في محاولة للسيطرة على سوق الطاقة.. يلعب ترامب لعبة “تاكو”


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا لروجيه كارما قال فيه إن أسواق النفط تتوقع من الرئيس دونالد ترامب أن ينهي الحرب في إيران حالا، إلا أن الرئيس يصر على أنه ليس في عجلة من أمره لوقفها.

وتحت عنوان “ميزان تاكو” (وهو مختصر لعبارة: ترامب يتراجع أولا)، قال روجيه إنه رغم عدم تعجله، تظل أسواق النفط هادئة بشكل مثير للدهشة، لكن هذه الحقائق كلها مترابطة.

فعندما اندلعت الحرب، حذر الخبراء من أنه إذا ظل مضيق هرمز مغلقا لأكثر من بضعة أسابيع، فإن أسعار النفط سترتفع إلى 150 أو 200 دولار للبرميل. وقد مضى الآن ثلاثة أشهر على إغلاق المضيق، ومع ذلك فإن سعر برميل النفط الخام الأكثر تداولا يبلغ حوالي 94 دولارا، وهو ليس بعيدا عما كان عليه في بداية آذار/مارس، بعد وقت قصير من اندلاع الحرب.

وحتى بعد تصريح ترامب الأخير، في اجتماع مجلس الوزراء أمس، بأنه لا يشعر بأي ضغط للتوصل إلى اتفاق سلام، وقوله: “لا أهتم بانتخابات التجديد النصفي”، لم ترتفع أسعار النفط الخام إلا بنسبة 2%.

ونقل الكاتب عن روري جونستون، محلل أسواق النفط وكاتب النشرة الإخبارية “سياق السلع” واسعة الانتشار: “الأرقام لا تتطابق ببساطة، بالنسبة لأشخاص مثلي يقضون يومهم في تحليل هذه الأمور، ننظر إلى الأسعار ونتساءل: هل أنا أفقد صوابي؟ ما الذي يحدث؟”.

الولايات المتحدة ودول أخرى قد لجأت إلى احتياطياتها النفطية لتعويض بعض النقص في الإمدادات، لكن هذا لا يفسر بشكل كامل سبب بقاء أسعار النفط منخفضة كما هي

وجزء من الإجابة يكمن في أن الولايات المتحدة ودولا أخرى قد لجأت إلى احتياطياتها النفطية لتعويض بعض النقص في الإمدادات، لكن هذا لا يفسر بشكل كامل سبب بقاء أسعار النفط منخفضة كما هي.

والسبب الأهم يتعلق بسيكولوجية المستثمرين، فسعر برميل النفط لا يعكس فقط الواقع المادي اليوم، بل يعكس أيضا التوقعات حول شكل السوق في المستقبل القريب. فعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية، يبدو أن سوق النفط العالمي كان يعمل على افتراض أن مضيق هرمز سيعاد فتحه قريبا، وسيبدأ النفط بالتدفق مجددا.

كما أن هذا الافتراض متجذر في الاعتقاد بأن ترامب سيتراجع في النهاية، بمجرد أن يبلغ الألم الاقتصادي حدا معينا. وهذا ما يعرف بنظرية “تاكو” في قرارات ترامب، أي “ترامب يتراجع أولا”.

ويقول أرناب داتا، المدير الإداري في مركز الأبحاث “إمبلو أمريكا” والمختص في أسواق الطاقة: “أدرك السوق بشكل صحيح أن هناك شخصا واحدا سيحدد نتيجة هذا الأمر، وهو ترامب. ويفترض المتداولون أن الألم لن يبلغ حدا معينا قبل أن يتراجع ترامب”.

وقد اتضح أن هذا المنطق خطير ويدور في حلقة مفرغة، فالأسعار منخفضة لأن المستثمرين يتوقعون من ترامب إنهاء الحرب قبل أن ترتفع الأسعار بشكل كبير، ولكن نظرا لانخفاض الأسعار، يواجه ترامب ضغطا أقل لوقف الحرب.

