركة الأموال.
لكن في المقابل، يشير خبراء إلى أن الجزء الأكبر من الانخفاض يرتبط بحالة انكماش حقيقية في الطلب المحلي نتيجة تراجع الإنفاق الحكومي وضعف السيولة وتباطؤ النشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس على مستويات الاستهلاك والاستيراد في آن واحد.
وتسببت هذه التطورات في تراجع ترتيب العراق ضمن قائمة الدول الأكثر استيراداً خلال عام 2025، بعدما حل خلف عدد من الدول مثل أوكرانيا وباكستان وبنغلاديش وكولومبيا وكازاخستان، في حين حافظ على تفوقه مقارنة بدول أخرى في المنطقة من بينها الكويت وسلطنة عمان وقطر.