مسجد النبي صمئويل (وفا)
القدس ـ «القدس العربي»: يتصاعد القلق الفلسطيني من دخول منطقة مسجد النبي صموئيل شمال غرب القدس المحتلة مرحلة جديدة من التهويد، عقب القرار الإسرائيلي الأخير بالاستيلاء على نحو 109.79 دونمات من أراضي بلدتي النبي صموئيل وبيت إكسا، تحت مسمى «المصلحة العامة» و«تطوير موقع أثري».
ويرى فلسطينيون في هذه الخطوة تكريسا للسيطرة الإسرائيلية على الموقع الديني والتاريخي ومحيطه، وتقليص الوجود الفلسطيني في المنطقة.
وقالت محافظة القدس الفلسطينية في بيان، وفق وكالة الأنبا الفلسطينية «وفا»، إن القرار الجديد لا ينفصل عن مسار طويل من السياسات الهادفة إلى إعادة تشكيل الهوية التاريخية والدينية والجغرافية للمنطقة بما يخدم الرواية الإسرائيلية، عبر توظيف الآثار والدين والقانون لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وحسب «وفا»، يقع مسجد النبي صموئيل على تلة مرتفعة شمال غرب القدس، ويعد من أبرز المعالم الإسلامية التاريخية المحيطة في المدينة المقدسة، كما يضم مقامًا ينسب إلى النبي صموئيل عليه السلام، وظل على مدار قرون مقصدًا للمصلين والزوار من مختلف المناطق الفلسطينية.
وتعود أبرز ملامح المبنى القائم إلى الحقبتين الأيوبية والمملوكية، فيما تعاقبت على الموقع حضارات متعددة تركت آثارها المعمارية والتاريخية فيه.
غير أن الاحتلال الإسرائيلي بدأ منذ عام 1967 بفرض تغييرات تدريجية على الموقع، مستندًا إلى رواية دينية يهودية تدعي وجود قبر النبي صموئيل في المكان، وهو ما ترافق مع تقييد وصول الفلسطينيين إلى المسجد، وتحويل أجزاء منه إلى كنيس يهودي، وتقليص المساحات المخصصة لصلاة المسلمين.
ويرى فلسطينيون أن هذه الإجراءات تأتي ضمن سياسة تستهدف تغيير الطابع العربي والإسلامي للموقع، وتحويله تدريجيًا إلى مزار يهودي خاضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية.
ولم يقتصر الاستهداف على المسجد، بل امتد إلى قرية النبي صموئيل نفسها وسكانها الفلسطينيين. ففي عام 1971 هدمت قوات الاحتلال معظم منازل القرية، وهجرت غالبية سكانها بذريعة الحفاظ على الآثار، رغم الوجود الفلسطيني المتواصل في المنطقة عبر مئات السنين.
واليوم لا يتجاوز عدد سكان القرية نحو 300 فلسطيني، يعيشون في ظروف معيشية صعبة نتيجة القيود الإسرائيلية المفروضة على البناء والحركة واستصلاح الأراضي.
وفي عام 1995 أعلنت سلطات الاحتلال المنطقة المحيطة بالقرية «حديقة قومية»، واستولت على آلاف الدونمات تحت هذا التصنيف، ما أدى إلى عزل القرية وتحويلها إلى جيب محاصر داخل نطاق السيطرة الإسرائيلية.
ويقول سكان المنطقة إن القيود المفروضة عليهم جعلت الحياة اليومية أكثر صعوبة، في ظل منع التوسع العمراني وحرمان الفلسطينيين من تطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وتؤكد محافظة القدس أن سلطات الاحتلال تستخدم ملف الآثار أداة سياسية لفرض سيادتها على المكان، مشيرة إلى أن الحفريات التي نفذتها إسرائيل منذ مطلع التسعينيات لم تقدم أدلة تثبت الرواية التوراتية التي تروج لها، فيما أظهرت معالم وآثارًا إسلامية واضحة، أبرزها المسجد التاريخي نفسه.
ورغم ذلك، تواصل الجهات الإسرائيلية تقديم الموقع في المنشورات السياحية واللوحات الإرشادية باعتباره موقعًا ذا طابع يهودي، مع تغييب شبه كامل للرواية العربية والإسلامية المرتبطة بالمكان. كما وثقت المحافظة استخدام أجزاء من المسجد ومحيطه لأغراض عسكرية وأمنية، إلى جانب تنظيم فعاليات ذات طابع تهويدي، والاستيلاء التدريجي على أجزاء من المبنى وتحويلها لخدمة الطقوس اليهودية.
وفي السياق، أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية قرار الاستيلاء على الأراضي المحيطة بالنبي صموئيل وبيت إكسا، معتبرة أنه امتداد «لحرب استعمارية على الأرض والإنسان والرواية الفلسطينية».
وقالت الوزارة إن القرار يجسد سياسات ممنهجة تستهدف الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية، وتسعى إلى تهويد القدس المحتلة وعزلها عن محيطها الطبيعي، مؤكدة أن استخدام «المصلحة العامة» و»المواقع الأثرية» يمثل غطاءً لشرعنة السيطرة على الأرض الفلسطينية.
كما أدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية القرار الإسرائيلي، وعدته جزءًا من سياسة تهدف إلى خنق المسجد وعزله بالكامل عن محيطه الفلسطيني، وتحويله إلى «موقع أثري يهودي بقوة السلاح».
وأكدت الوزارة أن مسجد النبي صموئيل «حق خالص للمسلمين»، داعية منظمة «يونسكو» والمؤسسات الدولية إلى التدخل العاجل لحماية المسجد والمواقع الوقفية والتاريخية في القدس المحتلة.
وأدانت الوزارة أيضا قيام الوزير في حكومة الاحتلال، المتطرف بتسلئيل سموتريتش، باقتحام منطقة «برك سليمان» الأثرية الواقعة في محافظة بيت لحم، مؤكدة أن هذه المنطقة هي «أوقاف إسلامية خالصة» ومسجلة تاريخيا وقانونيا لوزارة الأوقاف، وأن هذا الاقتحام يمثل اعتداء صارخا على الأملاك الوقفية، ومحاولة بائسة لفرض واقع استعماري جديد وتزوير الهوية التاريخية والإسلامية للمنطقة.