وفي الواقع، كما يقول الكاتب، يبدو أن الرئيس أدرك أنه يستطيع تهدئة أسواق النفط بمجرد التلميح بين الحين والآخر إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام. وبالطبع، لا يزال من الممكن الإعلان عن اتفاق سلام أو وقف إطلاق نار جديد في أي لحظة. لكن الديناميكية بين ترامب والأسواق، والتي يمكن تسميتها “توازن تاكو”، هي ما أطال أمد الحرب أكثر مما توقعه معظم الناس.

وبشكل عام، فإن الاعتقاد بأن ترامب سيتراجع أمام كارثة اقتصادية ليس بلا أساس. فبعد أن أعلن ترامب عن تعرفاته الجمركية “يوم التحرير” في نيسان/أبريل 2025، خسر سوق الأسهم تريليونات الدولارات من قيمته في غضون أيام قليلة. ثم، مع دخول التعرفات حيز التنفيذ، بدأ مستثمرو السندات ببيع سندات الخزانة الأمريكية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الفائدة بشكل حاد.

بعد أن أعلن ترامب عن تعرفاته الجمركية “يوم التحرير” في نيسان/أبريل 2025، خسر سوق الأسهم تريليونات الدولارات من قيمته في غضون أيام قليلة

وبعد مرور 13 ساعة فقط على بدء سياسته التجارية الجديدة، تراجع ترامب وأعلن تعليق الرسوم الجمركية لمدة 90 يوما، معللا ذلك بتقلبات الأسواق. وقد انخفضت أسعار الفائدة، وشهد سوق الأسهم أكبر ارتفاع له في يوم واحد هذا العام. وحقق المستثمرون الذين راهنوا على تراجع ترامب أرباحا طائلة.

وفي الأشهر التالية، تكرر هذا السيناريو أكثر من مرة، وبرز رأي جديد في “وول ستريت” مفاده أن على المستثمرين الاستجابة لتهديدات ترامب ليس بالبيع، بل بـ “شراء الأسعار عند انخفاضها” وتحقيق الربح عندما يتراجع حتما. وعرفت هذه الاستراتيجية باسم “صفقة تاكو”.

ثم في 28 شباط/فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما على إيران، مما أدى إلى ارتفاع سعر برميل خام برنت، الذي يعتبر عموما المعيار العالمي للنفط، من حوالي 70 دولارا إلى ما يقارب 120 دولارا في أقل من أسبوع.

ولكن في 9 آذار/مارس، أعلن ترامب أن الصراع “انتهى تماما” وأن المضيق قد أعيد فتحه، مع أن الأمر لم يكن كذلك، فانخفضت أسعار النفط إلى ما دون 90 دولارا للبرميل.

وبدا أن نظرية “تاكو” قد أثبتت صحتها مرة أخرى. لكن ترامب لم يلتزم بوعده هذه المرة، فقد استمرت الحرب وبدأت أسعار النفط بالارتفاع تدريجيا، لتتجاوز في النهاية 110 دولارات.

وكما هو متوقع، أعلن ترامب أن إدارته أجرت “محادثات مثمرة وجيدة للغاية” مع إيران لإنهاء الحرب. ومرة أخرى، انخفض سعر النفط، هذه المرة إلى حوالي 95 دولارا للبرميل. وقد تكرر هذا النمط أكثر من مرة، ارتفاع أسعار النفط، يليه إعلان عن اتفاق سلام وشيك، ثم انخفاض أسعار النفط، ثم استمرار الحرب.

ويقول الكاتب إن نظرية “تاكو” كما اتضح لها قيدان أساسيان. أولا، يمكن أن تصبح متناقضة مع نفسها، حيث يفترض تجار النفط أن ارتفاع أسعار النفط سيجبر ترامب على إنهاء الحرب. لكن هذا الافتراض هو ما يبقي سعر النفط أقل مما كان عليه في الواقع.

وثانيا، يمكن التلاعب بهذه النظرية بسهولة، ومن المحتمل أن يكون ترامب قد أدرك أن الأسواق تتوقع تراجعه. لذلك، وبمجرد أن تبدأ الأسعار في الارتفاع، يمكنه التظاهر بأنه على وشك الاستسلام، وسيهدأ كل شيء.

وعندما تنخفض الأسعار، سيتكبد التجار الذين راهنوا ضد نظرية “تاكو” خسائر فادحة، وسيفكرون مليا قبل تكرار الرهان نفسه في المرة المقبلة.

وقال جونستون: “لذا ينتهي بنا المطاف في هذه الدوامة التي لا تنتهي، ترتفع الأسعار ثم يتحدث ترامب عن صفقة، وبعدها تنخفض الأسعار، وعند ذلك يشعر ترامب فجأة أنه ليس بحاجة إلى إبرام الصفقة”.

وقد أكد محللون للكاتب أن استراتيجية كهذه لن تدوم للأبد، وبدأت الأسواق تدرك ذلك. وأشار جونستون إلى أن تأثير إعلانات ترامب للسلام على أسعار النفط يتضاءل بمرور الوقت، مع بدء المتداولين في إدراك هذا النمط.

تأثير إعلانات ترامب للسلام على أسعار النفط يتضاءل بمرور الوقت، مع بدء المتداولين في إدراك هذا النمط

والأهم من ذلك هو أن قانون العرض والطلب سيصبح حتميا في نهاية المطاف، فالدول تستنزف احتياطياتها النفطية بسرعة، وقد تبدأ في استنفادها خلال الشهر المقبل. وعندها، لن يكون هناك ما يكفي من البراميل لتلبية الطلب، وسيبدأ المشترون في رفع أسعار البراميل المتبقية.

وقال غريغوري برو، كبير محللي إيران والطاقة في مجموعة “أوراسيا”: “إنها مسألة وقت، نحن نخسر 13 مليون برميل من النفط يوميا. وفي النهاية، ستتضح هذه الحقيقة، وعندما يحدث ذلك، سترتفع الأسعار بسرعة كبيرة جدا”.

وقد يبدأ ترامب أيضا في الشعور بأشكال أخرى من الضغوط الاقتصادية. فقد أظهر تقرير التضخم الأمريكي لشهر نيسان/أبريل أن الأسعار ترتفع بأسرع وتيرة لها منذ منتصف عام 2023، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى تداعيات الحرب الإيرانية، وهو ما أثار قلق مستثمري السندات.

ويقول روجيه إن ارتفاع التضخم يعتبر خطرا كبيرا على حاملي السندات الحكومية، لأنه ينذر بانخفاض قيمة أي دين يسدد مستقبلا بشكل كبير. ولذلك، استجاب العديد من حاملي السندات للتقرير ببيع سندات الخزانة الأمريكية التي بحوزتهم.

وقد أدى ذلك بدوره إلى ارتفاع سعر الفائدة على السندات الحكومية إلى أعلى مستوياته منذ ما يقرب من عشرين عاما. ويؤدي بيع السندات إلى انخفاض سعرها، مما يتسبب رياضيا في زيادة “عائدها”، أي سعر الفائدة الذي تدفعه.

ونقل الكاتب عن جاريد برينشتاين، الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين لجوزيف بايدن: “لقد انغمس مستثمرو الأسهم في وهم كبير بأن ترامب سيعود إلى رشده في أي لحظة ويوقف الحرب”، وأضاف: “لكن متداولي السندات عموما لا يتحلون بالصبر تجاه هذا الوهم، فهم أكثر ميلا للاستجابة لما يحدث فعليا في الاقتصاد حاليا”.

ومع ذلك، يبدو أن الفوضى في سوق السندات لا تؤثر على ترامب هذه المرة بالقدر نفسه. ففي الأسبوع نفسه الذي سجلت فيه سندات الخزانة الأمريكية مستوى قياسيا، أعلن ترامب أنه أمر موظفيه “بعدم التسرع” في التوصل إلى تسوية مع إيران. وحتى الآن، لا تزال نظرية “ترامب يتراجع دائما” قائمة وسليمة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *